رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح وتحقيق الأرباح، أم على العكس تعرقل المسيرة وتؤخر المستقيمين تجاه من لا يعتمد الأخلاق في تصرفاته. ظهر هذا الصراع علنيا مع أزمة 2008 حيث انفضحت نتائج الممارسة السيئة بل غير الأخلاقية والخاطئة في الاقتصاد الدولي. أزمة 2008 كانت قبل كل شيء أزمة أخلاق وسوء تصرف وعدم استقامة، قبل أن تكون أزمة مالية واقتصادية. إذا كانت الممارسات خاطئة، فهل تعلم العالم منها؟ لا تشير الوقائع إلى الاستفادة من تجارب الماضي السيئة. مفهوم الاستقامة ما زال غير معتمد في قطاع الأعمال، خاصة في الدول النامية، رغم الإجماع حول ضرورته.
إذا كانت الممارسات غير الأخلاقية مفيدة لبعض الأشخاص الذين يمارسونها، فهي حكما مضرة بالمجتمع ككل ويجب تجنبها. تقول "أنا برناسيك" في كتابها عن الموضوع إن المطلوب هو فهم فوائد العلاقات الجيدة في المجتمع التي تبقى أفضل من الأنانية المضرة التي أسهمت في خلق الأزمات السابقة. تقوية العلاقات في المجتمع تساهم في تكبير حجم الاقتصاد وخلق منافع أكبر بكثير للجميع. يجب إعادة بناء الثقة في المجتمعات التي ستقوي الاقتصاد خلال العقود المقبلة. الاستقامة هي كالأوكسجين الذي لا نعرف قيمته إلا عندما يتوقف.
بسبب الجشع الممارس دوليا في كل الأعمال، حصلت أزمات كبرى وقع ضحاياها الفقراء والمغامرون كما المجتمع عموما. لذا يجب بناء ثقافة الثقة من جديد بدءا من العائلة والمدرسة والجامعة وصولا إلى المجتمع عموما والأعمال خصوصا. هنالك استثمار في الثقة والأخلاق والاستقامة مطلوب من الجميع، لأنه الطريقة الفضلى ولأن تجارب الماضي كانت مكلفة. يجب أولا وطبعا أن يقتنع المجتمع بأهمية الاستقامة وضرورة اعتمادها في الحياة كوسيلة فاعلة للنجاح والتطور والتقدم.
لا يمكن فرض مفهوم الأخلاق على المجتمعات، فهذا لن ينجح. القبول بالتصرف المستقيم من قبل الجميع يساهم مع الوقت في خلق ثروات عامة وفتح آفاق جديدة لم تكن ظاهرة. من أخطاء السياسات العامة فرض قيود قانونية وإجرائية على الاقتصاد الحر، بدل محاولة بنائه من جديد أي خلق اقتصاد سليم لا يحدث أزمات كل عقد من الزمن. تقيد هذه القوانين حرية الاقتصاد، لكنها لا تساهم في تغيير تصرفات الإنسان الذي يحاول التلاعب عليها بل خرقها في سبيل الربح السريع. الاستقامة هي البنية التحتية الخفية للمجتمع وهي مصدر الثروة الحقيقية الدائمة. لا يمكن شراء الاستقامة وبيعها، فهي تنبع من داخل الفرد والمجتمع وتقوى مع الوقت لكنها هشة وسهلة الانكسار ويمكن خسارتها بسهولة.
من ناحية أخرى، ممارسة الاستقامة من قبل قطاع الأعمال أساسي ويرتكز على الشفافية والمحاسبة ونوعية القواعد المتبعة. تعتمد الاستقامة تجاه الزبائن بحيث تعطي لهم كل المعلومات وتحترم حقوقهم ويتم إصلاح الخطأ والتعويض عنه. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب الماضي؟ هل يمكن الاستفادة منها لبناء مستقبل أفضل؟
أولا: الدرس الأقسى من أزمة 2008 هو أن الاستقامة ضرورية ومفيدة ليس فقط من ناحية الأخلاق وحسن التصرف وإنما أيضا اقتصاديا. تشير التجارب الفردية إلى أن الأشخاص الذين يخالفون قواعد الأخلاق يستفيدون ماديا، إلا أن هذه الممارسات عندما تعتمد من عدد كبير من الناس تسيء إلى المجتمع. هنالك نوع من القناعة في المجتمعات وهي أن الذي يعمل بأخلاق يخسر، لكن تجارب الأعمال تشير إلى أن الشركات الناجحة عالميا هي التي احترمت زبائنها ومارست أعمالها وإنتاجها وتسويقها ضمن معايير الاستقامة والأخلاق. كما أن أهم رجال وسيدات الأعمال هم من الذين اعتمدوا مسيرة الاستقامة. هذا لا يعني أن ليس هنالك أشخاص فاسدون أغنياء، لكن الأكثرية هي التي اعتمدت الاستقامة لاستمرارية النجاح. ليس المهم فقط تحقيق الثروة، إنما الأهم هو الاستمرارية من جيل إلى آخر، وهذا صعب إذا لم يرتكز على الاستقامة. في كل حال، المجتمعات تميز جيدا بين المستقيم وعكسه، حتى لو لم يتكلم الناس علنا عنهما.
