رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان لابد من بذل بعض الجهد لإقناع الإيرانيين بأن الثورة المصرية ليست صدى للثورة الإسلامية، ولا هي من تجليات الصحوة الإسلامية، كما أنها ليست جزءا من المشروع الأمريكي لإقامة الشرق الأوسط الجديد.
(1)
طوال أكثر من ثلاثين عاما من متابعة أحداث الثورة الإسلامية، كنت أذهب إلى طهران محملا بمجموعة من الأسئلة، أطوف بها على من أعرف من صناع القرار والمطلعين على أسرار البلد، حيث كنت أواصل السؤال وهم يجيبون. لكن الأمر اختلف هذه المرة، إذ أدركت منذ اللحظة الأولى أننا تبادلنا الأدوار. حين وجدت أن لدى الإيرانيين قائمة طويلة من الأسئلة التي تنتظر الإجابة حول الذي جرى في مصر. ولم يكن السائلون من الدبلوماسيين والمثقفين فحسب، وإنما سبقهم إليها عدد من كبار المسؤولين الذين اكتشفت أنهم يتابعون ما تنشره الصحف المصرية كل صباح، ويجدون فيها ما يحيرهم بأكثر مما يجدون ما يشبع فضولهم ويفهمهم.
كانت المناسبة أن معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية قد دعا إلى ندوة ليوم واحد حول «الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية وتأثيرها على مستقبل القضية الفلسطينية»، وتحدد موعد الندوة في 15 مايو الحالي، وهي ذكرى اغتصاب فلسطين وإعلان دولة إسرائيل في عام 1948. وفي إشارة لا تخلو من دلالة فإن المعهد دعا للحديث في الندوة التي كان جمهورها من الدبلوماسيين العاملين، اثنان من مصر فقط هما الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، وكاتب هذه السطور. إلى جانب ثلاثة من الباحثين الإيرانيين، في مقدمتهم وزير الخارجية السابق السيد منوشهر متكي. وقال لي أحد السفراء الذين تولوا تنظيم الندوة إنهم اكتفوا بالمتحدثين المصريين ليس فقط للأهمية الكبرى للثورة المصرية، ولكن أيضا لإدراكهم أن مصير القضية الفلسطينية مرتبط إلى حد كبير بسلامة الموقف المصري وعافيته. مضيفا أن الاطمئنان على مصر يستصحب بالضرورة اطمئنانا على مستقبل القضية، بل ومستقبل العالم العربي بأسره.
من الأمور ذات الدلالة أيضا أنه رتبت لنا إلى جانب الندوة، سلسلة من اللقاءات مع رئيس مجلس الشورى السيد علي لاريجاني، ومستشار الأمن القومي السيد سعيد جليلي، ووزير الخارجية الدكتور علي أكبر صالحي، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ووسط آسيا السفير رضا شيباني. كما رتب لنا لقاء آخر مع أساتذة وطلاب جامعة الإمام الصادق، التي تخرج نخبة العاملين في المجالين السياسي والدبلوماسي وفي كل هذه اللقاءات كانت الثورة المصرية هي موضوع الحديث من جانبنا، كما كانت وقائعها ومواقفها محور السؤال من جانبهم، ولأن كلا منا كانت له حصته من الحديث ومن السؤال، فسأعرض هنا لحصتي باختصار، تاركا للدكتور حسن نافعة أن يعرض نصيبه بالصورة التي يرتئيها.
