رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما قامت ثورات الربيع العربي تحمس الكثير وظنوا أن الأمور تتغير بسهولة، ولعب الإعلام والمظاهرات دوراً كبيراً في إيجاد رأي عام أن المنطقة مقبلة على مستقبل وإصلاح، ولكن للأسف لم يفكر أحد أن التغيير لم يكن بهذه البساطة وأن التغيير ليس بتغيير الأسماء والعناوين، فهناك تراكمات وثقافات وسلوكيات ترسخت لسنوات، كما أن هناك قوى متعددة لها أفكار متناقضة، أضف إلى ذلك أن الحكومات القسرية كانت تمنع مثل هذه القوى من الظهور، مثلما كان العراق الذي تم تغييره ليخرج واقعاً مريراً أسوأ مما كان، لأن الوضع الذي حكم العراق صدام والوضع في مصر في عهد مبارك أو تونس ابن علي ليست عنوان شخص وإنما هي صورة سلوك في الأمة ومدرسة تأسست في سلوك العرب للأسف، وإن الفئات مهما اختلفت فهي تمارس نفس السلوك.
ولقد تحرك الشارع الذي أصبح اليوم غير قابل للانضباط لعدم وجود دولة وعدم الاتفاق على شكل الدولة القادمة، وللأسف الإسلاميون وقعوا في فخ وخطأ كبير بظنهم أن التغيير يأتي من خلال وصولهم للسلطة متجاهلين الواقع والتركيبة السياسية والفكرية والثقافية، وظنوا أنهم كسبوا الأصوات فهذا يعني أنهم أمل المجتمع وأن هذه الأصوات تعني أنهم يستطيعون أن يحكموا بما دعوا له وأن المجتمع ينتظرهم بفارغ الصبر، ولكنهم فوجئوا بأن الشارع عاطفي وأن غيرهم استطاع أن يستغل الآثار الناجمة عن الأحداث بعد أن وجدوا أنفسهم خارج اللعبة، وكان الأولى أن يقرأوا الواقع للبلاد وأنهم كانوا في الظرف الحالي بحاجة إلى مشاركة لإعادة بناء الوضع الجديد وتأسيس دولة من خلال الدستور والمؤسسات على ضوء التوافق في المرحلة الانتقالية، عند ذلك ومن خلال قيام مؤسسات دستورية بموافقة جماعية وإجماع، وبعد إجراء الانتخابات، عند ذلك يستطيع الإسلاميون أو غيرهم تقديم برامجهم من خلال المؤسسات وإنهاء فوضى الشارع، ولكن الذي حصل هو أن كل فئة تريد أن تحصل على أكبر المكاسب، والكل تجاوز موضوع بناء الدولة والمؤسسات والشعارات التي تم رفعها.
كان على الجميع وخاصة من تحمس أن ينظروا لنموذجي العراق والسودان، فالعراق، ذهب صدام وجاءت المعارضة وتم إقصاء وتصفيات قوى المعارضة بأطيافهم وتتحول الدولة إلى طائفية وإلى قمع أشد من صدام وإلى دمار وإلى أضخم كارثة إنسانية وأبشع جرائم بحقوق الإنسان وإلى إنهاء وجود دولة وتدمير شعب وديكتاتورية أبشع، وفي السودان عندما تم تهميش الفئات الأخرى مع الإقرار بوجود أخطاء في هذه القوى ولكنها موجودة يستحيل نكرانها، لذا أدى ذلك إلى انقسام الجبهة إلى حزب المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي وإلى حرب دارفور وانفصال الجنوب وبروز أزمة جنوب كردفان وصراع من الجوار وأزمة مع الدول الكبرى وتحرك المعارضة بقوة ضد النظام حتى ولو كان ذلك على حساب سيادة البلاد، وتمت محاورات لم تصل لطريق ومازال الشعب السوداني المثقف الذي تشرد منه أعظم الإعلاميين والمفكرين والأطباء والاقتصاديين لخارج البلاد وإن القضية ليست السودان وإنما صراع وعناد ولو على دمار البلاد وإنما شعارات فقط من الجميع للأسف.
