رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشهد مصر حاليا أول انتخابات رئاسية حرة ونزيهة في مرحلة ما بعد الثورة التي أطاحت بنظام مبارك. وقد ظلت مصر تلعب دورا سياسيا مهما ولفترة طويلة، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، إنما على الصعيد الدولي أيضا، ولكن ومنذ نهاية عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تضاءل نفوذها وخارت قواها في المنطقة رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها من أجل الحفاظ على ذلك الدور الرائد الذي ذهب ولم يعد حتى الآن. وفي ظل الانتخابات الحالية، فإن العالم العربي بصفة خاصة والمجتمع الدولي ككل أصبح يتطلع من جديد نحو مصر بحثا بين ركام الحقيقة عن بارقة أمل لعلها تعيد لمصر ذلك الدور المفقود في المنطقة، خصوصا بعد انتفاضات الربيع العربي التي هزت منطقة الشرق الأوسط بأكملها العام الماضي.
وإذا ما أعدنا قراءة المشهد السياسي للثورة المصرية، فسنرى الكثير من الدروس التي يمكن استخلاصها، أحد أهم هذه الدروس هو أنه ورغم الاشتباكات المتكررة التي حدثت بين الشرطة والمتظاهرين المدنيين، فإن ثورة 25 يناير المصرية كانت سلمية مقارنة بالنهاية الدموية لحكم القذافي في ليبيا، والحرب التي طال أمدها في سوريا، رغم أن عدد سكان مصر يعتبر أعلى بكثير من عدد سكان كل من ليبيا وسوريا. أما الدرس الآخر الذي يمكننا استخلاصه، فهو ذلك الموقف المشرف للجيش في وقوفه إلى جانب الشعب، وبقائه محافظا على أمن البلد مع قدرته الكاملة على إدارة الملفات الأمنية والاستقرار في البلاد لأكثر من عام.
وفي جانب آخر، فقد أظهرت مصر أيضا خلال الحملة الانتخابية الحالية سعيها الدءوب من أجل استعادة مجدها السابق ومكانتها الرائدة في العالم العربي من خلال إقامة وتنظيم أول مناظرة رئاسية من نوعها، ليس في تاريخ الانتخابات الرئاسية في مصر فحسب، بل في كل منطقة الشرق الأوسط، حيث جمعت المناظرة الرئاسية اثنين من أبرز المرشحين لتولي رئاسة الجمهورية، هما عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح. وبالإضافة إلى ذلك، فلقد كانت تغطية وسائل الإعلام المصرية للحملة الانتخابية فريدة من نوعها في ظل هامش الحرية الكبير الذي حظيت به وسائل الإعلام المصرية بعد الثورة. ولعل أكثر ما يبعث على الدهشة هو أنه وخلال تلك المناظرة، طُلب من المرشحَين الكشف عن حالتهما الصحية وكذلك أوضاعهما المالية، وهو ما لم يحدث مطلقا من قبل خلال نظام مبارك، مع العلم بوجود القانون ولكن مجرد التفكير في طرح هاتين المسألتين، أو حتى مجرد التكهن بهما، كان يتخطى جميع الخطوط الحمراء، ولا شك أن الكل يتذكر جيدا واقعة صدور ذلك الحكم بالسجن ضد أحد الصحفيين قبل الثورة، بسبب نشره حديثا عن الحالة الصحية للرئيس المخلوع حسني مبارك.
ورغم أن للدول العربية قوانينها الخاصة التي تلزم كبار موظفي الدولة بتقديم بيانات ذممهم المالية والكشف عن أموالهم الثابتة، إلا أنه قد جرت العادة في عدم الامتثال لتلك القوانين من قبل المسؤولين أنفسهم. وتكمن الحقيقة المُرة في أن مطالبة هؤلاء المسؤولين التنفيذيين بإقرارات ذمة للكشف عن بياناتهم المالية، والتي ستعامل شأنها شأن أسرار الدولة، هو أمر نادر الحدوث في العالم العربي، حيث تعتبر الشفافية من أكبر القضايا الملحة في عالمنا العربي، إذ إن المسؤولين التنفيذيين غالبا ما يفضلون أن تكون أمورهم المالية طي الكتمان، ويرفضون الكشف عن كيفية حصولهم على ثرواتهم.
ويفترض أن يقدم مرشحو الرئاسة المصرية تقارير ذممهم المالية الحالية طبقا للقانون رقم 62 لعام 1975 الذي ينص على: "كل من يريد الخوض وترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية تقديم إقرار لذمته المالية". وتأكيدا على مبدأ الشفافية وحق المواطن المصري في معرفة حجم ثروة المرشحين للرئاسة، فقد قام عدد من المرشحين بنشر ذممهم المالية. وقد تعتبر عملية كشف المسؤول عن ذممه المالية وأصوله الثابتة مسألة عادية وبسيطة جدا بالنسبة للمواطنين في الدول الغربية، باعتبار أنها أحد الإجراءات العادية التي ظل يمارسها الغربيون منذ سنوات طويلة خلت، فحتى الرئيس الأمريكي أوباما كان لزاما عليه أن يقدم بيانا بذممه وأصوله المالية بمجرد توليه لمنصب الرئاسة. أما في العالم العربي، ورغم أن تطبيق قواعد الكشف عن الأصول المالية لمرشحي الرئاسة يعتبر بكل تأكيد خطوة متقدمة حقيقية في طريق تعزيز مبدأ الشفافية، فهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت به يحدث في عالمنا العربي، خاصة في ظل المكانة المقدسة الرفيعة التي يحظى بها أصحاب النفوذ من قيادات مؤسسات الدولة والمسؤولين الحكوميين، والتي دائما ما يحظر مجرد الحوم حول حماها أو الاقتراب من رحاها.
