رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدأت القوى السياسية المصرية تتجه نحو تشكيل كيانات جديدة تعتمد على آلية التكتل وبناء تحالفات بين القوى المتشابهة في خلفياتها ومرجعياتها الفكرية والأيديولوجية وهو ما يؤشر لبدايات مرحلة مغايرة في التفاعلات السياسية داخل المحروسة تنهي حالة التشظي والانقسام التي سادتها بعد نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي سرعان ما تفتت القوى الشبابية والثورية والسياسية التي شكلت وقودها بعد إسقاط رؤوس النظام مما أدى إلى تأخر شديد في إنجاز أهداف الثورة الرئيسية المتمثلة في العيش والكرامة والعدالة الاجتماعية على نحو يكاد يهدد مكانة ومكان الثورة ذاتها .
وشهدت ساحة المحروسة في الآونة الأخيرة بروز عدد من الكيانات التي تراوحت مرجعياتها بين ليبرالية ويسارية وقومية ناصرية وغيرها وثمة ملاحظات رئيسة لدي عليها تتمثل في التالي:
أولا: إن بعض هذه الكيانات تبلور بهدف القضاء على ما بات يطلق عليه في مصر ب"أخونة" الدولة من قبل جماعة " الإخوان المسلمون " التي تعد الحاكمة الآن عبر ذراعها السياسي المتمثل في حزب الحرية والعدالة وقناعتي أن ثمة مبالغة في الأمر فهذا الحزب ليس هو الحاكم ولا يمتلك الأغلبية في البرلمان الذي تم حله وإن كانت هناك توقعات بعودته إلى ممارسة عمله غير أن قرار المحكمة الإدارية العليا أمس الأول تأجيل النظر في مسألة حله إلى الخامس عشر من أكتوبر المقبل يجعل من هذه الإمكانية غير قابلة للتحقق في ظل الالتباسات المحيطة بالمشهد السياسي المصري ومن الممكن أن تتحول هذه العودة إلى مصدر قلق وليس مبعثا على استقرار أو تمكين .
ثانيا: إن بعض هذه الكيانات تشكل من باب المكايدة أو المعاندة للإخوان وفق تعبير الكاتب الصحفي المصري وائل قنديل دون أن تتقدم بمشروع بديل لمشروع الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة واللافت أنها – أي بعض هذه القوى – يسعى فقط إلى إجهاض حركة الجماعة وذراعها السياسي بينما هو يفتقر إلى المبادرة والقدرة على الفعل المؤثر الذي من شأنه أن يطمئن الواقع المصري بأنه يمتلك برنامجا وخيارات أخرى خاصة عندما يصل إلى موقع السلطة سواء برلمانية أو تنفيذية وقد لاحظت من خلال متابعتي لمفردات المشهد المصري تصاعد حالة صراع غير موضوعية تندد بما يطلق عليه حكم المرشد وكأنه معادل موضوعي لحكم العسكر والمناداة بإسقاط الرئيس مرسي رغم أنه جاء إلى الانتخابات عبر آلية الديمقراطية المتعارف عليها والمتمثلة في صناديق الاقتراع في ظل رقابة قوية من السلطة القضائية ومنظمات المجتمع المدني وجهات دولية وقد دعا ممثلو هذه القوى إلى المشاركة في السلطة الحالية التي يقودها الرئيس محمد مرسي سواء في حكومة الدكتور هشام قنديل أو عبر الفريق الرئاسي فلم يستجيبوا للدعوة وأظن أنهم لو أقدموا على خطوات إيجابية على هذا الصعيد لخففوا مما يطلقون عليه أخونة الدولة ومؤسساتها .
ثالثا: ثمة كيانات تشكلت لا يمكن للمرء أن يشكك في نواياها ومهارة كوادرها ورجالاتها ولكني أخشى ما أخشاه أن يكون اندماجها فيما بينها لم يتأسس على منطلقات موضوعية وشفافة بهدف الدخول في تحالفات انتخابية فحسب استعدادا للانتخابات البرلمانية المرتقبة أو الرئاسية التي يحاول أن يروج لإجرائها في أعقاب الانتهاء من الدستور الجديد أو حتى بعد أربع سنوات وفق الإعلان الدستوري الذي ما زال يحكم العملية السياسية في المحروسة وبالتالي فإن هذه الكيانات التي ما زالت في طور التشكل والبناء مطالبة بأن تجعل نصب أعين قادتها ومنظريها ومسؤوليها مستقبل مصر وكيفية صياغة وطن جديد وفق المحددات التي صاغتها ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي تمثل السياق الشرعي لجميع القوى المؤمنة بها .
رابعا: الملاحظ أن هناك قوى تنتمي إلى الماضي البعيد بشقيه: الحزب الوطني الذي كان حاكما قبل سقوط نظام مبارك وبعض الأحزاب الورقية التي تشكلت بمباركة من رجال هذا النظام ضمن عملية تجريف واسعة للمشهد السياسي المصري آنذاك بحيث لايظل فيه إلا المرتبطون بالولاء ليس لمبارك الأب وإنما لجمال مبارك والذي كان يتعامل خلال العقد الأخير بحسبانه الرئيس القادم بل كان رجال والده ينادونه ب"االريس "وهي اللفظة العامية لمفردة الرئيس بالفصحى والمفارقة أنه كان هو يناديهم قبل سنوات ب" أونكل " أي العم قبل أن يصعد نجمه سياسيا بدعم من والدته سوزان وأركان نظام والده ثم والده شخصيا في السنوات الأخيرة .
وهذا النمط من الكيانات السياسية لن يكون له هدف سوى السعي بكل قوة لإعادة إنتاج الماضي وهو ما يتجلى فيما يسمى بحزب الحركة الوطنية الذي يقوده أحمد شفيق المرشح السابق للانتخابات الرئاسية ويضم مجموعة من الشخصيات التي تنقل ولاءها حسب ما يتحقق لها من أرباح ومكاسب وليس وفق قناعات وطنية حقيقية وجوهرية ومن يقرأ أسماء مؤسسي حزب شفيق سيفاجأ بحجم الراغبين في العودة إلى الماضي القريب وهدم أي تحرك باتجاه المستقبل وقد انتابني ارتياح لأن بعض الأسماء أعلنت بقوة انسحابها من هذا الحزب الطفيلي النشأة من أمثال جمال الغيطاني ومكرم محمد أحمد وغيرهما لأنه رغم اختلافهما مع جماعة الإخوان فلا يمكن أن يقبلا بالتعامل مع محاولة كريهة لإعادة إنتاج ماض أشد كراهة .
خامسا: إن بعض التيارات التي تم تدشينها من قبيل المؤتمر المصري بقيادة عمرو موسى والتيار الشعبي بزعامة حمدين صباحي إلى جانب حزب الدستور برئاسة الدكتور محمد البرادعي والموصوف دوما بأنه روح الثورة المصرية والذي أتمنى أن يتحالف مع الشعبي ومع حزب مصر القوية بقيادة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح بوسعها أن تشكل البديل السياسي القادر على قيادة المرحلة المقبلة في المحروسة وحتى ذلك الحين فإنها يمكن أن تقوم بممارسة المعارضة النزيهة والقوية لجماعة" الإخوان المسلمين " وترشيد أداء حزب الحرية والعدالة السياسي خاصة على صعيد التعامل مع القضايا الداخلية والقيام بمهمة تقويم اعوجاج حكومة الدكتور هشام قنديل التي يبدو أنها مازالت غضة في بعض المناحي بالذات فيما يتصل بالتعاطي مع الأزمات المشتعلة والتي ما زالت تشتعل تجلياتها الشديدة السلبية في أنحاء المحروسة شمالا وجنوبا وهو ما رصدته بقوة خلال زيارة هذا الأسبوع لمدينتي – للأقصر- من قبيل نقص أنابيب الغاز وغياب السولار عن محطات بيعه واستمرار بعض مظاهر الانفلات الأمني فضلا عن استمرار الإضرابات عن العمل في قطاعات حيوية ذات تماس مباشر مع متطلبات الناس اليومية لاسيَّما أن قادة هذه الأحزاب والكيانات يتمتعون بشعبية جارفة فضلا عن صدقية سياسية وقدرات وخبرات واسعة .
سادسا: المفارقة في هذا الشأن تكمن في غياب كيان أو تنظيم يمثل بحق شباب ثورة الخامس والعشرين ويبدو أنهم الخاسرون في المعادلة السياسية الراهنة في المحروسة وربما يعود ذلك إلى ما أصابهم مبكرا من انقسام في تكوينهم مما أثر على فعاليتهم السياسية والحركية وبعضهم للأسف أصيب بشراهة الظهور والتنقل من فضائية لأخرى دون أن يمتلك القدرة على الدخول في مواجهة مع الواقع والارتباط بالجماهير فتحولوا إلى مجرد ظاهرة صوتية والآن ينددون بالأخونة وحكم المرشد بينما كان في وسعهم لو تحركوا مثلما كان رجال وكوادر جماعة الإخوان يتحركون أن يحققوا مراكز متقدمة في المعركة البرلمانية التي جرت العام المنصرم وأظن أنه بات عليهم أن يتعلموا الدرس ويتركوا التنظير إلى الانخراط في التعاطي مع مفردات الواقع وإلا فإنهم يحكمون على مستقبلهم السياسي الذي تترقبه جماهير المحروسة بالغموض إن لم يكن بالإهدار.
السطر الأخير:
في العتمة
أترقب وجهك أيا ضوئي المسافر
فعودي لتكويني
دثريني بدفء عينيك
بحقولك الحبلى
بفتنة الأساطير
منتظرا هطولك على قلبي
فيشرق نبضه بعد صمت وثلج ونار
علميني حروف العشق
اكتبيني في دفاترك قمحا وشمسا ونهارا
باركي خطوتي الأولى
في كتابة القصيدة
وغزل الأشعار
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026