رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"الفيل في الغرفة" عبارة مجازية تستخدم في اللغة الانجليزية للدلالة على مشكلة واضحة وكبيرة، يتم تجاهلها وعدم التطرق لها، ويستعاض عن ذلك بالحديث عن قضايا قد تكون هامشية وأقل أهمية.
هذا المثال ينطبق على الوضع الخليجي في كثير من الأوجه، فبالنظر إلى غالبية القضايا التي تشغل الرأي العام الخليجي، نجد أن كماً يسيراً منها يمكن اعتباره قضايا جوهرية، في حين أن البقية الباقية ما هي إلا نتائج وأعراض لقضايا كان الأجدر بها أن تتصدر الاهتمام والمعالجة، إلا أنها كانت "فيلاً في الغرفة" لم يره أحد حتى دهسنا بأقدامه.
من القضايا التي أخذت بالتضخم وشغل الرأي العام الخليجي قضية النسوية، وبعيداً عن التنميط، لو سألنا أنفسنا.. هل تعد تلك القضية من القضايا المهمة والجوهرية؟ سنجد أنها كذلك، ولكن.. كيف يتم تناولها وبحثها؟ هذا هو السؤال الأجدر بالطرح.
إن التطرق لموضوع كموضوع النسوية بالنقد والتحليل يعد تحدياً كبيراً، كونه من الموضوعات التي تكون فيها المواقف والأحكام على طرفي نقيض، وقد يتهم من يتطرق لها بمناهضة النسوية، أو العكس، وبكل سهولة، إلا أن القضية آخذة في التضخم ككرة الثلج، ولابد من طرحها على طاولة النقاش.
بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001 أتذكر تلك المشاهد التي بثت على القنوات الإخبارية لنساء أفغانيات ينزعن عن وجوههن "الباروكا" وهو اللباس الأزرق الذي ترتديه النسوة هناك لتغطية أجسادهن من رؤوسهن حتى أخمص أقدامهن، سوى فتحة صغيرة عند العينين مغطاة بالشباك تسمح بالرؤية ونفاذ النور، وقد أثارت تلك اللقطات إعجاب البعض وسخط آخرين، ولكن بعيداً عن وجهات النظر المتباينة حول تلك المشاهد ومدلولاتها وهل كانت حقيقية أم مفبركة، السؤال هو: ماذا حقق الأمريكان للمرأة الأفغانية بعد كشف وجهها وإظهاره على شاشات التلفزة؟ هل انتشلتهن من الفقر إلى الغنى ومن الجهل إلى النور، وكأن ما يغطي جسد المرأة الأفغانية هو مشكلتها الوحيدة، أم أنها رمزية لم تؤت أكلها واستفزت الأفغان وأخرجت المارد من القمقم.
لقد خاضت الولايات المتحدة بعد تلك المشاهد حرباً استمرت 19 عاماً مع حركة طالبان، إلى أن أثمرت جهود الدوحة في احتوائها وبدء المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق تاريخي بين واشنطن وطالبان تضمن بنوداً كثيرة، منها ما هو متعلق بحقوق المرأة، ولكن وفق الرؤية الأفغانية هذه المرة.
يعاني الغرب في تناوله لقضايا المرأة وحقوقها في منطقتنا من إشكالية أزلية ومستمره، وهي اختزال حقوق المرأة في الحجاب والنقاب والجلباب، والتركيز على المظهر الخارجي وتسطيح المفاهيم الحقوقية وإبراز نماذج سطحية وممجوجة ومنفرة، فقد تكررت مسرحية خلع الحجاب في كثير من الأقطار كتونس ومصر، فهل تحقق أي تقدم على أرض الواقع؟ ثم إنه ينبغي لنا عدم إغفال أن القضية أعمق وأكبر من حقوق المرأة وانتهاكها فقط، فما يحدث الآن تشويه متعمد لمسائل حساسة، فحقوق الإنسان الأساسية تنتهك في كثير من الدول وسط مناداة بحقوق المرأة! أليس الأجدر بنا الحديث عن الإنسان بكليته وكينونته بدل التشويه وتحريف الحقائق، وكأن عالمنا العربي تجاوز كافة الإشكالات المتعلقة بكافة الحقوق ولم يتبق له سوى حقوق المرأة ليطالب بها.
إن الغرب يعاني من سوء فهم لقضايا حقوق المرأة، فما زال يظن أن الحجاب والنقاب والمظهر الخارجي للمرأة هي العائق أمام تحقيق التنوير الداخلي، ناسين أو متناسين دور الثقافة في تحديد الهوية التي لم يحترمها الغرب ولم يلق لها بالاً، معتقداً أن النموذج الغربي هو النموذج القياسي في كل شيء من لباس ومأكل ومشرب، فهل قَصَف الحجاب رؤوس فتيات اليمن، أم هي الصواريخ التي تلقى على رؤوسهن وسط صمت دولي رهيب، وهل ما قض مضاجع نساء أفغانستان الثكالى هو ارتداء الحجاب والنقاب، أم القنابل التي قتلت الأبرياء وأهلكت الحرث والنسل؟.
