رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

276

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الحرية لفلسطين

16 أغسطس 2026 , 01:00ص

فلسطين.. أرض يبدو أهلها كأنهم رهينة لقرارات صُنّاع التاريخ، تحاصرهم جغرافية الحاضر، وتتوارى عنهم ساعة الخلاص الموعودة في المستقبل. هي قضية مرتهنة طويلاً لأروقة القرار السياسي، غير أن المعضلة التاريخية تظل تبحث عن نهايتها الحتمية. من رحم هذا الواقع المعقد، جاءت حادثة صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في دلالاتها؛ ففي أحد فروع مطعم ‹برغر كينغ› بالولايات المتحدة، دخل المغني المنتمي للكيان الصهيوني، ‹رامي فاينشتاين›، لطلب الطعام. وحين سألته الموظفة ‹أريانا› بعفوية عن أصله، أجاب بأنه من ‹إسرائيل›، ولم يكتفِ بذلك، بل استعرض بوقاحة قلادةً تحمل ‹نجمة داود› أخرجها مستفزاً من خلف قميصه. لترد عليه بكلمة واحدة اختصرت ضمير الحق العادل «الحرية لفلسطين!».

 إن واقع فلسطين اليوم ليدمي القلب حيث هذا الانقسام الشديد بين الأطراف الفلسطينية والتباينات العربية للقضية وحتى العالمية مما يجعل البوصلة الفلسطينية تدور في منحنيات لا نهائية للحل. 

ولم تكن الحدود الجغرافية والسياسية لأرض فلسطين يوماً كما هي وفق إرادة أبنائها عبر التاريخ القديم والحديث، إلا أن تأثيرها البالغ يظل حاضراً في مصير القضية من كل منظور. وإذا أردنا تأصيل التاريخ الفلسطيني انطلاقاً من أواخر العصور الحديثة حسب تقاسيم المؤرخين، فإن أبعاد القضية تتسع وتزداد تعقيداً. ولتبسيط هذا الامتداد التاريخي العميق، لا بد من وضعه في إطاره الطبيعي المتمثل في انتمائه للرقعة العربية، وبطبيعة الحال للأمة الإسلامية برمتها، رغم ما ألقته التقاطعات الفكرية والسياسية بظلالها الثقيلة على مسار القضية. من هنا، يصبح التركيز منصبًّا على محطات العصر الحديث، لا سيما القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين يمثلان الحجر الأساس في صياغة الكثير من السردية الفكرية المعاصرة لفلسطين.

بالعودة إلى جذور الانتماء، نجد أن فلسطين في العهود العباسية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى العهد العثماني، قد شكلت حجر الزاوية في ذاكرة التاريخ الفلسطيني. يظل نقطة مفصلية في صلب السردية المعاصرة، لا سيما مع تصاعد الممارسات الاحتلالية للدول التي لم تستهدف فلسطين وحدها، بل طالت جسد الأمة الإسلامية برمتها وخوصواً العرب تحديداً. غير أن العهد العثماني و»الثورة العربية الكبرى» عام ١٩١٦ تظل هي المحطة الزلزالية التي أرست قواعد الواقع السياسي الراهن، وإن تباينت حولها القراءات والتأويلات. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، انقسم الموقف الفلسطيني إلى تيارين متناقضين، تحولا بمرور العقود من محاولات التأييد الحذر إلى تجرع مرارة الصدمة، والانكسار التاريخي الذي لا نزال نستشعر ندوبه في واقعنا اليوم.

لقد تحركت الحركات السياسية الفلسطينية المبكرة في أواخر سنوات احتضار العهد العثماني، مدفوعةً بأزمات ميدانية ومعيشية خانقة؛ تمثلت في سياسات ‹التتريك› الرامية لطمس الهوية العربية، والتجنيد القسري المعروف بـ ‹السفربرلك›، ناهيك عن المجاعات والإعدامات الدموية الظالمة التي نفذها جمال باشا. هذا الواقع المأساوي دفع النخب الفلسطينية والعربية للانحياز نحو ‹الثورة العربية الكبرى› عام ١٩١٦، طمعاً في التحرر والاستقلال وإقامة دولتهم الموحدة في كنف الاستقلال العربي، مستلهمين روح التاريخ والكرامة ومتطلعين لاستعادة أمجاد الأمة. غير أن هذا الحلم العارم اصطدم بخديعة احتلالية كبرى تمثلت في اتفاقية ‹سايكس بيكو› عام ١٩١٦ التي قسمت المشرق العربي، تلتها الكارثة الأكبر بصدور ‹وعد بلفور› المشؤوم ٢ نوفمبر عام ١٩١٧ القاضي بإقامة وطن قومي لليهود. وقد تزامن ذلك مع دخول القوات البريطانية واحتلال فلسطين، ليعلن الجنرال ‹اللنبي› لحظة دخول القدس مقولته الشهيرة التي كشفت وجه الصراع الحقيقي: «الآن انتهت الحروب الصليبية»! 

وفي الجانب المقابل؛ لم تكتفِ بريطانيا بإصدار الوعود، بل تحولت في ظل ‹انتدابها› المزعوم إلى مهندس فعلي لبناء نواة الكيان الصهيوني عبر ثلاث محطات أساسية: بدأت الأولى بإرساء البنية السياسية والإدارية عام ١٩٢٠ عبر تعيين أول مندوب سامٍ، المدعو ‹هربرت صموئيل›، الصهيوني البريطاني المتحمس الذي وضع تشريعات سلب الأرض. وتلتها المحطة الثانية بتشكيل ‹الوكالة اليهودية› والإدارة الذاتية لتكون حكومة ظل ترسخ قبضة المستوطنين على الجغرافيا الفلسطينية. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل توجت ذلك بالتأسيس والدعم العسكري المباشر للعصابات الصهيونية مثل «الهاجانة «و»البلماخ»، والتي أدت وظيفتها الدموية في قمع المقاومة الفلسطينية، وصولاً إلى إعلان قيام كيان الاحتلال عام ١٩٤٨ على أنقاض النكبة.

يبقى هناك لغز تاريخي مرتبط بالقضية الفلسطينية! وما كان قيام هذا الكيان على أشلاء الواقع ليأتي مصادفةً، بل نبت من رحم عهر المؤامرة الصهيونية منذ مؤتمر عام ١٨٩٧، مروراً باعتراف الاتحاد السوفيتي في السابع عشر من مايو عام ١٩٤٨بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الكيان، وصولاً إلى تبنيه من قبل العم سام، بعد أن انتقل قسراً من ملجأ المجرمين والرعاع البريطاني لتكون ولاية الولايات الأمريكية في الشرق الأوسط. قال تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} الإسراء ٤.

مساحة إعلانية