رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رسم الفنان مصطفى حسين كاريكاتير في جريدة الأخبار المصرية، لطائرة تطير في سماء القاهرة فوق مبنى مجلس الشعب ومواطن مصري يقول "يا كابتن أنا لو قفزت دلوقت على مجلس الشعب حتنكسر رقبتي... شوف لي "دستور باراشوت" أقدر أنزل بيه سليم". فيولد تعبيرا وصفيا جديدا للحالة في مصر "الدستور الباراشوت"، وهو يوصف به الصراع بين لجنة الإخوان المسلمين "البشري سابقا"، والمطالبات الدستورية الأخرى والمتداولة على استحياء والتي تستخدم ذات منهج الإخوان في الإقصاء، بل تكاد الفتنة الدستورية تصل مداها في صورة مواجهة بين من يقولون إنهم الدينيون وغير الدينيين، وأصبحت الدولة المدنية، والتي تعني دولة الدستور والقانون، هي دولة إقصاء الدين، ونسي الجميع الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية للثورة.
وبلغ الأمر بالمحامي الإخواني صبحي صالح أن يقول وبكل وضوح في مواجهة الشعب المصري: "نحن كجماعة لا نعترف بمفاهيم مسلم ليبرالي ومسلم علماني ومسلم يساري، نحن لا نعرف إلا مسلم يكفيه دينه عما سواه من المناهج".، ويفتح بهذا القول مرحلة اقتتال واشتباك جديد ينحرف بالثورة والمجتمع انحراف فتنة الجاهلية، وفقط نقول: من فوضك في الحكم على المصريين ومنح شهادات بالإسلام أو منعها؟ ولجنة البشري تصمت عن جريمتها المركبة وهي صبحي صالح والتعديلات التي اقترحتها اللجنة.
ومن جهة أخرى دعا المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا المواطنين للخروج في مظاهرات مليونية إذا تأخر إجراء الانتخابات يوماً واحداً، محذراً من "أن هناك من يريد الالتفاف على نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية لأنها لا تصب في مصلحته"، أي أن هناك مصالح متعارضة قي الإعلان الدستوري وعليه فالفقيه القانوني والمفكر الإسلامي ينحاز لمصلحة دون أخرى وهو ما يمثل إدانة للتعديلات ذاتها!! وحول ما يثار بشأن دفاعه عن عدد من رموز النظام قال «العوا»: "أدافع عن رجلي أعمال فقط لإيماني بأن الحكومة استفادت منهما وضحكت عليهما"، ولم يكشف عن موقفه من الشعب الذي استغلته الحكومة ورجال الأعمال، وها هو الرجل يجمع بين الحسنيين، أموال رجال الأعمال، وتعديل دستوري ينحاز لمصلحته.
هكذا الكاريكاتير بعين الصقر ومن خارج الصندوق يرى أن الدستور أصبح وسيلة انقضاض على المجلس النيابي، بينما جماعة "لجنة البشري" ومن حولها تخشى ألا يستكمل الانقضاض أهدافه، ويتخذون من الدين غطاء. والمجلس العسكري وبعين النملة يغرق في تبريرات الالتزام بالإعلان الدستوري الذي التزم بخيارات "البشري ولجنته"، ويأبى إلا أن تحدث انتخابات تشريعية في سبتمبر، معاندا الواقع والحقيقة كرجل أراد أن يغيظ وجهه فقطع أنفه.