ثانيا: يمكن اعتماد الاستقامة كنوع من الأصول التي تفيد اقتصاديا، تخلق أجواء صالحة فتخفف البطالة وتحفز النمو وترفع من مستوى الفعالية والإنتاجية. الاستقامة هو مبدأ عام وطريقة عمل ومنهجية فاضلة ومفيدة، بل يجب أن تكون هدف كل مجتمع يسعى إلى التقدم والغنى والسيطرة على الفقر.
ثالثا: الاستثمار في الاستقامة لا يعني فقط معاقبة المخلين بالأخلاق والقواعد، بل خلق الأجواء المناسبة لتحقيق الثروة ليس لأفراد بل للمجتمع. هنالك فارق كبير بين نظام الاستقامة والأنظمة الاشتراكية التي تدعو إلى توزيع عادل للثروة وربما للدخل أحيانا. نظام الاستقامة يسمح للأفراد والجماعات بأن يحققوا الثروات ضمن قواعد حسن التصرف تجاه الغير والدولة.
رابعا: رغم غياب الأخلاق عموما في مجتمعاتنا، إلا أن هنالك العديد من أوجه الثقة الموجودة في الحياة اليومية والتي نعتبرها عادية بل لا نفكر بها. مثلا، عندما نشتري العديد من المواد الغذائية من الأسواق، نستهلكها دون أن نفكر في جودتها كالحليب. شراء المادة ضمن تاريخ الصلاحية لا يعني بالضرورة أنها صالحة حكما. هنالك عامل الكهرباء التي تنقطع، كما مولدات الكهرباء التي تنطفئ فجأة كما وسائل المحافظة والتخزين التي لا تحترم وغيرها. نستهلك هذه السلع من معلبات دون أن نأخذها إلى المختبر وبالتالي نمارس الثقة حتى لو لم نفكر بها أو نكون مقتنعين كليا بتوافرها. من دون هذه الثقة الخفية، يتوقف النشاط الاقتصادي كليا في المجتمع لأنها الحد الأدنى المطلوب للاستمرارية.
خامسا: هنالك واقع وهو أن كلما فتشنا عن الاستقامة في المجتمع، نجدها في العديد من القطاعات منها الغذاء والسيارات والمصارف وشركات التأمين وغيرها. عندما نشتري سيارة جديدة، نرتكز على ثقتنا بالمنتج ونقودها مع أطفالنا وأولادنا وربما نعرضهم للخطر إذا لم يكن المنتج جيدا. هنالك حوادث كبيرة نتجت عن استعمال السيارات، إلا أن الفارق بين شركة وأخرى هو مدى اهتمامها بالخلل الذي حصل وإصلاحه والتعويض عن المتضررين كما الاستفادة مما حصل منعا للتكرار. عندما نستعمل بطاقات الاعتماد للشراء أو للحصول على النقد، نركز على ثقتنا بحسن الخدمة حتى لو لم نكن متأكدين من حسن سير التجربة. عندما نشتري بوليصة تأمين، نعتمد على الثقة بالشركة التي ستعوض علينا في حال حصلت الخسارة. من دون هذه الثقة الداخلية يتوقف النشاط الاقتصادي في كل الميادين، إذ لا يمكن التأكد أو التحقق من كل سلعة نشتريها كبيرة كانت أو صغيرة، مكلفة كانت أم رخيصة الثمن. الاستقامة هي استثمار في الحياة وهي مفيدة اقتصاديا.
