رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشرت العديد من الصحف الدولية الكبرى في الأسبوع الماضي تقارير عن دور قطر في الربيع العربي والانتفاضات العربية، ومعظمها كانت غير متسامحة، وفي كثير من الأحيان كانت الصحف منحازة للكٌتاب.
وأشار الكاتب (روبرت فيسك) في صحيفة (الإندبندنت - لندن) إلى أنه لدى قطر طموحات على غرار "الإمبراطورية البريطانية" في العالم العربي خاصة أنها ساعدت في إسقاط نظام القذافي في ليبيا والآن هي المؤيدة الرئيسة في الضغط على سوريا في الجامعة العربية.
وقامت صحيفة (نيويورك تايمز) وطبعتها الدولية (انترناشيونال هيرالد تريبيون)، بنشر خبر في الصفحة الأولى حول "التأثير الكبير" لقطر الذي يناقض صغر حجمها. وأشار التقرير إلى أن بعض الأشخاص غير راضين عن قطر، ومنهم من ليس مرتاحا للنوايا الحقيقية من مناورات قطر السياسية المثيرة للجدل.
وقامت أيضا صحيفة (تلجراف - لندن) بنشر مقال حول تحول قطر إلى لاعب كبير في "اللعبة الكبرى" للسياسة الدولية.
وحمل مقال افتتاحي في صحيفة (فاينانشال تايمز) لهجة أكثر إيجابية، حيث نصح حكومات الغرب بالتعاون مع قطر، لأن سياسة قطر في تقارب الأيديولوجيات المعارضة هي طبيعة الدبلوماسية ويجب أن نكون معجبين بها.
وكما هو متوقع، فقد ارتفعت مكانة قطر في الآونة الأخيرة بسبب وجودها في ربيع الثورات العربية مما قد لا يلقى ترحيباً من بعض الفئات. والجدير بالذكر هنا أن الحالة السياسية في الشرق الأوسط معقدة منذ أكثر من نصف قرن، ولا تزال حتى الآن. ومع وجود الحروب والخلافات بين الدول مثل الصراع بين إسرائيل وفلسطين الذي طال أمده، وحرب العراق الأخيرة، والتدخل الإيراني في العراق وطموحاتها النووية وتقسيم السودان، فإنه من الصعب للغاية السير على الخط الفاصل بين كون دولة قطر صديقة أو عدوة.
ومن أجل التعامل مع هذه البيئة الصعبة، يجب على الدول العمل باتجاه التوازن بين مختلف دول الشرق الأوسط التي قد تكون لها مصالح وجداول أعمال متضاربة. وفي الوقت الذي تواجه فيه بعض الدول مشاكل داخلية خاصة بها، تواجه دول أخرى مشاكل مع دول مجاورة لها، مما أعطى الفرصة لقطر بأن تلعب دورا أساسيا، نظرا لعلاقاتها الجيدة مع مختلف دول المنطقة، مما يتطلب دبلوماسية صادقة وفطنة سياسية، تمتلكها قطر بالفعل، لتمكينها من لعب دور الوسيط والمطالب بالإصلاح.
وعليه، فإنه من المتوقع أن تتكون لدى البعض "نظرية المؤامرة"، خاصة أن بعض الشعوب قد شاهدت كيف يمكن للحكومات والأشكال الأخرى من السلطات ووسائل الإعلام، أن تظهر الحقيقة ملتوية لتتناسب مع أجندتهم الشخصية. لذلك، فإنه ليس من المستغرب أن يرتابوا في تحركات قطر السياسية.
ومع ذلك، ينبغي عليهم أن يتذكروا أن قطر ليست دولة كبيرة، سواء في الحجم أو عدد السكان، وبالتالي، فإنه لا يمكن أن تكون لديها مطامع "الإمبراطورية البريطانية" من أجل الاستفادة من الآخرين اقتصاديا أو سياسيا، حيث تملك قطر أعلى نصيب دخل للفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وبالتأكيد فهي ليست في حاجة للسيطرة على البلدان الأخرى من أجل الحصول على فوائد.
لقد كانت دوما سياسة قطر الخارجية تدور حول العمل كوسيط لحل النزاعات بين الدول في المنطقة والمساعدة على رأب الخلافات. وبالفعل فقد نجحت الوساطة القطرية في كل من لبنان ودارفور وبين إريتريا وجيبوتي ومختلف الأطراف الفلسطينية فضلا عن علاقاتها الجيدة مع الغرب وإيران.
وفي الوقت نفسه، فقد كانت قطر دائما في طليعة الدول الداعية إلى إجراء إصلاحات وكانت من أولى الدول التي دعمت وحدة اليمن، في حين أن بعض الدول في المنطقة كانت ضد الوحدة اليمنية الوطنية، إلا أن قطر ثابرت بمطالبتها لاعتقادها المطلق بأنه من شأن اليمن الموحدة أن تجعل المنطقة أكثر قوة واستقراراً.
