رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لماذا كثرة المترفين لا تبعث على التفاؤل؟
قانون التدمير القرآني
1. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا – الإسراء (16)
لطالما تفكرت وتعجبت من أمر هذه الآية!
عندما يكثر المترفون، يكثر المفسدون، وعندما يكثر المفسدون يكثر الفساد، وعندما يكثر الفساد، تنهار الدول.
«أمرنا» تحتمل عدة قراءات، ومن وجهة نظري أنها جميعا تؤدي نفس المعنى أو النتيجة في نهاية المطاف. وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول، «أمَرْنا مترفيها» بالطاعة، ولكنهم عصوا الأمر وفسقوا. وذهب آخرون إلى قراءة «أمّرْنا مترفيها» أي جعلنا لهم الإمارة، أو سلطة اتخاذ القرار، وذهب غيرهم إلى القول « آمرَنْا مترفيها» أي أكثرناهم، والتكثير قد يقود إلى عظم الأمر والظهور والغلبة. وقد يكون ذلك فعليا (عدداً) أو معنويا (تأثيراً، بفعل سلطة المال والسياسة)، بمعنى عظم شأنهم وظهور أمرهم وتفشي نهجهم على نطاق واسع، وكلاهما يؤدي نفس المعنى أو النتيجة، فالغلبة تؤدي إلى التسلط.
* فتأمير المترفين أو تآميرهم (تكثيرهم)، يعني ظهور أمرهم وانتشاره، وهو يؤدي بالنتيجة إلى ظهور الفساد وتفشيه على نطاق واسع نظرا لطبيعة المترفين، كما سنرى.
وفي الحديث، سُئل النبي ﷺ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث. وسياق الحديث هنا يدل على أن وجود الصالحين لم يكن له تأثير أو لم يحل دون كثرة الخبث. وبالتالي هو غير كاف لدرء الهلاك، لأن وجودهم لم يكن له تأثير إيجابي في الحد من تفشي الخبث والانحراف الذي استوجب الهلاك. فهم صالحون، ولكن لأنفسهم فحسب، فليس لهم تأثير إيجابي على صلاح المجتمع.
*وفي المقابل «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون». فلا يكفي أن تكون صالحا، فغلبة الخبث تؤدي إلى الهلاك، هلاك الطالح والصالح معاً. والأكثر لفتا للانتباه هنا هو ليس كيف تقرأ «أمرنا» بقدر ما هو بعدها وهم «المترفين». فهو لم يقل وإذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا أهلها ففسقوا فيها، بل خص المترفين. فكأن الفسق هو من اختصاصهم وسماتهم. فالمترفون إن أمروا عصوا، وإن أمّروا عصوا، وإن آمروا (كثروا) عصوا.
فهم من يتحقق فيهم شرط الهلاك أو التدمير. فأمرنا هنا شاملة ومتعددة الأغراض، ولكن النتيجة واحدة، وهي الهلاك، وهذا من الإعجاز البلاغي في القرآن. فالعلة هي في المترفين وطبيعتهم، المتمثلة في الغرور والكبر، ومن ثم التمرد والعصيان، وهو سلوك شيطاني قديم.
والأمر على أية حال لا يوجه عادةً للأمم إلا بعد استتباب الأمن والاستقرار والنمو والازدهار، والوصول إلى مستوى عال من الرفاهية (إسباغ النعم أو الترف)، التي يأتي بعدها الامتحان بإرسال الرسل ليشكر أهل القرى أم يكفروا.
