رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح وتحقيق الأرباح، أم على العكس تعرقل المسيرة وتؤخر المستقيمين تجاه من لا يعتمد الأخلاق في تصرفاته. ظهر هذا الصراع علنيا مع أزمة 2008 حيث انفضحت نتائج الممارسة السيئة بل غير الأخلاقية والخاطئة في الاقتصاد الدولي. أزمة 2008 كانت قبل كل شيء أزمة أخلاق وسوء تصرف وعدم استقامة، قبل أن تكون أزمة مالية واقتصادية. إذا كانت الممارسات خاطئة، فهل تعلم العالم منها؟ لا تشير الوقائع إلى الاستفادة من تجارب الماضي السيئة. مفهوم الاستقامة ما زال غير معتمد في قطاع الأعمال، خاصة في الدول النامية، رغم الإجماع حول ضرورته.
إذا كانت الممارسات غير الأخلاقية مفيدة لبعض الأشخاص الذين يمارسونها، فهي حكما مضرة بالمجتمع ككل ويجب تجنبها. تقول "أنا برناسيك" في كتابها عن الموضوع إن المطلوب هو فهم فوائد العلاقات الجيدة في المجتمع التي تبقى أفضل من الأنانية المضرة التي أسهمت في خلق الأزمات السابقة. تقوية العلاقات في المجتمع تساهم في تكبير حجم الاقتصاد وخلق منافع أكبر بكثير للجميع. يجب إعادة بناء الثقة في المجتمعات التي ستقوي الاقتصاد خلال العقود المقبلة. الاستقامة هي كالأوكسجين الذي لا نعرف قيمته إلا عندما يتوقف.
بسبب الجشع الممارس دوليا في كل الأعمال، حصلت أزمات كبرى وقع ضحاياها الفقراء والمغامرون كما المجتمع عموما. لذا يجب بناء ثقافة الثقة من جديد بدءا من العائلة والمدرسة والجامعة وصولا إلى المجتمع عموما والأعمال خصوصا. هنالك استثمار في الثقة والأخلاق والاستقامة مطلوب من الجميع، لأنه الطريقة الفضلى ولأن تجارب الماضي كانت مكلفة. يجب أولا وطبعا أن يقتنع المجتمع بأهمية الاستقامة وضرورة اعتمادها في الحياة كوسيلة فاعلة للنجاح والتطور والتقدم.
لا يمكن فرض مفهوم الأخلاق على المجتمعات، فهذا لن ينجح. القبول بالتصرف المستقيم من قبل الجميع يساهم مع الوقت في خلق ثروات عامة وفتح آفاق جديدة لم تكن ظاهرة. من أخطاء السياسات العامة فرض قيود قانونية وإجرائية على الاقتصاد الحر، بدل محاولة بنائه من جديد أي خلق اقتصاد سليم لا يحدث أزمات كل عقد من الزمن. تقيد هذه القوانين حرية الاقتصاد، لكنها لا تساهم في تغيير تصرفات الإنسان الذي يحاول التلاعب عليها بل خرقها في سبيل الربح السريع. الاستقامة هي البنية التحتية الخفية للمجتمع وهي مصدر الثروة الحقيقية الدائمة. لا يمكن شراء الاستقامة وبيعها، فهي تنبع من داخل الفرد والمجتمع وتقوى مع الوقت لكنها هشة وسهلة الانكسار ويمكن خسارتها بسهولة.
من ناحية أخرى، ممارسة الاستقامة من قبل قطاع الأعمال أساسي ويرتكز على الشفافية والمحاسبة ونوعية القواعد المتبعة. تعتمد الاستقامة تجاه الزبائن بحيث تعطي لهم كل المعلومات وتحترم حقوقهم ويتم إصلاح الخطأ والتعويض عنه. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب الماضي؟ هل يمكن الاستفادة منها لبناء مستقبل أفضل؟
أولا: الدرس الأقسى من أزمة 2008 هو أن الاستقامة ضرورية ومفيدة ليس فقط من ناحية الأخلاق وحسن التصرف وإنما أيضا اقتصاديا. تشير التجارب الفردية إلى أن الأشخاص الذين يخالفون قواعد الأخلاق يستفيدون ماديا، إلا أن هذه الممارسات عندما تعتمد من عدد كبير من الناس تسيء إلى المجتمع. هنالك نوع من القناعة في المجتمعات وهي أن الذي يعمل بأخلاق يخسر، لكن تجارب الأعمال تشير إلى أن الشركات الناجحة عالميا هي التي احترمت زبائنها ومارست أعمالها وإنتاجها وتسويقها ضمن معايير الاستقامة والأخلاق. كما أن أهم رجال وسيدات الأعمال هم من الذين اعتمدوا مسيرة الاستقامة. هذا لا يعني أن ليس هنالك أشخاص فاسدون أغنياء، لكن الأكثرية هي التي اعتمدت الاستقامة لاستمرارية النجاح. ليس المهم فقط تحقيق الثروة، إنما الأهم هو الاستمرارية من جيل إلى آخر، وهذا صعب إذا لم يرتكز على الاستقامة. في كل حال، المجتمعات تميز جيدا بين المستقيم وعكسه، حتى لو لم يتكلم الناس علنا عنهما.
