رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور محمد أنس أرناؤوط

مساحة إعلانية

مقالات

414

الدكتور محمد أنس أرناؤوط

الحق في الحجب الإلكتروني حائط الصد الأخير أمام هيمنة الذكاء الاصطناعي

05 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لم يعد التهديد الأكبر الناشئ عن طفرة الذكاء الاصطناعي المتسارعة مقتصراً على سلب الوظائف التقليدية أو اختراق قواعد البيانات الحيوية؛ بل بات يتمحور بالدرجة الأولى حول قدرة الخوارزميات الفائقة والذكية على توجيه الوعي الإنساني بذكاء غير محسوس، ففي الفضاء السيبراني شديد التعقيد، لم تعد أطر الخصوصية الكلاسيكية المستقرة تشريعياً وقضائياً - كالحق في النسيان الرقمي أو حماية البيانات الشخصية - كافية وحدها لحماية خصوصية الذات البشرية من أي تطفل او اختراق، من هنا، يبرز "الحق في الحجب الإلكتروني" كضرورة فلسفية وحتمية قانونية ملحة، ليس كأداة تقنية سطحية لإغلاق الحسابات أو التطبيقات، بل كحق قانوني يضمن للإنسان "السيادة الإدراكية" المطلقة والتحرر الكامل من التغذية المعرفية القسرية للآلة.

تكمن الجدة والأصالة في طرح هذا الحق في كونه يواجه مباشرة معضلة "التنميط التنبئي والوصاية الخوارزمية الجائرة"، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي لم تعد تكتفي بمراقبة سلوكنا الآني، بل تتنبأ بما سنفعله مستقبلاً، وتعيد هندسة ما نراه من خيارات بناءً على تلك التنبؤات الشاملة؛ مما يخلق "سجون الوعي الرقمية المظلمة".

إن إقرار "الحق في الحجب الإلكتروني" تشريعياً يعني تمكين الفرد من فرض حظر قانوني وتقني ملزم يمنع الأنظمة الذكية من معالجة سلوكه لغايات التأثير النفسي، ويمنحه السلطة الكاملة في حجب المخرجات التنبئية للآلة عن تفاصيل حياته اليومية والمهنية، حيث يتأسس هذا الحق المبتكر على أبعاد فقهية وقانونية بالغة العمق، تعيد صياغة المسؤولية التقصيرية والالتزامات الناشئة في العصر الرقمي عبر محورين جوهريين هما:

• تجريد الآلة من سلطة "التغذية الإجبارية": بأن ينتقل القانون من حماية البيانات التقليدية إلى حماية الإدراك البشري وبموجب هذا، يُجرم القانون قيام الشركات بفرض خوارزميات مصممة لاستغلال الثغرات النفسية للبشر وتوجيه قراراتهم الاستهلاكية أو السياسية تحت ستار "التوصيات المحايدة".

• مشروعية وقانونية "الجهل الاختياري": وهو إعطاء الفرد الحق في رفض معرفة التنبؤات الخوارزمية المتعلقة بمستقبله الصحي، الجنائي، أو المهني، كحائط صد منيع ضد "الحتمية التكنولوجية" التي تصادر الإرادة الحرة للبشر وتضعهم تحت رحمة تقييمات آلية قد تكون في كثير من الأحيان متحيزة أو معيبة تقنياً.

إن الأثر التشريعي الأعمق لهذا المفهوم سيعيد صياغة هندسة "المواطنة الرقمية" الجديد بالكامل بين الأفراد والدول والشركات التقنية العابرة للقارات. فلن تُعامل منصات التكنولوجيا الفائقة بعد اليوم كأطراف محايدة تقدم خدمات رقمية مجانية، بل كمؤسسات احتكارية تمارس سلطة سيادية مضادة تتطلب كبحاً قانونياً استباقياً صارماً لحماية المصلحة العامة للمجتمعات البشرية المعاصرة.

الحقيقة أن الحق في الحجب الإلكتروني ليس دعوة للارتداد عن الحداثة، بل هو نداء قانوني لإنقاذ حرية الاختيار الإنساني من التلاشي، فإذا كانت التكنولوجيا قد منحت الآلة القدرة على اختراق عقل الإنسان البشري، فإن القانون يجب أن يمنحه الوسيلة الشرعية الحاسمة لقطع هذا الاتصال وحفظ حريته الفكرية من التلاشي والاندثار والضياع الحتمي الفعلي المؤكد على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية