رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قالت صحيفة الفايننشال تايمز الأسبوع الماضي إن دونالد ترامب بات الأقرب إلى ترشيح الحزب الجمهوري بعد فوزه في ولاية أنديانا وهزيمة منافسيه وانسحاب آخرهم تيد كروزو من بين 17 منافسا لم يبق أمامه إلا جون كاسيس وهو مرشح ضعيف لن يستمر. وقالت رغم أن هناك فارقا كبيرا بين السياسة الأمريكية وسياسات كل من روسيا والصين والهند والفلبين إلا أن ترشيح ترامب واحتمال فوزه بمقعد الرئاسة الأمريكية يشبه إلى حد كبير مجيء رؤساء أقوياء يتمتعون بالكاريزما والشخصيات القوية لكل من تلك البلاد. فرؤساء هذه البلاد جاؤوا بعد رؤساء لا يتمتعون بالكاريزما وقوة الشخصية وترامب إذا نجح في الانتخابات الرئاسية القادمة يكون قد خلف رئيسا ضعيفا حذرا شأنه في ذلك شأن هؤلاء الرؤساء. وأيا كان ما قالته الصحيفة بشأن ظاهرة عودة مفهوم القائد "القوي" إلى معترك السياسة الدولية فإن دونالد ترامب يجيء إلى الحكم ــ إن نجح ــ من خلال خطابه العنصري الديماغوجي الذي طال المسلمين والأقليات والسود والمهاجرين ومس قضايا محلية وإقليمية ودولية كثيرة فمن مراقبة مساجد المسلمين ومنع دخولهم الولايات المتحدة واستخدام كافة أساليب التعذيب ضد المتهمين بالإرهاب ومن بينها الإيهام بالغرق والانتقام من عائلاتهم وبناء جدار عازل بين الولايات المتحدة والمكسيك ربما تصل تكلفته إلى 13 مليار دولار واعتبار المكسيكيين القادمين مجرمين يجلبون المخدرات ومغتصبين "إلى منع دخول اللاجئين السوريين واعتبار الأمريكان السود قتلة أكثر من البيض وتحقير النساء وصولا إلى اعتبار تغير المناخ خدعة كبرى ..إلخ. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا لو أصبح دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة؟ رغم صعوبة القول بفوز ترامب في الانتخابات الرئاسية لأن ترشحه عن حزبه على حد تعبير مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية قد قتل الحزب الجمهوري وفرّقه إلا أننا نفترض فوزه وبفوزه حقا يكون ترامب قد انقلب على الليبرالية ووجه لها ضربة قاصمة وكشف عن التوتر القائم بين الديمقراطية والقيم الليبرالية فالديمقراطية لا تعني بالتأكيد الانتصار للحريات الشخصية وحقوق الإنسان لأنها قد تدفع إلى منصب الرئاسة واحدا كترامب لا يؤمن بقيم الليبرالية. ولعل أهم السياسات المفترضة فيما لو فاز ترامب أن ينجح في إلغاء أو تعديل مواد الدستور الخاصة بالحريات العامة إذا أقنع ثلثي أعضاء الكونجرس بذلك ونال موافقة ثلاثة أرباع الولايات وثانيا هناك قواعد تمنع تهميش الأقليات والتعدي عليهم وقتل عائلات الإرهابيين كما يطالب دونالد ترامب والتنكيل بمعارضيه واستقطاب الإعلام لصالحه وربما أدى فوزه إلى تغييره لهذه القواعد التي عرفتها الولايات المتحدة منذ سنين طويلة ولذلك نرى كاتبا كـ "والتر شابيرو" غطى حتى الآن تسعة انتخابات رئاسية ينبه إلى خطورة استيلاء شخص ديماغوجي سلطوي عنصري على مقاليد الحكم ويحرض الحزب الجمهوري على إيقاف ترامب بينما قال نيت سيلفر الخبير في الانتخابات إنه بإمكان الحزب الجمهوري في اللحظات الأخيرة تجاهل اختيارات الناخبين وترشيح شخص آخر لخوض الانتخابات الرئاسية. وثالثا يتوقع المراقبون إذا ساءت حالة البلاد الاقتصادية وتعرضت لأحداث إرهابية قيام ترامب باتخاذ تدابير متطرفة قد تقف مؤسسات الدولة ضدها فقد قال مدير وكالة المخابرات المركزية السابق مايكل هايدن إنَّ الجيش الأمريكي "سيرفض التدخل إذا أمره الرئيس ترامب باتخاذ إجراءات غير مشروعة"، وبصدد حلف الناتو قد يصدر ترامب قرارا بانسحاب الولايات المتحدة منه كما اقترح وهنا قد لا تستجيب المؤسسة العسكرية الأمريكية لقراره أيضا، ورابعا سيرفض ترامب الاتفاق النووي وسيسعى إلى إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران وسيدعم توجيه إسرائيل ضربات جوية لها ولكن لن يكون بمقدوره منعها من إنتاج سلاح ذري لعدم وضوح البدائل لديه وخامسا بصدد تنظيم الدولة الإسلامية يقول الباحث الأمريكي (جون هوداك)" يؤيد ترامب استخدام عدد محدود من القوات البرية الأمريكية وقصف حقول النفط العراقية لقطع إيرادات التنظيم ولكنه يريد أيضًا أن تزوّد العراق الولايات المتحدة بـ1.5 تريليون دولار أمريكي من عائدات النفط لسداد تكاليف الحرب" ويدعم ترامب قتل أسر مقاتلي الدولة الإسلامية أينما كانوا لوضع حدّ للتجنيد ويقول إنّه ينبغي القضاء على الدولة الإسلامية قبل أن تتعامل الولايات المتحدة مع الأسد وهو هنا لا يختلف كثيرا عن سلفه باراك أوباما وسادسا بالنسبة للتجارة الدولية يرى ترامب أن الاتفاقيات المبرمة قبل عهده اتفاقيات مجحفة لبلاده ولذا سيعمل على إعادة صياغتها لتكون في صالحها ولو أدى ذلك إلى حروب من أجلها حتى ضد دولة كبيرة كالصين، وسابعا سيمنح ترامب إسرائيل دعما عسكريا واقتصاديا أكبر مع نقل سفارة بلاده إلى القدس، أما كوريا الشمالية فسيعقد صفقة مع رئيسها. وقال إن الاجتماع مع كيم جونج أون سيكون تحولا هائلا في السياسة الأمريكية تجاه هذا البلد. ولحدية المواقف التي يتبناها دونالد ترامب ولأن المجتمع الأمريكي قائم على التنوع فإن انقلاب ترامب على الليبرالية وقيمها لن يكتب له النجاح حتى ولو أصبح رئيسا للولايات المتحدة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1284
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1089
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1017
| 07 يناير 2026