رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

102

د. سلوى حامد الملا

خطاب الثبات والإنسانية

24 سبتمبر 2026 , 12:00ص

* في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، استوقفتني لحظة الوفاء للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه. فقد جاء شكر سموه للجمعية على تكريم ذكراه وإرثه اعترافًا عالميًا بقائد صنع تاريخًا، وترك لوطنه ما هو أبقى من الذكرى: نهجًا تظهر قيمته كلما واجهت قطر ظرفًا جديدًا.

* ليس الوفاء أن نستعيد ما مضى ونقف عنده، بل أن نرى أثره فيما نعيشه اليوم. وقطر، وهي تمر مع المنطقة بظروف صعبة، لم تبدأ التفكير في المخاطر ساعة وقوعها. تحدث سمو الأمير عن الاستعداد، وتأمين الإمدادات، وتعزيز قدرات المؤسسات، والاستثمار في الإنسان. وكأن الحاضر يقول لنا إن الوطن الذي درس ما مرّ به، واستفاد من أحداث الماضي، يصبح أقدر على استيعاب المستقبل، حتى حين تأتي أزماته على غير ما توقعنا.

* ولهذا لم يكن حديث سموه عن صمود قطر وصفًا عاطفيًا لقوتها. لقد قرنه بالدفاع عن السيادة والشعب والمقيمين على أرضها، وباستمرار الحياة والمشاريع التنموية رغم كلفة الحرب. ونحن نلمس معنى ذلك في تفاصيل قد نعدّها عادية ما دامت متاحة لنا: أن تؤدي المؤسسات عملها، وأن تتوافر الاحتياجات، وأن يظل للناس شعور بالأمان وسط اضطراب المنطقة. خلف هذه التفاصيل سنوات من البناء لا يراها المرء كاملة إلا حين تُختبر.

* وفي الوقت الذي تتحدث فيه قطر عن حماية نفسها، لم يغب عن خطاب سمو الأمير وجع الآخرين، وفي مقدمتهم أهل فلسطين. بقيت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة، كما عهدناها في خطابات سموه؛ حاضرة في الموقف السياسي، وفي النظر إلى الإنسان الذي يعيش الخوف والفقد والحصار. فوجع أهل غزة وجع يلامس القلوب، لكنه لا ينبغي أن يبقى في حدود التأثر والكلمات.

* لذلك كان مهمًا أن يربط سموه وقف إطلاق النار بما يجب أن يتحقق على الأرض: وقف العمليات، والانسحاب، ورفع الحصار، ودخول المساعدات. كما أعاد القضية إلى أصلها حين تحدث عن حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعن حقهم في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وتواصل قطر وساطتها لتخفيف المعاناة وتثبيت وقف إطلاق النار؛ فالقضية في خطاب سموه حاضرة حرفًا وموقفًا وفعلًا.

* ومن فلسطين إلى الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان، وضع سمو الأمير المجتمع الدولي أمام اختبار لا يصح الهروب منه: كيف يُطلب احترام سيادة الدول والقانون الدولي، ثم يُقبل انتهاكهما حين يتعلق الأمر بدول منطقتنا؟ إن استمرار الاعتداء يهدد الناس، ويضعف ثقتهم في عدالة القواعد التي يُفترض أن تحمي الجميع.

* أما حديث سموه عن سوريا والسودان، فأعاد النظر إلى ما تحتاجه الشعوب كي تستعيد حياتها بعد سنوات الألم. ففي سوريا، لا ينفصل التعافي عن دعم مؤسسات الدولة وإعادة البناء. وفي السودان، لا يُصنع السلام المستدام من دون حوار يحفظ وحدة البلاد وسيادتها. وحين نفكر في هذين البلدين، لا نرى عناوين سياسية فقط؛ بل نرى أهلًا ينتظرون يومًا يستطيعون فيه العيش بأمان، وإرسال أطفالهم إلى مدارسهم، والاطمئنان إلى غدهم.

* هكذا قرأتُ خطاب الأمير هذا العام: وفاءٌ عالمي لقائد صنع لقطر تاريخًا وإرثًا.. ووطنٌ يستفيد من دروسه كي يواجه الحاضر ويستعد للمستقبل، وموقفٌ لا يترك فلسطين تغيب وسط ازدحام الأزمات. فمن يعرف معنى الأمان لوطنه، يعرف لماذا يظل فقدانه موجعًا للشعوب الأخرى.

* آخر جرة قلم: حمل خطاب سمو الأمير وفاء للأمير الوالد، وثباتا في الدفاع عن قطر، وموقفا واضحا من القضية الفلسطينية وقضايا المنطقة. وبين الظروف التي نمر بها ووجع الشعوب من حولنا، بقيت الإنسانية حاضرة في كلماته، والدبلوماسية حاضرة في جهوده، والحق ثابتا في موقفه.

مساحة إعلانية