رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تطور شخصية الكاتب يرتبط بالكثير من الأمور منها: تأثره بواقعه وقدرته على مراقبة وملاحظة تصرفات من فيه ومن ثم تصنيفها بحسب ما يُميزها؛ كي يتم تخزينها حتى حين، متى قُدِرَ له أن يكون قُرِعَ جرس الاستعانة بها وقُدِرَ لاستخدامها أن يكون وعلى الفور، وبما أن الأمر ينطبق علي أيضاً بحكم أني صاحبة قلم وأسلك ذات المسار، فلقد صارت مهمة المراقبة (تلك) رائعة بكل ما تعنيه الكلمة، فالأمر لا يعني تدوين الملاحظات الساخنة فور خروجها من الفرن فحسب، ولكن التلذذ بكامل العملية وكل ما تتضمنه من خطوات تبدأ بخروج تلك الملاحظات مروراً بمرحلة تعبئة الأطباق، التي نستخدمها فيما بعد؛ لصنع شخصيات درامية تُهذب المتلقي في مراحل لاحقة من جهة، وتصقل شخصية الكاتب ذاته (بما فيها من منفعة حقيقية له) من جهة أخرى. والحق أن المرور بذلك ليس بالأمر الجديد بتاتاً، فهو ما اعتدت عليه ولأعوام لم يتطرق إليها أي جديد سوى ذاك الذي فرضته علينا الشخصيات التي كنا نُقبل عليها في كل مرة، وكانت تحمل العديد من التفاصيل المختلفة التي لا تمت لكل من سبقها بصلة، حتى باتت خطوة البحث عن المزيد من السمات الشخصية الجديدة مهمة تشغلني كثيراً، فصرت أبحث عنها في كل مكان أتواجد فيه، وفي كل زاوية تقع عليها نظراتي، إلى أن جمعتني الصدفة بشخصية لن أخصها بأي شيء، ولكني سأسلط الضوء على بعض ما تتمتع به حتى يصل كل متابع لهذا المقال في هذا اليوم إلى الحقيقة التي تليق بها، وتليق بأن تُنسب إليها، فإليكم التالي: إن ما تجمعه هذه الشخصية وما يجتمع فيها وإن كان أصيلاً وأصلياً إلا أنه قد نضج وتَشَكَلَ جيداً بفضل الظروف، التي وعلى ما أعتقد بأنها كانت لتكسر ظهر سواها متى عانقتها ذات الأحداث وتمسكت بها وبشدة دون أن تسمح لها بالانفلات ومن ثم الهروب منها، فهي امرأة مطلقة أجبرتها ظروف الحياة على العيش في مجتمع غربي، وغريب الملامح مع 3 أطفال أكبرهم لم يتجاوز العقد الأول بعد، ولكنها وعلى الرغم من ذلك قد تمكنت من ضبطه وأخوته بغرس القيم النبيلة في نفوسهم بهدف مد المجتمع بشخصيات سوية في المستقبل، وهو ما قد يبدو هيناً للبعض (لا بطولة فيه)، والسبب ما يغلبه من مرح يظهر على السطح بعد أن يتغلب على ما في الأعماق، في حين أنه وفي حقيقة الأمر ليس كذلك بتاتاً؛ لأن المهمة التي أُسندت إلى تلك السيدة تتطلب منها العمل بدوام كلي لا راحة فيه أبداً، وحين يتعلق الأمر بأم مطلقة فهو ما يعني أنها ستلعب دور الأم والأب أيضاً، أي أن الحمل سيكون ثقيلاً ومضاعفاً، خاصة أن غياب ذاك الأخير يجعل خطواتها أصعب وإلى حد (ما)، لن تتمكن من تسهيله حتى تعمل بحرفية ستكتسبها مع مرور الوقت وستُعينها على تحقيق المُراد وخلال فترة زمنية ستتقلص وستصبح أكثر مرونة متى التزمت بها، والحق أنه ما تميل إليه صاحبتنا التي تحرص على لعب كل الأدوار وبحرفية تامة، فهي لا تكتفي بدور الأم والأب فقط، بل انها تلعب دور الأصدقاء، والجيران الذين تنصل منهم واقعهم البارد المنبثق من مجتمع