رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لداعي السفر، كنت قد كتبت مقالي الأسبوعي وسلمته بعد ظهر يوم السبت، لكي يتم صفه وتوزيعه خلال اليومين التاليين. ودعوت فيه إلى انسحاب المهندس خيرت الشاطر واللواء عمر سليمان من الترشيح للرئاسة، حيث اعتبرت أن الرجلين كانا بمثابة قنبلتين انفجرتا في وجوه المصريين وأربكت كل الحسابات. لم أشر إلى المرشح حازم أبوإسماعيل لأنني تصورت أن موضوع جنسية أمه الأمريكية محسوم، وأنه سيخرج من السباق لأسباب قانونية. من ثَمَّ وجدت أن خروج الرجلين الآخرين (الشاطر وسليمان) له ضرورته من الناحية السياسية.. وإن كان قرار لجنة الانتخابات باستبعادها المبدئي قد أضاف أسبابا أخرى قانونية.
فاجأني قرار استبعاد المرشحين الذي صدر، وكنت مخيرا بين وقف ظهور المقال وبين نشره لإيضاح الأسباب السياسية التي تستدعي خروج الرجلين من قوائم المرشحين، خصوصا أن باب الطعن في قرار اللجنة ظل مفتوحا لمدة 48 ساعة، وليس من اليسير تحديد موقفهما النهائي قبل النشر، إليك نص المقال المكتوب قبل إعلان قرار لجنة الانتخابات.
ــ1ــ
حين يصبح الخوف على الثورة في مصر عنوان المرحلة الراهنة، فإن استنفار الجماعة الوطنية واحتشادها لإبعاد شبحه بأي ثمن يصبح واجب الوقت. أحدث مشاهد الخوف تبدت حين لاح في الأفق فجأة شبح مبارك مرة أخرى، حين ظهر أمامنا في شخص نائبه وصفيه اللواء عمر سليمان، الذي قال عنه أحد خبراء المخابرات المركزية الأمريكية أنه هو ومبارك لم يكونا شخصين، ولكنهما كانا شخصا واحدا.
لم يكن انفجار قنبلة ظهور مبارك الآخر في وجوهنا هو المفاجأة الوحيدة، لأن ملابسات ذلك الدخول حفلت بمفاجآت أخرى. إذ يعد إحجاما وإقداما استغرقا في العلن نحو ثلاثة أيام فوجئنا بأن 49 ألف توكيل رتبت للرجل في أقل من 24 ساعة، فيما وصفه اللواء سليمان بأنها «معجزة تمت بتسهيل رباني». ولأن مبلغ علمنا أن عصر المعجزات انتهى، فإن ظهور تلك المعجزة لصالح ترشح اللواء سليمان لا تستطيع أن نسلم به بسهولة. بكلام آخر فإن جمع ذلك العدد الكبير من التوكيلات، وحديث الرجل عن عشرات الألوف من التوكيلات الأخرى التي لم تصل إلى القاهرة بسبب محدودية الوقت، هذا الكلام لم يهضمه المجتمع بسهولة، فتحدث البعض عن دور لرجال المخابرات العامة في جمع توكيلات من ألوف المجندين للقوات المسلحة. وتحدث آخرون عن أن الفلول في أحد النوادي الكبرى أقاموا مركزا لهم وطلبوا من أعضاء النادي أن يسندوا اللواء سليمان، وهذا ما فعله فريق آخر من الفلول الذين يملكون بعض المصانع، وطلبوا عمالهم نفس المطلب.
لكن ذلك في كفة وموقف المجلس العسكري من ترشيح اللواء سليمان في كفة أخرى. ذلك أنني لست واثقا من أن المجلس يقف حقا على مسافة واحدة من كل المرشحين للرئاسة. ولست واثقا مما قاله صاحبنا لزميلنا عادل حمودة في صحيفة «الفجر» من أنه يرفض أن يكون مرشح المجلس العسكري. كما أنني لا أستطيع أن أقتنع بسهولة بأن عناصر المخابرات العامة التي رأسها طوال عشرين عاما يمكن أن تكون بعيدة عن الموضوع.
ثمة همس يعتمد على قرائن متوفرة تشير إلى أن ثمة أعدادا للتدخل لصالحه في انتخابات الرئاسة القادمة التي ستجرى في لجان المصريين بالخارج، وهى التي تنعقد بعيدا عن الأعين في السفارات، ومعروف أن تلك السفارات تضم في العادة ضباطا تابعين للمخابرات العامة، وأن قدموا بصفات أخرى. ومعلوماتي أن هذا الموضوع وبعض القوائم التي تسربت محل بحث الآن في إحدى الجهات المعنية.
