رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

297

سعدية مفرح

هذه المرة لن نشعر بالذنب

05 أكتوبر 2026 , 12:00ص

أقسى ما يفعله الغياب أنه لا يأخذ الأشخاص وحدهم؛ يأخذ النسخة منّا التي كانت تضحك حين كانوا هنا.

نكتشف هذه الحقيقة متأخرين، غالبا بعد أن تهدأ الأيام الأولى للفقد، وبعد أن يعود البيت إلى ترتيب أشيائه المعتاد، وتعود المواعيد إلى انتظامها، وتصبح أسماء الغائبين أقل حضورا في الأحاديث. عندها فقط نلاحظ شيئا أكثر خفاء: نحن أيضا تغيرنا. هناك ضحكة كانت تسكننا واختفت، وخفة كانت تأتي بسهولة ثم صارت تحتاج إلى مناسبة، وشيء صغير في الروح كان يستجيب للحياة بسرعة، صار يتأخر كثيرا.

حين يغيب شخص نحبه، نفكر عادة في الأشياء التي أخذها معه: صوته، حضوره، طريقته في الكلام، عاداته التي كنا نتذمر منها ثم اكتشفنا قيمتها بعد رحيله. نتذكر كرسيه، رسائله، رقمه في الهاتف، وربما نحتفظ بصورة له أكثر مما نحتفظ بصورنا نحن. لكن ما يغيب عن انتباهنا أن بعض الأشخاص كانوا يصنعون نسخة خاصة منا. نسخة لا تظهر مع الجميع، ولا يعرفها الجميع، وربما لم نكن نعرفها نحن إلا بقربهم.

هناك أشخاص يجعلوننا أكثر عفوية، وأكثر قدرة على الضحك من أشياء صغيرة، وعلى الحديث ساعات في تفاصيل لا قيمة لها خارج علاقتنا بهم. معهم نتصرف كما لو أن الحياة أقل تعقيدا مما نعرفها عادة. وحين يرحلون، لا نفقد الرفقة وحدها، وإنما نفقد السياق الذي كان يسمح لتلك النسخة منا أن تظهر.

لهذا قد نسمع نكتة بعد رحيل شخص عزيز فنبتسم، ثم نتوقف فجأة. نعرف أن النكتة كانت ستضحكه، وأننا كنا سنلتفت إليه تلقائيا، وأن تعليقًا واحدا منه كان سيجعل الحكاية أكثر طرافة. نضحك أحيانا، لكن الضحكة نفسها تبدو غريبة، كأنها خرجت من مكان قديم فينا ثم لم تجد صاحبها.

وهنا يصبح الغياب تجربة تخصنا نحن أيضا. الشخص الذي رحل ترك وراءه فراغا، لكن الفراغ لا يجلس في مكان واحد. يتمدد في تفاصيل كثيرة: في فنجان القهوة الذي كان له طقس خاص، في أغنية مرتبطة بمشوار قديم، في مطعم اعتدنا أن نذهب إليه، في كلمة كان يستخدمها بطريقة مضحكة، وفي خبر صغير كنا نرسله إليه من دون تفكير. الأشياء التي تبدو عادية للآخرين قد تصبح عندنا مفاتيح لأبواب مغلقة.

وربما لهذا السبب يحتاج الحزن إلى وقت أطول مما نتوقع. نحن لا نتعلم كيف نعيش من دون الشخص فقط، وإنما نتعلم كيف نعيش من دون أنفسنا القديمة التي كانت موجودة معه. نعيد توزيع عاداتنا، ونكتشف طرقا جديدة لقضاء الوقت، ونعتاد أن نقول لأنفسنا ما كنا نقوله له. وقد نضطر إلى اكتشاف اهتمامات نسيناها، وأصدقاء ابتعدنا عنهم، وأماكن لم نعد نذهب إليها، لأن الشخص الذي كان يمنحها معناها لم يعد هناك.

ومع ذلك، لا تختفي تلك النسخة منا تماما. ربما تتوارى فقط، ثم تعود على هيئة مفاجأة صغيرة. نسمع أغنية فنضحك بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها معه. نقول جملة كان يحبها، أو نستخدم تعبيرا كان يسخر منه، أو نحكي قصة عنه لشخص أصغر سنا لم يعرفه. وفجأة نشعر أن شيئا منه ما زال يعمل فينا. كأن العلاقة، بعد أن انتهت صورتها اليومية، وجدت لنفسها شكلا آخر من البقاء.

وهذا أحد أجمل ما يمكن أن يفعله الحب بنا بعد الغياب: أن يترك فينا قدرة لا نعرف مصدرها. ربما نضحك يوما بالطريقة التي كان يحبها، وربما نتصالح مع شيء كان يراه بسيطا ونحن كنا نعقده، وربما نمنح أحدا آخر تلك الطمأنينة التي منحنا إياها ذات مرة. عندها يصبح ما أخذه الغياب جزءا مما تركه أيضا.

أفكر أحيانا أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا كي يبقوا فيها إلى الأبد، وإنما كي يفتحوا لنا بابا إلى أنفسنا. نعرف معهم كيف يمكن أن نكون أخف، وأصدق، وأكثر تلقائية. ثم يأتي الفراق، فنظل نبحث عن تلك النسخة التي عرفناها معهم.

وقد نقضي وقتا طويلا في البحث عنها في الآخرين، مع أنها كانت لنا منذ البداية.

ربما كل ما نحتاجه هو أن نفهم أن استعادة تلك النسخة لا تعني خيانة الغائب، وأن الضحك بعده لا يعني أننا نسيناه. للحزن حقه، وللذاكرة حقها، وللحياة أيضا حقها في أن تستمر. نحن لا نكرم من أحببناهم بأن نحول بقية أعمارنا إلى مقعد انتظار، وإنما بأن نحمل ما منحونا إياه إلى الأيام التالية.

فإذا كان الغياب قد أخذ منا النسخة التي كانت تضحك حين كانوا هنا، فلعل أجمل ما نستطيع فعله أن نعيد إليها الحياة، لا كي ننسى أصحابها، وإنما لأنهم كانوا يحبون تلك النسخة منا أيضا.

وربما، في لحظة ما، سنضحك فجأة من قلبنا، ثم نسكت قليلا لأننا تذكرناهم.

سنبتسم.

وهذه المرة لن نشعر بالذنب.

اقرأ المزيد

عن حياتنا المستعارة! عن حياتنا المستعارة!

هناك أفكار نعيش بها سنوات طويلة من غير أن نسأل أنفسنا: من أين جاءت؟ نقول: هكذا تربينا، هكذا... اقرأ المزيد

342

| 07 سبتمبر 2026

اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك! اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك!

نؤجل أشياء كثيرة لأننا ننتظر اللحظة المناسبة. نؤجل الاعتذار حتى تهدأ نفوسنا، والكتابة حتى تصفو أفكارنا، والبدء حتى... اقرأ المزيد

369

| 30 أغسطس 2026

يدي الفارغة! يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي، وأنا أعرف أن يدي هذه المرة فارغة. هناك لحظات يصبح... اقرأ المزيد

756

| 23 أغسطس 2026

مساحة إعلانية