من السلع التي استحوذت على ثقة الناس منذ قرون هي الذهب الذي يستعمل لحاجات مختلفة منها طبية وتزيينية ويتم تخزينه في المصارف المركزية حيث تكمن ثقة المواطن. لماذا نثق بالذهب وبالمصارف المركزية التي تحافظ عليه؟ لماذا نثق بهذه السلعة ذات القيمة النفسية الكبيرة رغم أنها لا تنتج كثيرا كبعض المعادن الأخرى؟ هنالك ثقة مبنية على استقامة المصارف المركزية وممارستها للأدوار المطلوبة منها لفترات طويلة ضمن القوانين والمنطق. لماذا تقرض الدول والمصارف مثلا بعض الحكومات ولا تقرض غيرها. هنالك ثقة في بعض الدول تشجع المقرضين على إعطائها الأموال. تبنى الثقة على حسن الممارسة والقيام بالتسديد في الأوقات المتفق عليها، أي على الصيت الحسن والممارسة الفضلى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية. وهناك دول يختصرها حاضرها، وأخرى يروي تاريخها قصة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والصبر حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وقطر واحدة من تلك الدول التي لم تصل إلى مكانتها العالمية في ليلة وضحاها، ولم يصبح اسمها حاضرًا في المحافل الدولية بمحض الصدفة، وإنما بجهد متواصل، وإرادة لا تعرف المستحيل، ورؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم، ونحن ننظر إلى وطننا، لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه دولة غنية فحسب، بل بوصفه أمانة كبرى. أمانة تتمثل في أمنه، ووحدته، واستقراره، وسمعته، وإنجازاته، ومكانته التي أصبحت محل احترام العالم. فكل طريق، ومدرسة، ومستشفى، وجامعة، وميناء، ومؤسسة، وكل إنجاز تحقق على هذه الأرض، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والإخلاص والتضحيات. وتزداد هذه الأمانة اليوم ثقلًا في ظل أزمة إقليمية لم يعهد الخليج مثل اتساعها وخطورتها. فمن كان يتصور أن تتعرض دول الخليج، الواحدة تلو الأخرى، للصواريخ والمسيّرات والتهديدات القادمة من جهات متعددة؟ ومن كان يظن أن المدن الآمنة، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة والمياه يمكن أن تصبح في قلب المواجهة؟ لقد تعرضت دول خليجية عدة خلال التصعيد الراهن لهجمات وتهديدات طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، ووصل الخطر إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وإلى خطوط الملاحة في مضيق هرمز والبحار المحيطة بالمنطقة. وهذا يكشف أن الحروب الحديثة لا تستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان: الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يصل إلى بيته، والكهرباء التي تنير مدينته، والطريق البحري الذي تعبر منه احتياجاته. إن تهديد محطات تحلية المياه في الخليج ليس أمرًا ثانويًا، فدول المنطقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مياه البحر المحلاة. وأي اعتداء على تلك المنشآت لا يعني تضرر مبنى فحسب، بل يعني تهديد شريان الحياة لملايين البشر. وقد أبرزت الهجمات الأخيرة على منشآت المياه والكهرباء مدى أهمية هذه المرافق أمام الحروب، ومدى ضرورة حمايتها، وتطوير البدائل، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وعدم الاطمئنان إلى أن مصادر الحياة بعيدة عن ميادين الصراع. والغذاء كذلك أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن اضطراب الملاحة أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع الأسعار ويؤخر وصول السلع الأساسية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الدولة التي لا تنوّع مصادر استيرادها، ولا تدعم إنتاجها المحلي، ولا تبني مخزونها الاستراتيجي، قد تجد أمنها الغذائي رهينة قرار أو حرب وقعت خارج حدودها. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن التوترات الإقليمية الحالية تهدد سلاسل التصدير والإمداد، وتضاعف مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة والعالم. لهذا فإن المحافظة على قطر لم تعد مجرد عبارة وطنية نرددها، بل ضرورة وجودية تتطلب وعيًا شاملًا. فالأمن اليوم ليس حراسة الحدود فقط، بل حماية الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والمعلومات، وحماية المجتمع من الشائعات والفوضى والخوف. وليس كل اعتداء يبدأ بصاروخ، فقد يبدأ بخبر كاذب ينتشر في لحظات، أو إشاعة تدفع الناس إلى الهلع والتدافع وتخزين السلع، فتربك المجتمع وتخدم أهداف العدو من حيث لا يشعر ناشرها. في أوقات الأزمات يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات. يظهر المواطن المسؤول الذي يأخذ معلوماته من المصادر الرسمية، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يثير الذعر، ولا يستغل حاجة الناس، ولا يكدس السلع بلا ضرورة. ويظهر التاجر الأمين الذي لا يرفع الأسعار، والموظف المخلص الذي يؤدي واجبه، والإعلامي الذي يزن كلماته، والأسرة التي تربي أبناءها على الثبات والوعي، لا على الخوف والانفعال. إن حماية قطر مسؤولية كل مواطن، ولا تنتهي عند المقيم. فكل من يعيش على هذه الأرض وينعم بأمنها واستقرارها يحمل جزءًا من مسؤولية الحفاظ عليها. الوطن لا تحميه الجدران وحدها، وإنما يحميه الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة ما بين يديه، ويحسن التصرف وقت الرخاء والأزمة. وقد أحسنت قطر الاستفادة من التجارب السابقة، فعملت على تنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، وبناء مرافق ومخزونات استراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمداد. وتؤكد التقارير الحديثة أن الأمن الغذائي في قطر ما زال مستقرًا، نتيجة الاستعداد المبكر وتنوع الخطط والبدائل. لكن قوة الاستعداد لا تعني أن نركن إلى الطمأنينة، بل أن نواصل التطوير، لأن التحديات تتغير، والحروب تكشف كل يوم أدوات جديدة للضغط والاستهداف. إن أعظم الأخطاء أن نعتاد النعمة حتى ننسى كيف جاءت. فمن السهل أن يرث الإنسان وطنًا قويًا، لكن الأصعب أن يحافظ على قوته. ومن السهل أن يعيش في دولة مستقرة، لكن الأصعب أن يكون سببًا في استمرار هذا الاستقرار. فالأوطان لا تتراجع فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما يضعف الشعور بالمسؤولية، ويحل محله الاعتقاد بأن الإنجازات ستبقى مهما أهملنا. إن المحافظة على قطر تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يتقن الموظف عمله، ويحترم الطالب علمه، ويخلص التاجر في تجارته، ويحافظ الفرد على الممتلكات العامة، ويحسن استهلاك الماء والغذاء والطاقة، ويدرك أن الإسراف في زمن الأزمات ليس حرية شخصية، بل سلوك يمس أمن المجتمع كله. كما تبدأ المحافظة على الوطن بالوحدة. فالأزمات لا تختبر قوة السلاح وحده، بل تختبر تماسك المجتمع وثقته بقيادته ومؤسساته. وكل محاولة لإثارة الانقسام، أو نشر الكراهية، أو ضرب العلاقة بين المواطن والمقيم، إنما تستهدف جدارًا من جدران الوطن. فالناس في السفينة الواحدة، وأي ثقب فيها لن يسأل عن جنسية من يصيبه الماء. واليوم، وقد أصبحت قطر دولة ذات حضور عالمي، فإن مسؤوليتنا أصبحت أكبر. نحن لا نحمل اسم وطننا داخل حدوده فقط، بل نحمله أينما ذهبنا. العالم يعرف قطر ويراقب تجربتها ويحترم نجاحاتها، ولذلك فإن كل مواطن ومقيم سفير لهذا الوطن، يمثله في أخلاقه وعمله والتزامه قبل أن يمثله بكلماته. قطر اليوم ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل إرث حضاري ومسؤولية تاريخية وأمانة أخلاقية. وما نملكه من أمن ورخاء واستقرار ومكانة ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، بل نعمة تحتاج إلى الشكر، وإنجاز يحتاج إلى الحماية، ووطن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الولاء الحقيقي يظهر حين تتبدل الأيام وتشتد الأزمات. فليكن سؤال كل واحد منا: ماذا قدمت اليوم لقطر؟ هل حافظت على أمنها؟ هل صنت وحدتها؟ هل كنت مصدر وعي أم مصدر شائعة؟ هل كنت لبنة في البناء أم ثغرة ينفذ منها الخوف؟ الخليج يمر اليوم بامتحان عسير، وقطر ليست بعيدة عن رياحه، لكن الأوطان التي بنت مؤسساتها، ووحّدت صفوفها، وأعدّت أبناءها للأزمات، لا تسقط أمام العواصف، بل تخرج منها أصلب عودًا وأعمق وعيًا. قطر أمانة في أعناقنا، وحمايتها ليست مهمة يوم واحد، بل عهد يتجدد كل صباح، ومسؤولية يؤديها كل إنسان من موقعه، حتى تبقى هذه الأرض آمنة عزيزة، ويظل علمها مرتفعًا، ويصل إرثها إلى الأجيال القادمة أقوى مما تسلمناه.