ــ2ــ
كنت قد تحدثت من قبل عن «غسل» عمر سليمان الذي يقوم به بعض أعوان النظام السابق من إعلاميين وأصحاب مصالح، كما ذكرت أن اللعب صار على المكشوف في الساحة السياسية، حيث سقطت الأقنعة ــ أغلبها إن شئت الدقة ــ ولم يعد رجال مبارك يستحون من التعلق بشخصه وزمانه، بعدما ظلوا حريصين على إخفاء هذه «العورة» طوال الخمسة عشر شهرا الماضية.
لقد ذهب البعض ــ كما تحدث هو شخصيا ــ إلى أن معارضي ترشيح اللواء سليمان يخشونه. وهذا ليس صحيحا على الإطلاق لأن هؤلاء ينسون أن الرجل رمز لنظام ثار عليه المجتمع، وأن دوره في خطايا النظام وجرائمه السياسية لا يمكن أن ينسى أو يغتفر. يكفي أنه منذ توليه منصبه وطوال عشرين عاما كان بمثابة مبارك الآخر، كما قيل بحق. وهو ما يعني أن معارضه ترشيح الرجل لم تنطلق من الخوف منه، ولكنها كانت نفورا مما يمثله وخوفا على البلد.
الذي لا يقل سوءا على ذلك أن ملابسات دخول الرجل إلى الحلبة أثارت شكوكا حول حقيقة الدور الذي يقوم به المجلس العسكري، ليس في الوقت الراهن فحسب وإنما في ترتيب أوراق المستقبل أيضا. بل إن تلك الشكوك دفعت البعض إلى التساؤل عن احتمالات التسامح في التلاعب في نتائج الانتخابات الرئاسية.
ما قلته بخصوص ترتيب أوراق المستقبل لا ينصرف إلى مستقبل البلد فحسب، وإنما أيضا إلى مستقبل دور القوات المسلحة وموقعها في الدستور الجديد. إذ المعلومات المتوفرة أن المجلس العسكري مصر على النص في الدستور على خصوصية وضع القوات المسلحة في الدفاع عن النظام السياسي، وعلى عدم مناقشة تفاصيل موازنته في مجلس الشعب. وأمام إصرار القوى الوطنية على رفض المطلبين ــ الذين سبق أن استجابت لهما ما سمى بوثيقة الدكتور السلمي والتعامل مع القوات المسلحة كأي مؤسسة أخرى مقدرة في المجتمع، فإن المجلس العسكري ربما يكون قد أثر أن يساند رئيسا من «آل البيت» يحقق له ما يريد.
ــ3ــ
توقيت ومناخ دخول السيد سليمان إلى حلبة المنافسة لابد أن يثير الانتباه. ذلك أن أحدا لا يشك في أنه اختار لحظة استشعر فيها الناس الخوف من تزايد نفوذ الإسلاميين بعد انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع الدستور. وفي الحديث الذي أجراه الرجل لجريدة الفجر، قال صراحة إنه دخل في السباق لأسباب عدة على رأسها «إنقاذ» البلاد من هيمنة الإسلاميين، وهذا الخوف له أسبابه المتعددة. فمن ناحية ينبغي الاعتراف بأن ثقافة الخوف من الإسلاميين والعداء لهم مستقرة في أوساط عدة، وأن عملية التخويف التي سادت في الدوائر السياسية والإعلامية المصرية لم تتوقف وإنما استمرت بعد سقوط النظام. وإذا كانت عملية التخويف تتم في الماضي بسبب وبغير سبب، فما بالك إذا أصبح السبب مؤكداً وملموسا. ذلك أننا يجب أن نعترف بأن الإخوان المسلمين أخطأوا في قراءة الواقع حين ألقوا في الساحة بقنبلة أخرى تمثلت في ترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية خلافا لما وعدوا به. وأخطأوا حين تراجعوا عن نسبة تمثيل مجلس الشعب والشورى في اللجنة التأسيسية، فرفعوها إلى 50? بدلا من الإعلان المبكر عن 40?. وأخطأوا في التطلع إلى تشكيل الحكومة والتسرع في طلب سحب الثقة من حكومة الدكتور الجنزوري. وحين ترأسوا مجلس الشعب والشورى واللجنة التأسيسية التي يفترض أن تقوم بإعداد الدستور، وضغطوا لأجل تشكيل الحكومة برئاستهم، ثم رشحوا أحد قياديهم لرئاسة الجمهورية. حين فعلوا ذلك فإنهم أزعجوا المجتمع وخوفوا طبقته السياسية ودفعوا الناس إلى تصديق الكثير مما كان ينسب إلى موقفهم من السلطة. لا أتحدث عن الموقف القانوني الذي قد يكون سليما، لكنني أتحدث عن الرؤية الاستراتيجية والملاءمة السياسية حتى أزعم أن الخائفين من الإخوان تأكدت مخاوفهم، والمحبين للإخوان توجسوا منهم. أما المحايدون فقد خسر الإخوان أغلبهم، بسبب التعبئة الإعلامية التي تصيدت أخطاءهم. وكانت النتيجة أننا تابعنا على شاشات التلفزيون استغاثات لبعض الإعلاميين دعت المجلس العسكري إلى التدخل لوقف زحف الإخوان وإمساكهم بمفاتيح ومفاصل الدولة. وشاهدنا رسوما كاريكاتورية سوغت الاحتماء بالعسكر واعتبرته أمرا مَّرا، وبررت ذلك بأن بديلهم (الإخوان) أكثر مرارة. في توظيف للمثل الشائع الذي يقول فيه واحد لصاحبه ما الذي دفعك إلى المر، فرد عليه قائلا إنه الأمر منه.