إن سؤال المرشحين عن أحوالهم الصحية وأوضاعهم المالية وكشف هذه المعلومات والحقائق لعامة الجمهور، تدل على أن المعلومات التي كشف عنها التحقيق في حسابات مبارك المكدسة بمليارات الدولارات، والصفقات التجارية المشبوهة، فضلا عن الكشف عن ثروات حكام الأنظمة العربية الأخرى مثل بشار الأسد وزين العابدين بن علي والقذافي وعائلاتهم، قد آتت أكلها حيث لم تعد تخشى الشعوب طرح هذه الأسئلة الصعبة على قادة المستقبل، لأنهم لا يريدون أن يلدغوا من نفس الجحر مرة أخرى. فلقد ظل الخط الفاصل بين الأموال والأصول العامة والموارد المالية الخاصة للشخصيات القيادية خلال الحقب السابقة غير مرئي، مما أدى إلى انتشار الفساد، ودأب عدد لا يستهان به من تلك الشخصيات القيادية في الشرق الأوسط في كثير من الأحيان على اعتبار الخزينة العامة للدولة مصدرا لسبل رفاهيتهم الخاصة وجزءا من مواردهم الشخصية.
ولقد ورد في المادة 8 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تحت الفقرة الخامسة بعنوان "مدونات قواعد سلوك الموظفين العموميين"، أن "تسعى كل دولة طرف، عند الاقتضاء ووفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، إلى وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنية عن أشياء منها ما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين". ولكنه رغم وجود هذه القوانين والمراسيم المتعلقة بضرورة إعلان المسؤولين الحكوميين عن أصولهم ومواردهم المالية، فإن كثيرا من الدول في الشرق الأوسط لا تقوم بتطبيق هذه القوانين، عدا في الآونة الأخيرة فقط مع قدوم الربيع العربي، حيث بدأ الناس في إثارة الحديث حول هذه المسألة، وهذا شيء مثير للسخرية تماما، باعتبار أن تشجيع وتعزيز ثقافة الشفافية، هو من المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي يحث عليها الإسلام. وهنا يتجلى في دور وسائل الإعلام وضرورة عقد مثل هذه المناظرات لتثقيف الشعب بحقه في تملك معلومات تخص مسؤوليه الحكوميين.
نعلم جميعا أن أحد الأسباب الرئيسة لانطلاق ثورة 25 يناير يعود إلى الفساد المستشرى آنذاك خلال عهد الرئيس المخلوع مبارك. والآن يمكن لمرشحي الانتخابات الرئاسية المصرية الجارية حاليا أن يضربوا مثلا في القدوة الصالحة، بأن يبرهنوا للشعب أن عهدا جديدا قد بدأ للتو، وأن ملامح الخوف والقهر والفساد التي ارتسمت على وجه النظام السابق، لم يعد لها مكانا في مستقبل البلاد. وأيا كان من سيفوز في الانتخابات الرئاسية، فستكون من ضمن أولوياته ضرورة توافر الإرادة السياسية لمكافحة الفساد، وتحسين أوضاع المواطنين الأسرية والوظيفية والمعيشية، وتوعية الجمهور وتعزيز السلوك الأخلاقي، وإقرار وتعزيز مبدأ الشفافية داخل مؤسسات الدولة من خلال تفعيل القوانين التي تجبر المسؤولين الحكوميين المنتخبين على تقديم إبراء ذممهم فيما يختص بإعلان بياناتهم وأصولهم المالية.
وباعتبار أن الانتخابات الحالية في مصر هي أول انتخابات حرة بعد عقود ظلت مصر ترزح خلالها تحت نيران دكتاتورية مبارك، فعلى الرئيس المنتخب أن يكون مثالا يحتذى به وقدوة حسنة عند تسلمه مهام المنصب الرئاسي بعد نيله ثقة الشعب المصري، من خلال وضع اللبنات الأساسية للتجرد ونكران الذات، مما سيمكن الإدارات المتعاقبة مستقبلا من أن تحذو حذوه. يجب أن نتذكر أن الانطباعات الأولى هي التي تدوم في أذهان الناس، وبالتالي، فإذا لم تلتزم هذه الحكومة الجديدة بالشفافية في أفعالها ولم تتمكن من تقليص الفساد، فربما يتوق المصريون إلى أيام نظام مبارك، تماما مثلما يتمنى الآن جزء من الشعب العراقي أن يعيد التاريخ نفسه إلى أيام حكم الرئيس الراحل صدام حسين، نظرا لحالة انعدام الأمن والاستقرار التي تسود البلاد حاليا.
على الرئيس المصري المقبل أن يمهد الطريق لوضع أيقونة مصر مرة أخرى في مكانها القديم أعلى خارطة الشرق الأوسط، والخطوة الأولى له في هذا الطريق لا يمكن أن تكون إلا من خلال إقرار وتحقيق مبدأ الشفافية.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4782
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
792
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2511
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4281
| 23 سبتمبر 2026