6885
| 20 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله. هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه. كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل. وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر. وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول. تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده. بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية. وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد. كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور. منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء. شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر. إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني». كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح. كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها. ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس. في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة. كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق. كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة: «ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟» لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان. كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا. لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة. عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره. كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها. وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل. وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة. وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم. ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته. وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع. وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط. وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى. كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد». وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى. عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث. وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده. وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا. وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية. لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا. رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
2034
| 19 يوليو 2026
إن امتلاك حلم والسعي الحثيث لتحقيقه ليس بالأمر الهين. هذا المزيج هو ما يميز فقيدَ الوطن الكبير، المغفور له، بإذن الله تعالى، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وغفر له، كواحد من أعظم القادة في تاريخ دولة قطر والخليج والشرق الأوسط. يكمن سر نجاح الأمير الوالد في قدرته على تحويل الصعاب التي واجهتها قطر إلى فرص سانحة. خلال فترة حكمه التي امتدت 18 عاماً، قاد الأمير الوالد إصلاحات هائلة، ونجح في إلهام رجاله للتفكير في أشياء عظيمة وتحقيقها. واستطاع أن يستمد الإلهام من آمال الشعب القطري وأحلامه، وأن يخلق بيئةً لا تُلهمهم فحسب، بل تُحفزهم على التطور والارتقاء. إن قصة قناة الجزيرة ليست مجرد قصة نجاح أخرى للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بل هي أيضاً قصة تغيير جذري في المشهد الإعلامي العربي. قبل عام 1996، لم يكن لقطر صوت مسموع، لكن الأمير الوالد كان يتمتع بالمهارة والرؤية الكافيتين لتحويل هذا التحدي لصالح قطر. وسرعان ما اكتسبت الجزيرة شعبية واسعة بعد إطلاقها كأول شبكة إخبارية عربية تعمل على مدار الساعة، حتى أطلق عليها البعض "سي إن إن" العربية. أثبت نجاح قناة الجزيرة أنه لا يمكن لأي قوة أن تهيمن على سوق الأخبار والمعلومات العالمي. وقد فتح هذا النجاح الباب أمام جميع القنوات الفضائية العربية الحالية. ويتمتع ملايين الأشخاص حول العالم الآن بإمكانية الوصول المباشر إلى قناة الجزيرة، كما أن العديد من الدول تشتري مساحات إعلانية فيها. في 19 مارس/آذار 2002، بثّت إذاعة صوت أمريكا خطاباً ألقاه نيوتن مينو، أستاذ القانون وسياسة الاتصالات بجامعة نورث ويسترن، في جامعة لويولا بشيكاغو. قال البروفيسور نيوتن في كلمته "قبل أربعين عاماً، رافقتُ الرئيس كينيدي في جولة الى محطة برنامجنا