رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحلت منذ ايام قليلة الطبيبة والروائية والناشطة المصرية نوال السعداوي، عن عمر ناهز التسعين عاماً بعد "صراع مع الدين" بحسب وصف احد ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي متهكماً.
وبعيداً عن محاكمة وتقييم آراء نوال السعداوي الجريئة والمثيرة للجدل، يمكننا ملاحظة ان فكر نوال السعداوي واجه معارضة شديدة وانتقادا لاذعا خلال مسيرته الطويلة، وصولاً الى تحريف آرائها وتقويلها ما لم تقله بلسانها، او بقلمها، في بعض الأحيان.
ان المواجهة العنيفة للآراء غير المتسقة مع التوجه العام في المجتمع، تأتي في سياق التطرف الفكري المتجذر في العقلية العامة، وفي المثال السابق فإن الامر لا يتعلق بمعاداة النسوية اذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، بل انه يأتي في سياق رفض كل ما من شأنه زعزعة او انتقاد ما يعتبر ثوابت للمجتمع او خلخلة النسق الفكري العام.
وما يدلل على ذلك هو ان آراء نوال السعداوي المنتقدة لبعض الظواهر الانثوية (كمساحيق الزينة وعمليات التجميل) اثارت سخط وامتعاض بعض الناشطات من "بني جلدتها"، الأمر الذي يعد تأكيدا للتطرف الفكري وتهميش الآخر حتى لدى من يدعي المظلومية والانتقاص والقهر، كما انه يعد دليلا على الحساسية تجاه القضايا النسوية، والنقد الموجه لها.
تتمثل اشكالية الحراك النسوي في المجتمع العربي في انه لم يبلور خطاباً واضح المعالم، ولم يتجاوز كونه ظلالاً لتجليات الحراك النسوي الغربي، كما انه اصبح عنوانا وملاذا للتمرد ورفض الظلم الذي من المفترض ان يكون مرفوضاً من الجميع، وعلى الجميع.
يمكننا ملاحظة تلك الجزئية تحديداً بالاستشهاد ببعض الحملات الاعلامية التي تم اطلاقها للمطالبة بإطلاق سراح الناشطات المعتقلات في بعض الدول، والتي لاقت تأييدا من قبل منظمات ودول غربية، في حين استثنت تلك الحملات المطالبة بحرية المعتقلين من الرجال، في تأكيد على مثنوية الرجل/ المرأة، من جهة، ومن جهة اخرى يمكن اعتبار ذلك تطرفاً وانحيازاً للنساء دون الرجال، وتأكيدا على الحالة الجندرية المترسخة في المجتمع حتى لدى من ينادون بنبذها والتحرر منها.
من جانب اخر، تولد تلك التوجهات شعوراً تجاه المعتقلين من الرجال والقابعين في غياهب المعتقلات وكأنهم غير مشمولين بعين الرحمة النسوية.
يتركز الحراك النسوي في صورته العامة على شحذ الهمم والعواطف للاستئثار بالنصيب الأكبر من الحقوق، دون النظر للواقع العام لحالة الحقوق في المجتمعات العربية، ومحاولة كسب تأييد المجتمع رجالا ونساء، ونعت المتحفظين على بعض المطالبات اما بالذكورية بالنسبة للرجال، او بالعبودية والخضوع لأولئك النسوة اللاتي لا يبدين حماسة للمطالب النسوية.
لقد سلكت بعض المطالبات النسوية منحى متطرفاً في المطالبة بالحريات والحقوق، والتي من المفترض الا نقف ضدها من حيث المبدأ، الا انها ذهبت في أحيان كثيرة الى تهميش دور الأسرة والحط من مؤسسة الزواج وتحجيم دور الرجل بل ومطالبة الأخير بحمل الراية واقناعه بإلقاء نفسه الى التهلكة! واقناعه بضرورة التخلي عن دوره ليظفر بالمظهر الحضاري المتقدم.
يمكننا اعتبار هذه الحالة أنها تسعى في كثير من الأحيان الى التخلص من صنم والركون الى صنم آخر، عبر ترسيخ النسوية الراديكالية، وتعزيز فرضية ان المجتمع الذكوري يؤسس لظلم المرأة، ويحط من قدرها ويهمش دورها، وبالتالي لن يستقيم شأن المجتمع الا بالإطاحة بالمجتمع الذكوري والعودة للجذور الوثنية لتقديس المرأة.
ومع ذلك يغلب الاعتقاد بأن التجربة النسوية في العالم العربي لم تؤسس مطالباتها على تلك التصورات والمبادئ بشكل واع، الا ان واقع الأمر يثبت تأثر الحراك النسوي الذي لم يبلور خطاباً واضح المعالم بتلك التيارات دون وعي وادراك.