الأهل تعني قرابة الدم، وأخص الناس بالشخص، وهو تعبير ينم عن التآلف والانتماء بين الجماعة، مرادف للعشيرة، هو التعبير الذي استخدمه شركاء أيام وليالي ومعارك الثورة المصرية لتحديد طبيعة العلاقة بينهم، فبعد أن اقتسموا كسرة الخبز ـ وأعني ما أقول... كسرة الخبز ــ أيام الحصار، ها هم ينقلون العلاقة إلى زمن ما بعد الحصار داخل الميدان، ويتكاتفون وتلتئم لحمتهم دفاعا وحماية لأي منهم إن تعرض لأزمة ما. وشاءت الظروف أن أذهب إلى حيث مكان النيابة العسكرية يوم نظر قضية بعض ممن كانوا يتظاهرون أمام السفارة الإسرائيلية، من بالداخل لديهم قصصهم، ومن بالخارج والشمس تحرق جلودهم لديهم دموعهم وتشتتهم وعدم الدراية بالتعامل مع الأماكن العسكرية، وعلى هؤلاء جميعا يعيش بعض عناصر أمن الدولة بين الرصد والمتابعة، وفي مشهد مكمل للصورة يخرج رئيس تحرير جريدة الشروق الذي كان مستدعى للتحقيق أمام النيابة واثنين من الصحفيين لنشر خبر عن رسالة "طلب السماح" من الرئيس المخلوع، بعد توقيع على تعهد ما؟
مصر الثورة تمثل أمام النيابة العسكرية، ولا أحد يراعي أن شباب الوطن، خرجوا وأطاحوا بنظام فاسد وكأنهم يعاقبون على فعلتهم. وإعلام مصر أيضاً أمام النيابة العسكرية، بينما الأنباء تتردد عن الإفراج المتتالي عن رموز النظام السابق، ويعقبها إلغاء للإفراج، حالة من التأرجح مبررها الوحيد أنهم يحاكمون بقوانين صاغها النظام السابق، وأن المحاكمات تدور حول الفساد المالي، ولم يقترب أحد من الإفساد السياسي بعد وكأنها ليست ثورة شعب من أجل الحرية والكرامة والعدل، ولكنها تجريدة دائنين على جماعة القراصنة، انقلاب بالثورة وعليها للتخلص من المسؤوليات التي تفرضها.
هكذا يبدو الحال الآن في مصر، الثورة في مفترق طرق، والبعض اعتقد أن مكاسبه نتيجة الثورة تمنحه حق المنح والمنع للشعب، والبعض الآخر يحاول أن يحول نتائج الثورة لصالحه حتى وإن غامر بمستقبل الوطن. وتبلغ صورة العناد حدا مزريا بالحديث المتتالي أن المجلس النيابي القادم سيختار لجنة من 100 عضو لوضع الدستور، إجراء أقل ما يوصف به هو الجهل بطبيعة الدستور ومسؤولية وضعه كعقد اجتماعي بين الشعب، وأن هذا الإجراء أقرب إلى الخيانة الوطنية ممن لا يملكون حق التقرير في شأنه ولكنهم اغتصبوا هذا الحق بحلف أسود بينهم وبين جماعة الإخوان التي لا يمكن وصف ما تفعل غير أنه انقلاب على الشعب والثورة.
كل هذه المشاهد تفرض الحرص على حماية نتائج الثورة، من الطبيعي أن تظهر قوى مضادة للثورة، ولكن من غير الطبيعي أن تختفي قوى الثورة. وأخطر من القوى المضادة للثورة.
حالة القوى السياسية ومرشحي الرئاسة التي وصلت إلى حد التلاسن والانشغال عن قضايا الوطن والصراع على التورته المسممة، وهذا كله ليس من طبائع الشعوب الثائرة ولكنه من سمات المنافقين والانتهازيين. وبلغ النداء إلى مليونية يوم الحرية 27 مايو لفرز القوى الحقيقية.
وضع الدستور المصري ليس محطة وصول ولكنه رحلة ممتدة بطول الوطن وعرضه وعمقه:
1. فالمنوط به وضع الدستور هو الشعب، بواسطة جمعية تأسيسية تمثل كل قواه الاجتماعية والسياسية في تجمع مناظر للمؤتمر الوطني القوى الشعبية الذي اجتمع في أول الستينيات، ومثل مصر كلها، وليس مجرد تمثيل نيابي عبر الدوائر الانتخابية وما تحمله الدوائر من عصبيات وانحرافات في التعبير عن الرأي باستغلال الاحتياج الاقتصادي للشعب.
2. والدستور يسبقه خيار اقتصادي ورؤية لمعادلة التنمية والنظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ولعل كتابات الأساتذة زياد بهاء الدين، ووائل جمال، وإبراهيم العيسوي، وأحمد النجار في المسألة الاقتصادية تفرض علينا الالتئام في مؤتمر اقتصادي يبحث القضايا الاقتصادية، وعدم الركون إلى تصريحات رئيس حكومة تسيير الأعمال عن الخيار الاقتصادي، فهذا أمر لا تقرره تصريحات، ولكن تقرره رؤى ودراسات وإحصاءات وإمكانات وظروف داخلية وعالمية.
3. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول مباشرة الحقوق السياسية، تلك التي يجري التعامل معها بقوانين الصدمة، فقانون الأحزاب مشكلة، وقانون الصحافة مشكلة، والتصويت يترنح بين المنح والمنع، والحاجة إلى ربط المصريين بالخارج بوطنهم عبر الإدلاء بأصواتهم، والذي تتراوح فيه الآراء بين المنح والمنع. وغير هذا فإن الحقوق السياسية مرتبطة أيضاً بحالة الإفساد التي جرت طوال 30 عاما مضت، فمن الذين يجب تجميد ممارستهم للعمل السياسي؟ ومن الذين يجب ضمان حقهم وتوفير فرص التعبير عن إراداتهم، وما يدور من حول انتخابات النقابات، يؤكد أننا في حاجة للمشاركة وليس الإقصاء.
4. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول الأمن القومي، الداخلي والخارجي:
أ. مصر التي زرعت فيها عناصر النظام المنحل نصف مليون بلطجي، لخدمة أهداف ترويع المجتمع عند الحاجة، ومصر التي انتشرت فيها الأسلحة البيضاء كما تنتشر في رواندا وبوروندي، يظلل هذا الخطر كل فرص التنمية والبناء، وهو أمر يجب التعامل معه، والقضاء عليه، وبدون خطة أمنية وثقافية وبدون القضاء على البطالة، واستقرار الحالة الإعلامية والقضاء على الفساد والصور الانتهازية في المجتمع، لن يمكن القضاء على هذا الوجود السرطاني، فهم ليسوا محتلا أجنبيا، ولكنهم خلايا مشوهة لها ذات سمات خلايا المجتمع السليمة.
ب. والمجتمع يجب أن يتصدى لدور الشرطة داخله ومهمة إعادة بناء الجهاز، والتغافل عما يحدث من قيادات الجهاز يدلل أن الجهاز منقسم، بين أغلبية لا تريد العودة وفق أصول العمل الشرطي، وأقلية تسلم بدور للشرطة وفق حاجة المجتمع ولصالحه وفي الإطار القانوني لهذا الدور.
ج. والحوار يجب أن يربط بين القضاء وأمن المجتمع، والتصريحات بأن القضاء لم يطله الفساد تبدو كمن يدفن رأسه في الرمال ويعتقد أن لا أحد يراه، ولعل تصريح المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة السابق بأن الثورة لم تصل إلى القضاء يستدعي هذا الحوار.
د. والحديث عن الأمن الخارجي ومواجهة مصادر الخطر والنطاق الأمني المصري وارتباطه بنطاقاته العربية والإفريقية، وحدود النفوذ والتأثير، ومصادر المياه والأسواق، كل هذا يفرض حوارا مجتمعيا بديلا عن حالات التشرذم الواقعة داخل المجتمع والتي خلطت بين العدو والصديق، ولعلنا في هذا الصدد نحتاج إلى دراسة للقدرة العسكرية المصرية والتزامات تطويرها، ولعلنا نكتشف حاجتنا لنبيل العربي وزيرا للخارجية أكثر من الحاجة إليه أمينا لجامعة الحكومات العربية.
المجتمع في كل هذه المهام يجب أن يكون تحت مظلة تؤمن له حرية الحوار، ومن غير المقبول تكرار مقولة أن المجلس العسكري يريد العودة فورا إلى ثكناته، فالمطلوب منه أن يؤدي مسؤولياته، وليس المطلوب منه التزام ثكناته، ودون تحقيق كل ما سبق من حوار والوصول إلى دستور الشعب وبواسطة الشعب لن يستقر أمن ولن يتمكنوا من العودة إلى الثكنات.