غريب أجبرتهم الظروف على الانتقال إليه؛ كي تعبث بملامح هويتهم، غير أن ذكاء الأم وحرصها على أطفالها قد أجبراها على الالتزام بتلك المهمة وبـ (صدر رحب) لا يدعي عدم تأثره بما يحدث من حوله، ولكنه يحرص على البحث عن الخير الذي يعيش في جوفه؛ كي يخرج به، أما ما يطل منه من شر لا حاجة له، فهو ما يحرص على تجنبه وتجاوزه؛ كي تنعم صاحبته بعيشة هنية تبحث عنها مع كل لحظة جديدة تُقبل عليها. إن تلك المرأة وحياتها التي قد تبدو عادية للبعض ليست بالشخصية الجديدة التي لم يسبق لي التعرف إليها من قبل، ولكن ما تقدمت به من إيمانٍ بالله وبأن كل ما يكون منه سيكون لخير سيلحق به هو الجديد والمتجدد، فمنها تعلمت وغيري بأن الحزن على ما يحدث لنا، والتأثر به، ومن ثم الانغماس فيه لن يُضيف لنا أي شيء، بل وعلى العكس تماماً فإنه ما سيأخذ منا الكثير من الوقت، الذي سنبكي عليه فيما بعد، حين يمضي ولا نجد منه ما يكفي؛ كي نعيش حياتنا كما يجب، ونتمنى لو أنه يعود بنا من جديد؛ كي نعوض ما قد فات ولكنه سيبدو مستحيلاً حينها؛ لأن الوقت لا يعود إلى الوراء أبداً وإن كنا نأمل ذلك، وبصراحة أجد أن الأمر يتطلب تصالحاً مع الذات متى كان منا كان لنا حق العيش بسعادة تحت كل الظروف أياً كان لونها، تماماً كما هو الحال مع صاحبتنا، التي عاصرت الكثير من الأحداث التعيسة، التي لم تتمكن منها بفضل (قوة إيمانها)، وتلك الابتسامة التي تعلو وجهها حين تطرح ذات السؤال في كل مرة تعترضها مصيبة جديدة ألا وهو: ما الفائدة من الحزن؟ وإلى أين سيصل بي؟
حقيقة أجد أن السؤال الذي تطرحه صاحبتنا مع كل مصيبة تنهال عليها في محله؛ لأنه وإن لم يُطرح وقررنا الانغماس في الحزن والتأثر بما يحدث، فلن نتمكن من العودة إلى أرض الواقع؛ للتفكير بحل يُعيد الأمور إلى صوابها، ولن نتمكن ومن بعد من التقدم بجديد لنا نستعيد معه كامل نشاطنا؛ للقيام بكل ما نحبه كما نحب، وتكون فيه ومنه متعة الحياة الحقيقية، التي يجدر بنا التفكير بها والتركيز عليها، ومن الواجب أن نبحث عنها في كل مكان أليس كذلك؟
إن كل ما قد ورد سابقاً هو كل ما يجدر بنا الأخذ به؛ كي نُجدد حياتنا ونتجدد، ونُقبل على كل ما فيه سعادتنا ويمكننا تحقيقه متى التزمنا بما ذُكر، وحتى نفعل ويكون لنا ما نريده نسأل الله التوفيق للجميع (اللهم آمين).
سيظل صوتي وإن غابت صورتي
حين تفر مني الكلمات، وتغيب عني المعاني، التي أحتاجها؛ كي يُمارس قلمي أبسط حقوقه بين هذه السطور؛ لتبدو... اقرأ المزيد
516
| 21 أكتوبر 2025
«الاحترام سلوك وأثر»
هناك الكثير من الجهود التي تُبذل في سبيل تطوير الفرد والمجتمع، وهي تلك التي تُبنى على أرضية صلبة... اقرأ المزيد
480
| 14 أكتوبر 2025
لا يستحق منك دقيقة واحدة
المحاولات التي تتكرر؛ بحثا عن نتيجة مُرضية تُسعد القائم بها، هي التي تحركه نحو المسارات المُخصصة له حتى... اقرأ المزيد
1044
| 07 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9612
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3456
| 22 أكتوبر 2026