إذا كان الإخوان قد خوفوا المجتمع فإن السلفيين أكملوا المشهد بترويعهم، للناس خصوصا أن الإعلام لم يقصر في الفضح والاصطياد، حتى صَّور السلفيين وحوشا تتأهب للانقضاض على المجتمع وتقييد الحريات العامة والخاصة. وحينما وزعت عناصر حزب التحرير الإسلامي للافتات التي دعت إلى إقامة الخلافة فإنهم زادوا الطين بلة ودعوا القاصي والداني إلى المسارعة بالانضمام إلى معسكر المذعورين والخائفين.
ــ4ــ
في النهاية صرنا بين خوفين يعذبان المصريين. خوف مؤكد من مبارك الآخر الذي خبرناه. وخوف مظنون من الإخوان والسلفيين الذين لم يحسنوا قراءة المشهد أو التعاطي معه. وأضيف إليهما خوفا ثالثا على الثورة التي غَّيبت في خضم التجاذب وصراع القوة والنفوذ ــ لا أعرف إلى أي مدى ارتياح المجلس العسكري لهذه الحصيلة، التي أوقفت حملة انتقاده في وسائل الإعلام، وأقنعت البعض بأن نار العسكري أفضل من جنة مبارك أو جنة الإخوان، كما عبرت عن ذلك بعض الرسوم الكاريكاتورية. وهناك من يتحدث عن أي من شأن ذلك التجاذب ليس فقط أن يطمئن المجلس العسكري ولكنه ربما أفضى إلى إطالة أمد بقائه في السلطة، وربما قوى مركزة بحيث حقق ما يريده في نصوص الدستور.
لابد أن نلاحظ أيضا أن بقية الأحزاب السياسية تعاني الحيرة، ناهيك عن هشاشة بنيانها وقلة حيلتها. خصوصا في ظل الشعور بأن الإخوان لم يستجيبوا لرغباتهم، وهو ما اعبتروه إقصاء لهم. بسبب من ذلك فإن بعضهم انحازوا إلى عمر سليمان إما مراهنة عليه أو كيدا في الإخوان والسلفيين، البعض الآخر ومعهم ائتلافات الثورة رفضوا الاثنين، ولم يستقروا على صيغة للتوافق بعد. وربما تحقق ذلك إذا أعيد تشكيل لجنة وضع الدستور بحيث تصبح أكثر قبولا من الجميع.
ما يهمني في كل ما يجري ــ ويخيفني أيضا ــ هو مستقبل الثورة والآمال الكبار المعلقة عليها. ليس في مصر وحدها، ولكن في العالم العربي أيضا. لذلك فإنني أقترح حلا للإشكال يهدئ من روع الجميع ويبدد الخوف الذي ينتابهم. ذلك أن المرشحين جميعا حين تقدموا لخوض غمار المنافسة، قالوا لنا إنهم بذلك يلبون نداء الوطن. وإذا كانت رياح الخوف قد ضربت الوطن وأشاعت البلبلة في أرجائه بعدما رشح الإخوان المهندس خيرت الشاطر، فإن تلك الرياح اشتدت وتحولت إلى إعصار عقب ظهور اللواء عمر سليمان في الأفق، ولأن الأمر كذلك فإن اقتراحي المحدد هو أن يتنازل الاثنان عن الترشح لكي يسكن الإعصار وينزع فتيل الأزمة ويعود الهدوء إلى ساحة الوطن، لتواصل الثورة تقدمها، فيوضع الدستور وينتخب الرئيس ويعود العسكر إلى ثكناتهم، ليهدأ بال المصريين وتأوي «بهية» إلى فراشها قريرة العين.
إن انسحاب الرجلين لإنقاذ الثورة والحفاظ على تماسك الجماعة الوطنية بات نداء الوطن وواجب الوقت.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1015
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026