(2)
قلت إن العالم العربي شهد في ستينيات القرن الماضي انتفاضة الشعوب العربية ضد المحتل الأجنبي، الإنجليزي والفرنسي، وكانت ثورة يوليو 1952 هي الشرارة الأولى في حملة انطلاق حركات التحرر التي ترددت أصداؤها في أرجاء إفريقيا. وما يحدث الآن في العالم العربي هو ثورة مماثلة، تدافع بها الشعوب عن كرامتها. إذ تقاوم الظلم والذل اللذين أنزلهما بها البديل الوطني، بعدما تحول إلى «احتلال» من نوع آخر، شوه الاستقلال وفرغه من مضمونه، حتى صار ذلك البديل عبئا على الأوطان وعقبة في طريق تقدمها. استشهدت في ذلك بقصة المرأة الجزائرية التي استشعرت الظلم والعنف بعد إعلان الاستقلال، فقالت إن الاستعمار الفرنسي استمر نحو 130 عاما ثم رحل غير مأسوف عليه، ثم تساءلت: متى ينتهي هذا الاستقلال بدوره؟
قلت أيضا إن ثمة أوجه شبه بين الثورة الإسلامية في إيران وثورة 25 يناير في مصر، كما أن هناك اختلافات عدة بينهما. فهما متشابهتان في أن كلا منهما استهدفت ليس تغيير النظام فحسب، ولكن قلب سياساته رأسا على عقب، وإن اختلفت في ذلك الوسائل. كما أن الشعب هو الذي قام بالثورة في البلدين وليس قوة سياسية أو عسكرية. كذلك فإن النظامين السابقين في كل من البلدين كانا يقفان في المعسكر الموالي للولايات المتحدة وإسرائيل وأصبحا يشكلان أهم تحديات ما بعد الثورة. ولئن كان ذلك قد أعلن في إيران إلا أنه لا يزال كامنا ومضمرا في الحالة المصرية. يتشابه البلدان أيضا في الفوضى التي شاعت في كل منهما بعد نجاح الثورة، وأخلت بنظام العمل في جميع أجهزة الدولة ومرافقها العمومية. ثم إن كلا من الثورتين كان لهما تأثيرهما الإستراتيجي على المستوى الإقليمي. فكما غيرت الولايات المتحدة الأمريكية من خطط تعاملها مع «الاتحاد السوفييتي» في أعقاب الثورة الإسلامية، حيث كانت واشنطن تعتبر إيران «كنزا إستراتيجيا» لها، فإن الوصف ذاته أطلق على علاقة الرئيس السابق ونظامه مع إسرائيل. وإذا كانت قضية فلسطين قد اعتبرت عنوانا مهما منذ إطلاق الثورة الإسلامية، فإنها تظل أحد أهم مقومات الأمن القومي المصري.
(3)
مواضع التمايز والاختلاف أكثر بين الثورتين. فالثورة في إيران دينية، لها رأس تمثل في الإمام الخميني، ولها مشروع واضح يقوم على فكرة ولاية الفقيه. وهي في مصر ثورة وطنية، والإسلاميون جزء منها، ثم أنها بلا رأس أو قيادة واضحة المعالم. ومشروعها لا يزال غامضا وغير متفق عليه. إن شئت الدقة فقل إن الذين قاموا بالثورة في مصر كانوا يعرفون جيدا ما يرفضونه لكنهم ليسوا على وفاق مع ما يقبلون به. ولئن اعتمدت الثورة في البلدين على الجماهير الفقيرة والعزلاء، إلا أن التباين حدث في موقف الجيش في كل منهما، إذ كان ولاؤه لنظام الشاه في إيران الأمر الذي اضطر النظام إلى الاستعاضة عنه بتشكيل حرس الثورة. أما الجيش في مصر فقد كان ولاؤه للوطن، وقد حسم خياره مبكرا حين أعلن انحيازه إلى جانب مطالب الشعب. والثورة المصرية ركزت على المطالب الوطنية الداخلية، وسكتت عن السياسة الخارجية، في حين أن الثورة الإيرانية فتحت كل الملفات منذ يومها الأول، الذي رفعت فيه شعارات الموت لأمريكا وإسرائيل (مرك بر) وأعلنت القطيعة مع الشيطان الأكبر وتابعه الأصغر، وترتب على ذلك أن البلدين ناصبا العداء للثورة الإسلامية منذ يومها الأول، في حين أنهما تصرفا بحذر ولجآ إلى الملاينة ومحاولة الاحتواء في الحالة المصرية. والثورة الإسلامية انطلقت في ظل الحرب الباردة واستفادت من التوازن بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وهو ظرف لم يتوفر للثورة المصرية، التي انطلقت في أجواء القطب الأمريكي الواحد، وفي غيبة أي توازن دولي. والثورة الإسلامية قامت في بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن إسرائيل، بينما المصرية انطلقت في بلد ملاصق لإسرائيل، الأمر الذي كان له تأثيره على حسابات كل من البلدين. والثورة الإسلامية كان لها صداها في العالمين العربي والإسلامي. ولم تغير شيئا في واقع أنظمته رغم مضي أكثر من ثلاثين عاما على نجاحها. أما الثورة المصرية فهي في موقف معاكس، حيث أحدث انطلاقها هزات قوية ترددت بسرعة وخلال أسابيع قليلة في أرجاء العالم العربي. وربما كان ذلك مرتبطا بالوزن التاريخي ودور كل من البلدين في المحيط الإستراتيجي. وإذا كانت الثورة الإيرانية لم تتعرض لهزات اقتصادية موجعة بسبب اعتماد البلد على صادرات النفط، فإن موقف مصر اختلف، حيث أدى نزوح الأموال وتهريبها إلى الخارج إلى إحداث موقف اقتصادي صعب ومؤرق للسلطة، خصوصا في ظل الاعتماد على الخارج في توفير المواد الغذائية. وقد اعتمدت ثورة إيران على المحاكم الاستثنائية في إزالة آثار النظام السابق وتصفية بقاياه، إلا أن الثورة المصرية ظلت على تعاملها السلمي بعد نجاحها، وأحالت رموز النظام السابق بمن فيهم رأسه إلى النيابة العمومية والقضاء العادي. وإذا كانت رموز نظام الشاه قد غادرت البلد معه، فإن رموز نظام مبارك بوغتت بما جرى وبقي أغلبهم في مصر، وكان هو في مقدمتهم. وترتب على ذلك أن رجال الشاه ضعف تأثيرهم في داخل إيران، على عكس ما حدث في مصر حيث لم يكف رجال مبارك وأدواته الأمنية بعيدة عن محاولات التآمر على الداخل.