وعليه، فإن اتهام قطر بأنها السبب ببدء ثورات الربيع العربية، هو ببساطة غير صحيح، لأن وقود هذه الثورات كان موجودا منذ فترة طويلة في هذه المجتمعات، بعد أن سئم الشباب العربي من اللامبالاة تجاهه ومن الفساد في الحكومات وانعدام فرص العمل وارتفاع نسبة الأمية، مما أدى بحشد الثورات، بمساعدة التكنولوجيا الجديدة في الشبكات الاجتماعية.
ويتم تعريف الثورة بأنها تغيير جذري للحكم بوقت قياسي. وعادة تبدأ الثورات داخليا من قبل مجموعة أو مجموعات من الناس يشعرون بالظلم وعدم المساواة. وبعض الأمثلة عن الثورات الشهيرة، الثورة الفرنسية في القرن السابع عشر والثورة الروسية عام 1917 والثورة الصينية عام 1927. والثورات العربية لم تشتعل بقيادة قطر أو الدول الأجنبية، بل كانت ناجمة عن الشعب العربي، خاصة فئة الشباب منه.
وفضلا عن دور قطر كوسيط، فهي لطالما دعت لإجراء إصلاحات في المنطقة على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية كجزء من سياستها الخارجية.
ولطالما كانت وساطة قطر تحت مظلة المنظمات الدولية أو العربية مثل الجامعة العربية أو الأمم المتحدة. ولا تنطبق عليها هذه المقولة العربية "تغرد خارج السرب"، إذ إنها كانت دائما تتماشى مع موقف هذه المنظمات.
إذا كانت قطر تبحث عن أي فائدة، فهي مصلحة العالم العربي بأسره كما هو مبين في دعمها المطلق للمساعي الفلسطينية لإقامة الدولة والاعتراف بها في الأمم المتحدة. قطر تؤمن إيمانا راسخا بأن عالماً عربياً موحداً وقوياً هو أفضل من هذا الوضع الضعيف والمملوء بالصراعات الذي يزيد من عدم الاستقرار. وقد كرست دولة قطر مساعيها في الإصلاح ليس فقط في الخارج بل أيضا في الداخل، وذلك عبر الإنفاق على التعليم. وقطر هي إحدى الدول القليلة التي تنفق 4.9 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على التعليم وهي أعلى المعدلات في المنطقة، كما تخصص أيضا 2.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على البحوث التي تمولها الحكومة وهي أعلى نسبة في العالم، يقينا منها بأن الإصلاحات تكمن من خلال تعليم الشعوب. أيضا احتلت قطر المرتبة رقم 19 عالميا ورقم 1 في منطقة الشرق الأوسط في مؤشرات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية.
وربما تكون هذه الانتقادات لقطر بسبب تغطية الجزيرة للقضايا المختلفة. ورغم أننا لا نتفق دائما مع وجهة نظر قناة الجزيرة إلا أننا نعتقد بأنها جزء من حرية الإعلام. ومنذ بدء قناة الجزيرة، تعلم الناس في العالم العربي سماع وتقبل الآراء التي قد تكون مخالفة لآرائهم (الرأي والرأي الآخر). وقناة الجزيرة وفيسبوك وتويتر ويوتيوب هي مجرد أدوات استخدمها الشباب العربي في ربيع الثورات العربية لتحقيق الإصلاحات في المنطقة.
ليس لأي بلد الفضل في صنع ربيع الثورات العربية، التي بدأت مع الشباب، الذين يشكلون أكثر من 30 في المائة من سكان الشرق الأوسط.
ونحن لم نسمع أي انتقادات حول دور قطر من الشباب العربي، وهذا مؤشر جيد على أن الشباب العربي يفهم الدور الإصلاحي الذي تقوم به قطر.
وحبذا، لو استمع نظام حسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن ومؤخرا بشار الأسد في سوريا، لدعوة دولة قطر للإصلاح قبل أن يصلوا إلى نقطة اللاعودة، لكانت المجريات اتخذت بالتأكيد مسارا مختلفا.
وعلاوة على ذلك، لا ينبغي السماح لدول الربيع العربي الوصول إلى مرحلة حرجة، حيث يتأثر استقرارها الاقتصادي بالمزيد من انعدام الأمن والخطر، الذي سوف يسمح بالفوضى والاضطرابات المتتالية. وهنا يأتي دور بعض دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصا قطر، في دعم هذه الدول. وبالفعل فقد قامت دول مجلس التعاون الخليجي بوضع خطة خاصة على غرار (مارشال) لدعم البحرين وسلطنة عمان عندما واجهتا عدم الاستقرار. وقد تعهدت بعض دول مجلس التعاون الخليجي أيضا بتقديم المساعدة المالية لمصر وتونس. فالبلدان التي شهدت انتفاضات الربيع العربي، وتلك التي تواجه حاليا الانتفاضات، هي الأكثر ضعفا وهي بحاجة إلى المساعدة التي يمكن أن تحصل عليها من أجل استقرارها ومنعها من السقوط في الفوضى ومواجهة انتفاضة أخرى جديدة.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8910
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026