إن التشويه المتعمد والمخل الذي مارسه الغرب وجد آذاناً صاغية من قبل البعض ونفّر البعض الآخر، وخلق هوة متسعة بين أطياف المجتمع الخليجي، فإما أن تكون مناصراً للمرأة وحقوقها أو ذكورياً مقيتاً، وإما أن تكوني نسوية متحررة أو رجعية متخلفة تعيش في جلباب زوجها، تلك الثنائية المتطرفة أدت إلى تأثيرات سلبية بالغة على المطالبات النسوية والتنفير منها، في مقابل طمس للحقوق المشروعة أو المطالبات الممكنة في إطار موضوعي، فهل تحققت الغاية النسوية بهروب فتاة مراهقة من ذويها واستقبالها بحفاوة في دول الغرب وتصويرها بصورة المناضلة والبطلة؟، وهل خلع الحجاب أو إظهار الأفخاذ هو الغاية الأسمى التي جنتها المطالبات النسوية؟! أم أنه تسطيح للمفاهيم بشكل فج ومبالغ فيه؟ ثم لماذا لا تحتضن تلك الدول سوى نماذج نسوية محددة، وتحرضهن على الهرب كأن الأمر يتم بتعمد واستهداف، لماذا لم نر منقبة تُستقبل بحفاوة بسبب هربها من الظلم والاضطهاد أو لمطالبتها بحرية البحث العلمي مثلا؟.
وبالعودة إلى بعض النقاط الجوهرية في المطالبات النسوية، دعونا نأخذ قضية التعنيف أو الاضطهاد والتنمر الأسري على سبيل المثال، وهو بلا شك أمر خاطئ ومرفوض وغير مقبول، ولكن لو تناولنا القضية من زاوية أخرى، ونظرنا إلى أسلوب المجتمع العربي والدور التربوي المنوط بالأسرة، سوف نجد أن هناك مستوى من العنف الأسري في التعامل مع الذكر أو الأنثى، على حد سواء، وقس على ذلك كثيراً من الجوانب في مجتمعنا العربي والخليجي، فالقضية ليست محصورة في ثنائية الذكر والأنثى، بل هي أكبر من ذلك بكثير وتتعلق بغياب تام لفلسفة التربية.
وثمة أمر آخر، هو أن الحركة النسوية التي نشطت في الغرب، بنيت أساساً على المساواة بين الجنسين بغية تحقيق العدالة، وعلى اعتبار أن المرأة مساوية للرجل في الحقوق والواجبات وبناءً عليه فهي مستحقة لكافة الامتيازات، ولها الحق بأن تعامل مثل الرجل تماماً، كما أن المطالبات النسوية تركزت على جانب الفروقات البيولوجية بين الرجل والمرأة وأنها ليست حائلاً بين المرأة وحقوقها ولا سبباً لاضطهادها، وعند مقارنة المفاهيم الغربية بالمطالبات النسوية الخليجية نجد أن المسألة النسوية في الخليج تشوبها الانتقائية، فما زالت المرأة الخليجية في كثير من الأحيان تنظر إلى نفسها بنظرة مختلفة وتختار لنفسها من الخصوصية والتميز والاختلاف ما تشاء وتنبذ ما تشاء، أليست تلك قسمة ضيزى؟.
من جهة أخرى، تواجه الحركة النسوية في الأوساط الخليجية في كثير من الأحيان معارضة عنيفة من قبل الرجل والذي يُرَد في الغالب إلى العامل الذكوري وهيمنته، وقد يكون ذلك صحيحاً في جزء منه، ولكن لماذا ننسى أو نتناسى ما تعاني منه مجتمعاتنا من ضيق الهامش في مسألة تقبل الآراء، لماذا تضيق النسويات ذرعاً بتلك المعارضة، في حين أن القضية متعلقة برفض الآخر ورفض كل ما يزعزع معتقدات المجتمع وقناعاته حول مختلف القضايا.
الخلاصة هي أن كثيراً من المطالبات النسوية مشروعة، وكثير منها يمكن نقاشها وفق أسس موضوعية وفي سياقات محددة، أما أن يتم خلط الحابل بالنابل والاستنجاد بمنظمات غربية والارتماء في أحضان دول لا هم لها إلا ابتزازنا وتحريض المراهقات ضد أهاليهن وحثهن على التمرد واستقبالهن ليتسكعن في شوارع أوروبا ويظهرن عبر الإعلام بأنهن حققن انتصارات وإنجازات هائلة لمجرد خلع الحجاب أو العباءة أو حلق الشعر وتغيير التصفيفة!!، في حين لم تلتفت تلك الدول لنسائها اللاتي يعرضن أجسادهن في فاترينات وواجهات المحلات، أو لتلكم النسوة اللاتي ينمن على الأرصفة وهن الأجدر بالمساعدة والإنقاذ، بدل أن تتقاضى منهن تلك الدول الضرائب لقاء ما يتحصلن عليه من بيع أجسادهن بسبب الفقر والحاجة.
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4311
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2458
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3565
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3918
| 23 سبتمبر 2026