لذا وجدنا في مصر صراعات لا يستهان بها، تدمر الاقتصاد وتخل بالأمن ركني الحياة "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" ولكن وقعت مصر بين عناد السلطة وقلة الخبرة واللامبالاة وأصبحوا في مأزق إما الاستمرار فهذا يعني الدمار وانهيار البلاد وإما الترك وهذا فشل ونهاية يصعب إعادة بنائها لسنوات، وكذلك معارضة تريد أن تنظم لفشلها وعدم قبولها بنتائج الانتخابات واستعدادها للسير إلى النهاية مهما كانت النتائج، وللأسف أن مصر وشعبها ليسوا موضوعين في حساب الطرفين وأن المعركة القائمة لا علاقة لها ببناء مصر وأكثر الناس سعادة هم مبارك ومن معه من جهة وإسرائيل من جهة أخرى لإضعاف مصر وإن أمنها أصبح قوياً وأصبحت أقوى الدول في المنطقة ولتقول للغرب نحن حلفاؤكم الحقيقيون وهؤلاء هم العرب.
أما التجربة اليمنية فهي رغم قبول البعض بالمشاركة إلا أن القوى الوريثة للوضع لم تفكر في موضوع إعادة سيادة الدولة وبسط نفوذها كإجماع وطني وموضوع الأولوية وإنجاح المؤتمر الوطني.. نجد أن هناك ثلاث قوى هي الحوثيون ومن وراءهم والحراك والجماعات المتطرفة تريد تنفيذ أجندة لدول وتقسيم البلاد وإفشال الدول لأغراض إما شخصية وإما أجندات طائفية وعرقية وخارجية وللأسف فإن عدداً كبيراً من الساسة والقيادات السياسية تحرض على الحصول على مكاسب، وأما الشباب للأسف فهو سار ومن معهم في برنامج غير واضح فكرياً وأصبح مرتعاً لكل التيارات الفاشلة كالناصرية والشيوعية وغيرهما وسوق للشعارات دون وجود تحصين كل هذا بسبب عدم الرؤية للكثير.
والتجربة السورية مازالت تنزف وتعيش أكبر مأساة ومجزرة بشعة تنفذها إيران وأتباعها بدعم روسي ورضا غربي وأن الغرب الذي تدخل في مالي لمصالح معينة لم يتدخل في سوريا وتركها تنزف لأجندة مخفية، ولو أراد لمنع بغداد من إدخال الأسلحة ومنع الطائرات الإيرانية ولكن غض النظر لتحقيق الاستنزاف والدعم الإعلامي الذكي والاكتفاء به على مذهب أهديتك مساعدة مليون سمكة بالبحر ومليون طائر في السماء فيا له من كرم.
والتجربة التونسية تتأرجح وهي في الطريق لانشقاقات الصراع لشركاء السلطة وعدم إدراك الإسلاميين للواقع والعوامل الخارجية ومصالح فرنسا الخفية في تونس وأياديها وغيرها.
والوضع الليبي والجماعات المسلحة التي لم تسلم أسلحتها وبقايا النظام والصراع بين المعارضة واهتمامها بالجانب الحزبي والقبلي أهم من ليبيا وبناء الدولة.
وإذا أردنا الاستنتاج مما ذكر آنفاً فإننا بصراحة نعاني من أزمة ثقة وأزمة قيادة وعدم وجود نموذج من القيادات وغياب العقلاء والتراكمات الفكرية والسلوكية، وأتمنى لو أن أحد هؤلاء يقرأ مقدمة ابن خلدون وإحياء علوم الدين للغزالي وأن يدرسوا الواقع فالأحلام والطموحات لا علاقة لها بالواقع وأن يتعلم هؤلاء من سيرة رسولنا وأصحابه في تقديم مصلحة الأمة والمرونة وأن يقرأوا التاريخ.
الفتن نهايتها خطيرة والجميع يسير عكس العالم وعكس التاريخ، والانتصار للذات دون الوطن الذي يحتاج إلى تنازلات قد تكون مؤلمة لمصلحة البلاد ولابد من التنازل والحوار في غير الثوابت والمصلحة العليا والسيادة للبلاد وأن البلاد للجميع ويستحيل إنكار أي طرف مهما كان، ولأنه واقع يستحيل تجاوزه فهؤلاء بين خيارين إما سيادة ووحدة الأمة ومستقبلها وهذا يعني الحوار والمشاركة الجماعية وتدخل العقلاء، وإما العناد والصراع وهذا يعني الدمار وحروب استنزاف نحقق فيها أحلام أعداء الأمة مجاناً ونصبح في هامش التاريخ.. يخربون بيوتهم بأيديهم ويوفرون على أعدائهم تكاليف الغزو والسلاح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026