مؤخراً، انسحبت تركيا من اتفاقية المجلس الأوروبي المعنية بوقف العنف ضد المرأة والعنف الأسري ومكافحتهما، والتي كانت قد انضمت اليها في عام 2011، وعزى بعض المسؤولين الاتراك سبب هذا الانسحاب الى ان الاتفاقية "اضرت بالنسيج الاجتماعي التركي" بحسب وصفهم، حيث ترى تركيا ان الاتفاقية لا تتعلق فقط بما تبرزه في عنوانها العريض، بل انها تخفي بين طياتها قضايا اخرى تهدف الى تعزير السلوكيات الشاذة وتهدد مكانة الاسرة.
وفي تعليقه على قرار الانسحاب، قال فؤاد أوكتاي نائب الرئيس التركي عبر حسابه في تويتر "مصممون على نقل نضالنا الرامي لرفع مكانة المرأة التركية إلى مستويات أعلى، مع المحافظة على نسيجنا الاجتماعي التقليدي ولا داعي للبحث عن الحلول في الخارج أو تقليد الآخرين من أجل تحقيق هذا الهدف السامي، فالحل يكمن في عاداتنا وتقاليدنا وجوهرنا".
من جانب آخر، تسعى كثير من دول العالم العربي الى تقليد المرأة مناصب قيادية في الجسد الحكومي، بل وتفخر بهذه الخطوة معتبرة انها انجاز في حد ذاتها، دون النظر "في بعض الاحيان" الى الاضافة النوعية التي ستقدمها تلك المرأة للمنصب، حيث ان هذه الخطوة تأتي انسجاماً مع التزام الدول الموقعة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والتي تسمى اختصاراً "سيدوا"، والتي اصبحت ملتزمة بها، باستثناء بعض التحفظات التي ابدتها بعض الدول.
وفي الوقت الذي قضت فيه كثير من الدول على تفاوت الرواتب والاجور بين الجنسين، وعملت على مساواتها وعدم التفرقة في الأجور على أساس جنسي "وهو امر ايجابي"، وامام استمرار الرجل بالتزامه بالنفقة والقوامة المادية، نجد "بعض النساء" ممن زاحمن الرجل في الوظيفة العامة كتفاً بكتف، لا هم لهن سوى صرف تلك الاجور المتعادلة والمتساوية على الكماليات وحقائب اليد الباهظة، ومع ذلك لا يمكننا بكل تأكيد الاعتراض او الامتعاض من هذا الأمر، انسجاما مع اتفاقية "سيدوا"، وخوفاً من التمرد عليها والخروج من اطارها.
وفي السياق ذاته فقد قامت احدى سلاسل مطاعم الوجبات السريعة المعروفة بنشر اعلان عبر "تغريدة" في موقع "تويتر" تعلن فيه عن منحة للنساء للحصول على درجة اكاديمية في فنون الطهي، بأن قالت ان "المرأة تنتمي الى المطبخ"، الا ان تلك التغريدة لم ترق لكثيرين ولم تكن موفقة، حيث اثارت انتقادات واسعة من قبل المجتمعات النسوية اضطرت معها سلسلة المطاعم تلك لحذف الاعلان والاعتذار عنه، لأن الاعتذار من شيم الكبار بكل تأكيد.
ولو افترضنا جدلاً بأن سلسلة المطاعم تلك قالت بأن الرجل يتفوق على المرأة في الطهي، لواجهت انتقادات لاذعة أيضاً من قبل تلك المجتمعات النسوية ذاتها، وهنا يمكننا تشبيه هذه الحالة المتطرفة بالثنائية المرتبطة بالجنس الأبيض والجنس الأسود، حيث إن التطرق للون الأسود بشكل مجرد وذكره في سياق النوع قد يولد تصورات عنصرية ممقوتة، في حين انه لون بشري كباقي الألوان يفترض الا يكون ذا مدلول عنصري، الا أن الحمل التاريخي انتج هذه الاشكالية واصبح وقعه يولد شعوراً بالانتقاص والحط من الكرامة.
وامام هذا الواقع المتطرف والمنحاز للمرأة خلف ستار النسوية والذي يخفي خلفه ما يخفيه، فإن اخشى ما اخشاه هو ان يأتي اليوم الذي يتم فيه تشريع قوانين تجرم "معاداة النسوية"، وحينها ستصبح حتى هذه السطور تهديداً لكاتبها، ولن نتمكن حينها حتى من انتقاد أفكار بعض مدعي المظلومية وستسلط بعض الجلادات سياط النسوية اللاذعة على افراد المجتمع.
مغازل الغيب !
يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد
81
| 19 مايو 2026
الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية
انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد
87
| 19 مايو 2026
المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري
في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد
123
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5841
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5754
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1764
| 13 مايو 2026