رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من مصائب التاريخ الذي كتبه «المنتصرون» برهانهم ضرورة سيطرتهم التاريخية ، جاء نتيجة تفوق ثقافتهم وحضارتهم.
التفوق التقني والعسكري لم يكن ينطوي على تفوق الثقافة والمشروع الانساني ، وعليه لم تكن الغزوات الاوروبية والامريكية حول العالم والرد الهمجي سوى هدم وتخريب للقيم الثقافية العليا.
التاريخ الشامل هو تاريخ الإمكانات البشرية المشتركة. والبحث عن الابعاد التي فقدها الانسان خلال فرص التاريخ المفقودة وإعادة غزوها. وليس بالامكان انتزاع جبرية المستقبل إلا إذا انتزعت جبرية التاريخ.
وبرسم المجازر الاسرائيلية في غزة، وبشيء من الاسقاط للمقارنة، يقول الفيلسوف الراحل ”روجيه جارودي” اول احتكاك لي مع الاسلام كان برجال منه، أدين لهم بحياتي. الرابع من آذار/مارس سنة 1941 كنا زهاء خمسمائة معتقل لمقاومتنا الهتلرية. هجرنا الى معسكر الاعتقال في الجزائر، وقد اثار عصياننا قائد المعسكر الفرنسي وأنذرنا بإطلاق النار علينا وعندما مضينا أمر حاملي الرشاشات، وكانوا جزائريين، بإطلاق النار فرفضوا، ومع تهديده لهم ظلوا لا يستجيبون وأجدني حياً الى الان بفضل هؤلاء المسلمين وقد اوضحوا لنا سبب ذلك: إن ما ينافي شرف محارب مسلم من الجنوب أن يطلق رجل مسلح النار على رجل أعزل، هذه التجربة اخذتني لدراسة الاسلام واعتناقه.
الغرب عارض طارئ ، في اعتباره الفرد مركز الاشياء ومقياسها، وفي ارجاعه الواقع الى المفهوم، أي في الرقي بالعلم وبالتقنيات من حيث هي وسائل، مداولة الاشياء والناس الى مصاف القيم العليا، إنه طراز استثناء ضئيل في الملحمة الانسانية لثلاثة ملايين سنة خلت وأن عصر النهضة، وهو ليس حركة ثقافية وحسب بل ولادة مواكبة انجبت الرأسمالية والاستعمار قد هدم حضارات اسمى من حضارات الغرب باعتبار علاقات الانسان فيها بالطبيعة وبالمجتمع وبالإلهي بدل ان تكون ذروة النزعة الانسانية.
لم يبق عصر النهضة “معجزة” كما لم تبق ثمة “معجزة يونانية”.
وإن خلق مجتمع تسوده المنافسة وخصومة الناس بعضهم مع بعض في إطار ”السوق” قد أدى الى عقائدية (= إيديولوجيا) تبرر الممارسة حتى عند صنائعها في المنطقة وتحول التصور السابق لعلاقة الانسان بالطبيعة وعلاقة الانسان بالانسان وعلاقة الانسان بالله.
إن علاقة الانسان بالطبيعة فيها: عرش وعريش ونعش، شعار الحضارة الجديدة ، بدماغك القوي، صر إلهاً..سيد العناصر!.هذا الشعار سبق بنصف قرن وعد (ديكارت) بعلم يجعل الغربيين سادة الطبيعة ومالكيها بتوجيه موضوعات:1- رجحان الفعل والعمل باعتباره قيمة اساسية.2- رجحان جانب العقل. وكلتاهما تؤلف ديانة وسائل، إن العلمية والتكنوقراطية تطرحان دائماً سؤالا: كيف؟ وليس لماذا؟.
هذا التصور «الابراهيمي الجديد» الوحيد البعد المخادع؛ يحيل الفكر الى الذكاء وحده،لا مجال فيه للحب والايمان والمشاعر وتشاطر الانفعالات الانسانية جوهر الوجود، وقد نميز مراحل اساسية ثلاثا في تاريخ البشرية مرحلة تتجاوز فيها قدرة الطبيعة قدرة الانسان فيها يقاتل الانسان للبقاء ومرحلة تجاوز قدرة الانسان قدرة الطبيعة، واخيراً المرحلة التي نعيشها منذ منتصف القرن العشرين وفيها تجاوز قدرة الانسان طاقة الانسان،لا يعرف فيها تحديد الغايات الحقيقية ولا السيطرة على الوسائل؟”.
إن حضارة تقوم على هذه الموضوعات الثلاثة:- تحيل الانسان الى العمل والاستهلاك- تحيل الفكر الى الذكاء- تحيل اللانهائي الى الحكم إنها حضارة مؤهلة للانتحار، انتحار لفقدان الهدف والإفراط في الوسائل.
وعلى هذا النحو ولدت الثروات العظمى للمشاريع الرأسمالية في الوحل والدم.
وبرسم من يريدون القضاء على التنوع في الشرق من متشددين ودكتاتوريين ومستعربين ومستعمرين. فليعلموا ان ما يطلقون عليه “غزوة اسبانيا” لم يكن غزواً عسكرياً، لقد كان عدد سكان اسبانيا في ذلك الحين زهاء عشرة ملايين نسمة ولم يزد عدد الفرسان العرب في الارض الاسبانية البتة على سبعين الفاً، وإنما لعب التفوق الحضاري دوراً حاسماً، فقد جلب العرب معهم نموذجاً حياتياً انسانياً حضارياً ونظاماً اجتماعياً أعلى جداً من النظام الراهن، وسرعان ما ظهروا بمظهر محررين، أولاً بإنقاذهم (الأقنان) من وصاية ملوك (الفيريغوط) في عصر انحطاطهم ثم وقد اقام العرب في بلد تمزقه الفوضى الاقطاعية، أجمل منشآت الري التي عرفها العصر إن الحضارة التي أقامها العرب تنبع من مصادر أصيلة وعندما رحل الراهب الفرنسي (جربير) للدراسة في جامعة (قرطبة) قفل عائداً وقد بلغ من العلم مبلغاً صار يتهم من أجله بأنه تاجر مع الشيطان! وبعدئذ أصبح (البابا) باسم (سلفستر الثاني).
يتبع:
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- كاتب صحفي ومحلل سياسي لبناني
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1671
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
834
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
636
| 31 ديسمبر 2025