(4)
كان السفير رضا شيباني مساعد وزير الخارجية في زيارة أخيرة لطاجكستان، وحين التقى رئيسها السيد رحماني وتطرق الحديث إلى ما جرى في مصر، فإن الرجل أخبره بأن الثورة المصرية والأحداث التي توالت بعدها في العالم العربي هي من تجليات «الفوضى الخلاقة» التي تحدثت عنها كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا السابقة، لذلك فإنه يعتبرها ضمن خطوات إقامة الشرق الأوسط الجديد. ولم تكن الملاحظة مفاجئة تماما، لأن أحد الدبلوماسيين سأل أثناء الندوة عن مدى صحة الخبر الذي ذاع في واشنطن عن أن الإدارة الأمريكية دربت 5 آلاف شاب مصري من الذين اشتركوا في الثورة. وقال لي أحد الخبراء الإيرانيين إن بعض الإصلاحيين يعتبرون الثورة جزءا من المشروع الأمريكي. في حين أن بعض المحافظين يعتبرونها من أصداء الثورة الإسلامية ومن تجليات الصحوة الإسلامية، وقد لاحظت أن هاتين النقطتين كانتا موضوعا للتساؤل المتكرر من جانبهم، كما أنهما ظلتا محل نفي وإيضاح من جانبنا.
الموضوع الآخر الذي احتل مساحة كبيرة من الأسئلة انصب على مستقبل العلاقات المصرية الإيرانية وتفسير العلاقات الباردة بين القاهرة وطهران التي ما زالت مستمرة بعد الثورة وإن بدرجة أقل، وقد كان هذا الموضوع محل مناقشة في اللقاءات التي عقدناها. إلا أننا فوجئنا بما سمعناه من السيد علي لاريجاني في هذا الصدد، إذ نفى أن التوتر سببه الحساسيات والمخاوف الأمنية وموضوع الشارع الذي يحمل اسم قاتل السادات خالد الإسلامبولي. وقال إنه حين كان مستشارا للأمن القومي زار القاهرة والتقى الرئيس السابق ومدير المخابرات حينذاك السيد عمر سليمان، وإن مبارك قال له إنه يريد شيئا واحدا من إيران، هو أن يسلموا لمصر شخصا اشترك في محاولة اغتياله في عام 1995، وإذا ما تم ذلك فستعود العلاقات طبيعية بين البلدين. أضاف لاريجاني أنه عاد بالاسم إلى طهران وأن الأجهزة الأمنية ظلت طوال شهرين تبحث عنه ولم تجد له أثرا في إيران.
سألوا أيضا عن حظوظ الإخوان المسلمين في الانتخابات القادمة وعن إمكانية إقامة حكومة دينية في مصر. كما سألوا عن العلاقة بين الجيش والإدارة الأمريكية، وعن علاقة مصر بإسرائيل ومستقبل اتفاقية كامب ديفيد، وعن موقف مصر من المقاومة الفلسطينية ومصير معبر رفح. سمعنا منهم عتابا لتجاهل الإعلام العربي معاناة الشيعة في البحرين، وتعاطفا وتضامنا مع النظام في سوريا. وقلة ممن لقيناهم عبروا عن حيرتهم إزاء ما يحدث هناك، وسمعت أحدهم يقول إن استمرار النظام السوري بعد الذي جرى أصبح مشكلة وأن سقوطه سيكون مشكلة أكبر.
طوال 48 ساعة ظلوا يلاحقوننا بطوفان الأسئلة حول الذي يجري في مصر والعالم العربي، الأمر الذي لم يتح لنا أن نطرح ما عندنا من استفسارات بشأن التطورات الحاصلة في إيران. وهو ما جعلني أقول لمرافقي إن المباراة لم تكن عادلة، وإننا لم نستطع أن نحقق التعادل في نهاية المطاف. فرد عليه قائلا ما معناه: خيرها في غيرها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3300
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1269
| 28 سبتمبر 2026