رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

297

د. سلوى حامد الملا

حين يرفض المريض...

17 سبتمبر 2026 , 12:15ص

•    يتكوّن الإنسان جنينًا في رحم أمه، يتغذّى وينمو تسعة أشهر في ظلمة الرحم، ثم يولد في ساعة من يوم، من شهر، من عام. ويكبر هذا الطفل في كنف والديه، فتُحدَّد له تطعيمات يأخذها في أشهر معينة، ويُختار له نظام غذائي يتناسب مع عمره ونموه وحالته الصحية.

•    ويمر الطفل بمراحل الحبو، ثم أولى خطوات المشي والتعثّر، وبعدها مرحلة النطق والتعبير، لتبدأ ملامح شخصيته وسلوكه ونفسيته في التشكّل. ثم ينتقل إلى المراحل الدراسية، من الحضانة إلى الابتدائية، ومنها إلى بقية مراحل التعليم، في رحلة لا ينمو فيها جسده وعقله فقط، بل تتكوّن خلالها مشاعره ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين والحياة.

•    في المدرسة يوجد الأخصائي الاجتماعي أو النفسي، الذي يُفترض أن يؤدي دورًا مهمًّا في ملاحظة الطلبة ومتابعة أوضاعهم النفسية والسلوكية. إلا أنني أتذكر أن هذا الدور كان محدودًا جدًّا في بعض مراحل دراستي، بل إن إحدى الأخصائيات كانت تتعامل أحيانًا بمزاجية، وتُظهر المحاباة والتمييز بين الطالبات، من دون مراعاة لما قد تسببه هذه المعاملة من ضيق أو شعور بالظلم لدى بعضهن.

•    وفي المقابل، أتذكر معلمات كنّ بالفعل قدوة ونموذجًا للمعلم الإنسان؛ فالمعلمة لم تكن تكتفي بشرح الدرس وتصحيح الواجبات ووضع الاختبارات، بل كانت تلاحظ شرود الطالبة، وانخفاض مستواها الدراسي، وتغيّر سلوكها، بل وربما انتبهت إلى شحوب وجهها أو تبدّل ملامحها.

•    فالمعلم الحقيقي لا يقتصر دوره على التحصيل العلمي، وإنما هو من ينتبه إلى نفسية طلابه، ويرصد ما قد يطرأ عليهم من تغيّرات سلوكية، أو عزلة مفاجئة، أو حزن مستمر، أو تراجع دراسي، أو انفعال غير معتاد. وقد تكون ملاحظة صغيرة، أو سؤال صادق من معلم، بداية إنقاذ إنسان من معاناة طويلة.

•    الأمراض الجسدية غالبًا ما يكون اكتشافها أسهل؛ لأن أعراضها ظاهرة أو يمكن قياسها وتحليلها، أما الاضطرابات النفسية فقد تختبئ خلف الصمت، أو العصبية، أو الانسحاب من المجتمع، أو اضطراب العلاقات، أو فقدان الرغبة في العمل والإنجاز. ولهذا فهي تحتاج إلى وعي وملاحظة من الوالدين والمعلمين والأصدقاء والمحيطين بالشخص.

•    ولا يعني كل حزن أو ميل إلى العزلة وجود مرض نفسي، فالتشخيص مسؤولية المختص، ولكن إذا استمرت هذه التغيّرات وعطّلت حياة الإنسان وعلاقاته ودراسته أو عمله، فإن ذلك يستدعي التوقف والانتباه، لا التجاهل أو إصدار الأحكام.

•    لقد تغيّرت نظرة المجتمع إلى العلاج النفسي كثيرًا، وبدأت تتراجع تلك الصورة القديمة التي تصف كل من يراجع الطبيب أو المعالج النفسي بأنه «مجنون». كما تحدث عدد من المشاهير والمؤثرين بصراحة عن معاناتهم من الاكتئاب أو القلق أو غيرهما من الاضطرابات النفسية، وعن استفادتهم من العلاج، بما ساعدهم على التعايش بصورة أفضل، والاستمتاع بحياتهم، والمحافظة على علاقاتهم وأعمالهم.

•    فالمرض النفسي ليس عيبًا، ومراجعة المختص ليست دليل ضعف أو نقصا في الإيمان أو الإرادة، كما أن العلاج لا يعني بالضرورة تناول الأدوية؛ فقد يشمل جلسات العلاج النفسي، وتعديل بعض أنماط التفكير والسلوك، وتنظيم نمط الحياة، أو الجمع بين أكثر من وسيلة وفق تشخيص المختص.

•    لكن المشكلة الأصعب تبدأ حين لا يدرك المريض أنه بحاجة إلى مساعدة، أو يرفض الاعتراف بمعاناته، ويقاوم كل محاولة لإقناعه بالعلاج. عندها قد تتفاقم حالته تدريجيًّا، وتتأثر حياته الشخصية والعائلية والعملية، كما تمتد المعاناة إلى أسرته وأصدقائه وكل من يحاول الاقتراب منه أو مساعدته.

•    ورفض العلاج لا يجعل المشكلة تختفي، كما أن محبة الأهل وصبرهم، على أهميتهما، لا يغنيان دائمًا عن التدخل المتخصص. وفي الوقت نفسه، لا يفيد أن نواجه المريض بالسخرية أو الاتهام، أو أن نقول له بحدّة: «أنت مريض نفسي». فمثل هذه العبارات قد تزيد رفضه ودفاعه عن نفسه. الأفضل أن نعبّر عن قلقنا عليه بهدوء، وأن نتحدث عن الأعراض التي نلاحظها وتأثيرها في راحته وحياته، ونشجعه على زيارة المختص باعتبارها استشارة أولية، ونختار شخصًا يثق به ليكون قريبًا منه في هذه الخطوة.

•    فكم من شاب وفتاة يعيشان اليوم أجمل سنوات العمر، سنوات الطموح والعمل والإنجاز، لكنهما وجدا نفسيهما أسرى للعزلة والحزن، وفقدا قدرتهما على التواصل والاستمتاع بالحياة ؛ بينما يمكن أن يفتح لهما العلاج بابًا جديدًا للأمل والتوازن والعودة إلى ذواتهما.

•    من هنا تأتي أهمية التوعية النفسية، والملاحظة المبكرة لسلوكيات الأطفال والشباب، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات العمل والإعلام. فنحن بحاجة إلى ثقافة لا تخجل من طلب المساعدة النفسية، ولا تسخر من المتألم، ولا تبرر في الوقت ذاته السلوك المؤذي أو تتركه يتفاقم بلا تدخل.

•    آخر جرة قلم:

العلاج النفسي ليس رفاهية، والوعي به ليس ترفًا؛ فقد تكون كلمة صادقة، أو يدا تمتد في الوقت المناسب، أو موعدا مع مختص، تكون سببًا في إنقاذ إنسان واستعادة حياته.

فلا نترك من نحب أسرى لمعاناة لا يستطيعون فهمها أو الاعتراف بها؛ ولنقترب منهم برفق، ونشجعهم على العلاج بحكمة، فطلب المساعدة النفسية ليس عيبًا… وإنما بداية للتعافي والعودة إلى الحياة

مساحة إعلانية