رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تسلط التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول المجلس الضوء على العديد من الاختلالات المالية والاقتصادية، ومن بينها كلفة الأجور التي يتم دفعها من القطاع العام، إذ تمثل أكثر من 10 في المائة من الناتج القومي، ونحو نصف المصروفات في الموازنات العامة، ما يعني أن هذا القطاع قد بلغ مرحلة التشبع، وكذلك الاعتماد منذ الطفرة النفطية في السبعينيات من القرن الماضي على الأيدي العاملة الرخيصة المقبلة، حيث يقدر عددها بنحو 17 مليون عامل يحولون سنويا نحو 100 مليار دولار.
ومن هنا تبرز أهمية توطين الوظائف في القطاع الخاص في هذه المرحلة لتقليل ميزانية الدولة من جهة ووقف نزيف تحويل الأموال للخارج من جهة أخرى.
إن التوطين بما أخذه من مسميات شتى في دول مجلس التعاون الخليجي (البحرنة أو العممنة أو السعودة أو..إلخ) انطلق في أهميته منذ نحو ثلاثين عاما، أي بعد التراجع الأول للإيرادات النفطية في منتصف الثمانينيات، وتنامي العجوزات المالية، حيث بات واضحا منذ ذلك الوقت أن دول المنطقة لن تعيش عصرا ذهبيا مستمرا كان قد بدأ منذ منتصف السبعينيات، وإنما يجب أن تستعد لدورات من الركود وشد الأحزمة، وبالتالي، لابد من إعادة النظر في نماذج التنمية التي تم تبنيها آنذاك والقائمة على مجتمع الرفاهية. وأحد الأمور المهمة التي فرضت نفسها لإعادة المراجعة هو موضوع العمالة والتنمية البشرية، خصوصا أن الطفرة الكبيرة في خدمات التعليم الثانوي والجامعي باتت تخرج مئات الآلاف من الشباب الباحث عن فرص عمل ملائمة، في حين امتلأت أسواق العمل بالعمالة الأجنبية الرخيصة.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في المقابل: هل نريد أي توطين كان وبغض النظر عن معايير الكفاءة والإنتاجية؟ الجواب على هذا السؤال واضح باعتقادنا.
ومع ذلك، فإننا نريد توضيح أبعاده على مستويين، المستوى الأول هو مستوى الاقتصاد الجزئي، ونقصد بذلك مستوى منشآت الأعمال في القطاع الخاص تحديدا. والمستوى الآخر هو الاقتصاد الكلي، ونقصد بذلك مستوى إنتاجية الاقتصاد ونموه على كافة الأصعدة.
وفيما يخص المستوى الأول، كلنا يعلم أن القطاع الخاص الخليجي يملك الرغبة في توطين الوظائف في مختلف الأنشطة التي يمارسها، ولكن أهم تحد يواجهه في تحقيق هذه المهمة، هو موضوع كفاءة وإنتاجية العمالة الوطنية. وهذان العنصران، أي الكفاءة والإنتاجية، لن يتحققا إلا من خلال التعليم والتدريب والممارسة التي تقود بالنتيجة إلى الاحتراف المهني. فالقطاع الخاص يهدف إلى زيادة العائد من الاستثمار في التنمية البشرية. ومن هنا تتضح العلاقة الجدلية بين التطوير التوظيفي من جهة والتوطين من خلال الاحتراف من جهة أخرى على مستوى الاقتصاد الجزئي.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن جميع التحديات التي تواجهها الاقتصادات الخليجية في الوقت الراهن تقود إلى حقيقة رئيسية، وهي أن هذه الاقتصادات مطالبة بتحسين مستوى إنتاجيتها وكفاءة أدائها كسبيل لزيادة معدلات النمو الاقتصادي، وبالتالي تعزيز مستوى الدخل للمواطنين وتحقيق الرفاهية المنشودة.
أما فيما يخص التحديات التي تواجه عملية التوطين في بلادنا الخليجية، فيجب أن نلاحظ أولا أن قضية التوطين باتت تمثل قضية محورية لدى الحكومات والدول جميعها، وذلك لارتباطها المباشر بالاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي، وباعتبارها الأساس الحقيقي في تنمية المجتمع والفرد.
ومن أجل ذلك، فإن الدول المتقدمة ومن خلال فهم دقيق لمعنى وإبعاد التوطين، تولي هذه القضية اهتماما كبيرا ومن أجلها تشرع القوانين وتسن التشريعات، وتضع الاستراتيجيات والسياسات التي تحقق التوطين الحقيقي على صعيد الإنسان والاقتصاد والوطن.
أما في دول العالم الثالث فإن هذه القضية لم تحظ لديها بعد بالاهتمام المطلوب. وبالتالي كان من الطبيعي أن تتعرض هذه الدول لمخاطر التخلف والتراجع والصراع الداخلي، وعدم الاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
وفي دولنا الخليجية، نحن نلاحظ للأسف أن موضوع التوطين لم يبرز كجزء من إستراتيجية شاملة للتنمية البشرية، وإنما فرضته ظروف تراجع العائدات النفطية في فترات مختلفة، آخرها فترتنا الراهنة والتي عادة ما تؤدي إلى تراجع حجم المشاريع الحكومية.
وينجم عن ذلك الانحسار، انخفاض حجم الوظائف المتوفرة، والتنامي التدريجي للبطالة في صفوف العمالة الوطنية.
إن جعل برامج التوطين جزءا من إستراتيجية شاملة للتنمية البشرية يعني توفير العديد من المستلزمات الضرورية لإنجاح هذه البرامج، وفي مقدمة هذه المستلزمات مشاركة القطاع الخاص والتنسيق معه في وضع هذه البرامج وفقا لاحتياجاته ومتطلبات نموه.
كذلك مراجعة الأوضاع المؤلمة والكارثية لبرامج التربية والتعليم في بلداننا الخليجية، والتي نتفق جميعا أنها أدنى بكثير من طموحاتنا واحتياجاتنا. كما أن برامج ومعاهد التدريب ولاسيَّما المهنية والتقنية تعاني من الأوضاع نفسها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4197
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2310
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1482
| 30 يوليو 2026