مقصلة الثورة الفرنسية حافظت على اندفاع الثورة إلى الأمام، حتى أنها نالت من المفكرين والفلاسفة، ولكنها مثلت صمام عدم الرجوع، والبحث المصري الآن عن مقصلة مصرية، ليس بالضرورة أن تكون مهمتها فصل الرقاب عن الأجساد لضمان الحركة للأمام، ولكنها على الأقل تحول دون الارتداد، فكيف السبيل إليها؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7206
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1716
| 09 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو تشغيلية؛ فبعضها تصنعه القيادة بصمت، عندما تغيّر بسلوكها ثقافة المؤسسة. أحيانًا لا يتغير في المؤسسة سوى اسم المدير، لكن يشعر الموظفون أن كل شيء قد تغير. يتراجع الحوار الصريح، وتختفي المبادرات، ويصبح الحذر سلوكًا يوميًا، ويقدّم الموظفون حماية أنفسهم على أهداف المؤسسة. عندها لا تكون المؤسسة قد خسرت موظفيها بعد، لكنها تبدأ في خسارة أهم أصولها: ثقافتها التنظيمية. لا تُعرف الثقافة التنظيمية بما يُعلّق على الجدران أو يُعلن في الاجتماعات، بل بما يفعله الناس عندما تغيب أعين الإدارة. إنها الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، ويُدار بها الاختلاف، ويُكافأ بها الأداء. ولهذا يؤكد عالم النفس التنظيمي إدغار شاين أن الثقافة لا تصنعها الشعارات، بل السلوك الذي يتكرر حتى يصبح القاعدة غير المكتوبة داخل المؤسسة. فالموظفون لا يحكمون على القيم المعلنة، بل يراقبون من يحصل على التقدير، وما السلوك الذي يُغضّ الطرف عنه، ومن تُفتح له الفرص. ومن هذه الرسائل اليومية تتشكل الثقافة. فإذا كانت القيادة تكافئ الكفاءة، أصبحت الكفاءة هي المعيار. وإذا كانت تكافئ التعاون، ترسخت روح الفريق. أما إذا كانت تمنح اهتمامها لمن ينقل الأخبار عن زملائه، أو يتتبع أخطاءهم، أو يسعى إلى كسب رضا القيادة أكثر من سعيه إلى تطوير العمل، فإنها ترسل رسالة غير معلنة مفادها أن هذا السلوك هو الطريق إلى التقدير. وأخطر ما قد تفعله القيادة هو أن تجعل نقل الأخبار عن الزملاء سلوكًا يحظى بالاهتمام أو المكافأة. فعندما يلاحظ الموظفون أن من يراقب الآخرين أو ينقل أحاديثهم يحظى بالقرب من القيادة، فإنهم يتعلمون سريعًا أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر مراقبة الآخرين. عندها تتآكل الثقة، ويبدأ الموظفون في بناء الحواجز بدلًا من بناء جسور التعاون. ويفسر عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الناس يتبنون السلوك الذي يرونه محل تقدير ومكافأة. لذلك، فإن السلوكيات السلبية لا تنتشر لأنها مكتوبة في اللوائح، بل لأنها تجد من يشجعها، أو يتسامح معها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ظهور ما يُعرف بـ«الدائرة المقرّبة». فقد أوضح الباحثان في القيادة التنظيمية جورج غراين وماري أول-بيين أن تفضيل مجموعة محددة ومنحها فرصًا أو معلومات لا يحصل عليها غيرها يخلق شعورًا بأن العلاقة الشخصية أصبحت أهم من الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تتراجع العدالة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الموظفون في الاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في الأداء. ويتعاظم الضرر عندما تتسع الفجوة بين ما تقوله القيادة وما تمارسه. فقد ترفع شعار العمل الجماعي، بينما تدير المؤسسة من خلال دائرة مغلقة، أو تتحدث عن العدالة، بينما تختلف قراراتها باختلاف الأشخاص. ويشير الباحث في السلوك التنظيمي توني سيمونز إلى أن اتساق القائد بين أقواله وأفعاله هو أساس بناء الثقة، وأن فقدان هذا الاتساق من أسرع الطرق التي تُضعف الثقافة التنظيمية. وتضيف الباحثة في القيادة والسلوك التنظيمي إيمي إدموندسون بُعدًا آخر لهذه الصورة، إذ ترى أن المؤسسات المتميزة هي التي يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي؛ أي بالقدرة على إبداء الرأي، وطرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء دون خوف. أما عندما يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصراحة، فإن المؤسسة لا تخسر الحوار فحسب، بل تخسر التعلم والابتكار أيضًا. وعندما تتولى قيادة جديدة مؤسسة تضررت ثقافتها، تبدأ مهمتها بإعادة بناء الثقة، وترسيخ العدالة، ومكافأة الكفاءة، وتشجيع الحوار. فإصلاح الثقافة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يعيد للموظفين شعورهم بالأمان والانتماء. فالقادة يرحلون، أما الثقافة التي يتركونها خلفهم فهي التي تبقى.
1134
| 16 أغسطس 2026