ثانيا: يمكن اعتماد الاستقامة كنوع من الأصول التي تفيد اقتصاديا، تخلق أجواء صالحة فتخفف البطالة وتحفز النمو وترفع من مستوى الفعالية والإنتاجية. الاستقامة هو مبدأ عام وطريقة عمل ومنهجية فاضلة ومفيدة، بل يجب أن تكون هدف كل مجتمع يسعى إلى التقدم والغنى والسيطرة على الفقر.
ثالثا: الاستثمار في الاستقامة لا يعني فقط معاقبة المخلين بالأخلاق والقواعد، بل خلق الأجواء المناسبة لتحقيق الثروة ليس لأفراد بل للمجتمع. هنالك فارق كبير بين نظام الاستقامة والأنظمة الاشتراكية التي تدعو إلى توزيع عادل للثروة وربما للدخل أحيانا. نظام الاستقامة يسمح للأفراد والجماعات بأن يحققوا الثروات ضمن قواعد حسن التصرف تجاه الغير والدولة.
رابعا: رغم غياب الأخلاق عموما في مجتمعاتنا، إلا أن هنالك العديد من أوجه الثقة الموجودة في الحياة اليومية والتي نعتبرها عادية بل لا نفكر بها. مثلا، عندما نشتري العديد من المواد الغذائية من الأسواق، نستهلكها دون أن نفكر في جودتها كالحليب. شراء المادة ضمن تاريخ الصلاحية لا يعني بالضرورة أنها صالحة حكما. هنالك عامل الكهرباء التي تنقطع، كما مولدات الكهرباء التي تنطفئ فجأة كما وسائل المحافظة والتخزين التي لا تحترم وغيرها. نستهلك هذه السلع من معلبات دون أن نأخذها إلى المختبر وبالتالي نمارس الثقة حتى لو لم نفكر بها أو نكون مقتنعين كليا بتوافرها. من دون هذه الثقة الخفية، يتوقف النشاط الاقتصادي كليا في المجتمع لأنها الحد الأدنى المطلوب للاستمرارية.
خامسا: هنالك واقع وهو أن كلما فتشنا عن الاستقامة في المجتمع، نجدها في العديد من القطاعات منها الغذاء والسيارات والمصارف وشركات التأمين وغيرها. عندما نشتري سيارة جديدة، نرتكز على ثقتنا بالمنتج ونقودها مع أطفالنا وأولادنا وربما نعرضهم للخطر إذا لم يكن المنتج جيدا. هنالك حوادث كبيرة نتجت عن استعمال السيارات، إلا أن الفارق بين شركة وأخرى هو مدى اهتمامها بالخلل الذي حصل وإصلاحه والتعويض عن المتضررين كما الاستفادة مما حصل منعا للتكرار. عندما نستعمل بطاقات الاعتماد للشراء أو للحصول على النقد، نركز على ثقتنا بحسن الخدمة حتى لو لم نكن متأكدين من حسن سير التجربة. عندما نشتري بوليصة تأمين، نعتمد على الثقة بالشركة التي ستعوض علينا في حال حصلت الخسارة. من دون هذه الثقة الداخلية يتوقف النشاط الاقتصادي في كل الميادين، إذ لا يمكن التأكد أو التحقق من كل سلعة نشتريها كبيرة كانت أو صغيرة، مكلفة كانت أم رخيصة الثمن. الاستقامة هي استثمار في الحياة وهي مفيدة اقتصاديا.
من السلع التي استحوذت على ثقة الناس منذ قرون هي الذهب الذي يستعمل لحاجات مختلفة منها طبية وتزيينية ويتم تخزينه في المصارف المركزية حيث تكمن ثقة المواطن. لماذا نثق بالذهب وبالمصارف المركزية التي تحافظ عليه؟ لماذا نثق بهذه السلعة ذات القيمة النفسية الكبيرة رغم أنها لا تنتج كثيرا كبعض المعادن الأخرى؟ هنالك ثقة مبنية على استقامة المصارف المركزية وممارستها للأدوار المطلوبة منها لفترات طويلة ضمن القوانين والمنطق. لماذا تقرض الدول والمصارف مثلا بعض الحكومات ولا تقرض غيرها. هنالك ثقة في بعض الدول تشجع المقرضين على إعطائها الأموال. تبنى الثقة على حسن الممارسة والقيام بالتسديد في الأوقات المتفق عليها، أي على الصيت الحسن والممارسة الفضلى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1260
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
981
| 21 مايو 2026