الفضائي. سألني حينها الرئيس عن سبب أهمية إطلاق قمر صناعي للاتصالات. فأجبته: "سيدي الرئيس، على عكس عمليات إطلاق الصواريخ الأخرى، لن يرسل هذا القمر إنساناً إلى الفضاء، ولكنه سيرسل أفكاراً، والأفكار تدوم أطول من البشر". لم يخطر ببالي قط أن الأفكار التي يتلقاها ملايين الأشخاص يومياً ستأتي من قناة الجزيرة". لقد نجحت الجزيرة في وضع قطر على الخريطة العالمية. عندما كانت قطر تُجري عمليات تنقيب عن النفط عام 1971، تم اكتشاف خزان ضخم من الغاز الطبيعي في حقل الشمال. كان هذا بمثابة نبأ سيئ وغريب لقطر وشركات التنقيب على حد سواء. بعد ربع قرن، نجح الأمير الوالد الشيخ حمد في تحويل هذا النبأ السيئ إلى أفضل خبر في تاريخ قطر. ورغم العديد من التحديات والعقبات، تمكن الأمير الوالد من استغلال الغاز الطبيعي لتلبية الاحتياجات المحلية، وتصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى اليابان عام 1997. وقد نجح ببراعة في بناء شراكات دولية مع شركات الطاقة العالمية للتنقيب عن الغاز الطبيعي المسال وتصديره إلى السوق العالمية. والمثير للإعجاب أن الأمير الوالد قد فعل ذلك بأسلوب تجاري بعيداً عن السياسة. تحت قيادته، أصبحت دولة قطر الشريك والمورد الأكثر موثوقية في سوق الطاقة العالمية. وتُعد قطر اليوم أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال وتكنولوجيا تحويل الغاز إلى سوائل في العالم. على عكس الدول النفطية الأخرى، نجحت دولة قطر، بقيادة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في استثمار عائدات الطاقة في قطاعات متنوعة وتنويع اقتصادها، مما عزز الاستقرار ووفر للشعب القطري مستوى معيشيا أفضل. وفي عام ٢٠٠٥، أنشأ الشيخ حمد جهاز قطر للاستثمار (QIA) لقيادة الاستثمار المالي للدولة. وبفضل هذه السياسات، نما اقتصاد قطر بوتيرة أسرع من أي اقتصاد آخر في المنطقة، وتتمتع قطر اليوم بأعلى دخل للفرد في العالم. وبصفته قائداً ذا رؤية ثاقبة، قاد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بلاده بنجاح لتصبح واحدة من أكثر دول العالم ازدهاراً. في عام ١٩٩٤، تأسست مؤسسة قطر لتعزيز التنمية المجتمعية من خلال التعليم الحديث. وفي عام ١٩٩٨، تم إنشاء المدينة التعليمية، وهي فكرة رائدة غير مسبوقة تضم نخبة من أفضل جامعات العالم، مما ساهم في إعادة تشكيل المجتمع القطري والمشهد التعليمي. ومن خلال إصلاح النظام التعليمي، أتاح صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد فرصاً تعليمية حديثة وعالية الجودة لآلاف الشباب القطريين وغير القطريين المقيمين في البلاد، والذين لولاه لما أتيحت لهم هذه الفرصة. لطالما تم تصوير الدول صغيرة الحجم على أنها ضعيفة وهشة، وغير قادرة على التأثير في العلاقات الدولية. إلا أن الأمير الوالد الشيخ حمد أثبت خطأ هذا التصور. فعلى الرغم من هذه الصورة النمطية الراسخة، نجحت قطر، بقيادة الأمير الوالد، في تحقيق نهضة محلية وحضور بارز على الساحة الدولية. ومنذ توليه السلطة، انتهجت قطر سياسة خارجية قوية وفعّالة. وقد ساعده في ذلك فهمه العميق للوضع العالمي والتحديات التي تواجهها قطر على وضع السياسات المناسبة لحماية قطر من مخاطر الدول الصغيرة. استخدم الأمير الوالد الشيخ حمد مزيجاً من أدوات الدبلوماسية الناعمة، بدءاً من قناة الجزيرة ، مروراً بالوساطة في النزاعات الإقليمية، لا سيما بين إسرائيل والفلسطينيين، ولبنان، ودارفور في السودان، وصولاً إلى التبرعات السخية التي قدمتها دولة قطر للمناطق المتضررة في جميع أنحاء العالم. وخلال فترة حكمه، برزت دولة قطر كإحدى القوى الإقليمية الرائدة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط. وقد حظيت آراؤه ورؤاه باحترام كبير من قبل العديد من قادة العالم. في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد، رسّخت قطر مكانتها كدولة عصرية حديثة ذات توجه اقتصادي، قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي. وقد صرّح أحد أعضاء الكونغرس، الذي كان يكنّ للشيخ حمد محبة كبيرة، بإعجابه بالنهج الاقتصادي الذي تتبعه دولة قطر في سياستها الخارجية. يُجسّد فقيد الوطن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مزيجاً من الصفات التي أهّلته لدوره الفريد في تاريخ قطر والمنطقة. فقد كان الشيخ حمد قائداً فذاً، ومتحدثاً بارعاً، ومخططاً استراتيجياً. وقد ميّزته قيادته الرؤيوية عن غيره. إنه قامة شامخة في تاريخ قطر، ومؤسس دولة سيُخلّد اسمه في ذاكرة الأجيال القادمة كأبٍ لقطر الحديثة.
795
| 19 يوليو 2026