* ولم نسمع بقرى أو بأمم أهلكت وهي فقيرة، بل غنية مترفة متكبرة، كعاد التي قالت من أشد منا قوة، وثمود التي نحتت الجبال بيوتاً، وفرعون ذي الأوتاد. ولكن المشكلة هي في الوصول إلى مرحلة الترف، التي يصل معها الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر، والتمرد والعصيان، الذي يقود بالنتيجة إلى الجحود وكفر النعمة. ويبدو أن في الأمر متلازمة. فالتكليف أو الأمر لا يتم إلا بعد استتباب الأمن والاستقرار، والرخاء والازدهار، ولكن المعضلة هنا هي أنه مع الوصول لهذه المرحلة، يكون المجتمع قد وصل إلى مرحلة الترف أيضا، أو أنتج طبقة لا يستهان بها من المترفين، يكون لها تأثير أو شأن في المجتمع وفي قيادته وتوجيهه، وعلى الأرجح أنها ستقود في الاتجاه الخاطئ، وسترفض التكليف وتعصى التوجيه الإلهي، وهذه طبيعة بشرية، فمع الغنى والترف، يأتي الكبر والغرور، والتمرد، والعصيان والجحود، كما سيتضح من آيات أخرى، وهذا هو أصل المشكلة، وهي «الجحود»، أي «الكفر».
* والخلاصة، أن الترف أدى إلى الفسق، الذي استوجب التدمير. والفسق هو الخروج عن الطاعة (أو التمرد والعصيان) للإفساد على وجه الخصوص، وبطبيعة الحال لابد أن يكون الأمر بالطاعة بالمعروف. وهنا نقطتان، أو خطآن جسيمان يقع فيهما المترفون. الأول، وهو العصيان أو التمرد بسبب الترف، وهو كفر للنعمة والمنعم، عوضا عن الطاعة والشكر، والثاني هو الإفساد، وكلاهما يؤديان إلى الهلاك والتدمير، ولكن الفساد قد يكون هو السبب المباشر أو الأداة المباشرة للتدمير.
* 2. وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون – المؤمنون (33)
نحن نعلم أن المصير في الحياة الآخرة، مرتبط بالحياة الدنيا، فالذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة، كانوا من المترفين في الحياة الدنيا، ولو لم يكن ذلك سبباً مهما في كفرهم، لما ذكر في سياق الآية القرآنية، فكأن هناك استدراكا أو إضافة مهمة في الآية تقول ان الترف كان هو سبب كفرهم. والسياق هنا يشير إلى أن الكفر المقصود، هو أحد احتمالين، إما كفر مباشر بالله سبحانه وتعالى، وبالتالي يتبعه التكذيب باليوم الآخر، أو تكذيب بالبعث واليوم الآخر دون الكفر بالله (ككفار قريش)، وكلاهما كفر. ولكن العامل المشترك في الآيتين هو الترف. فالمترفون، إن كانوا كفارا فهم لن يؤمنوا، وإن كانوا مؤمنين فسيفسقون، وفي كلتا الحالتين هذا جحود للنعمة وخروج على المنعم وعدم اعتراف له، والجحود كفر، وفي كلتا الحالتين المترفون هم من سيقودون التمرد والمقاومة ضد الإصلاح والتغيير. والكفر هو أيضا عامل مشترك في الحالتين، ففي الآية الثانية هو كفر واضح، وفي الأولى، فسق سببه الترف. ففي الآية الثانية الترف أدى إلى كفر صريح، وفي الآية الأولى أدى إلى الفسق، والفسق هو الخروج عن الطاعة، للإفساد على وجه الخصوص (كما فسق إبليس عن أمر ربه ثم ما تبعه من إمعان واستمرار في المعصية إلى يوم البعث). وهذا السبب أشمل من الكفر المباشر بالله أو باليوم الآخر أو بكليهما، أي أنه ليس بالضرورة أن تكون القرية أو الأمة كافرة بالله أو باليوم الآخر لتدمر، بل قد تكون مؤمنة بهما، ولكن إذا توفرت فيها شروط التدمير، وهي الفسق، دمرت، لقوله تعالى «ففسقوا فيها، فحق عليها القول» أي توفرت أو تحققت فيها الشروط، «فدمرناها تدميرا».
* وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون – الزخرف (23)
وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا بما أرسلتم به كافرون – سبأ (34)
وهنا حسم أمر المترفين بشكل واضح ودون استثناءات، فهم لا يؤمنون، وهم من سيتصدون للمنذرين إن كانوا كفارا، وللمصلحين إن كانوا غير كفار، بالتكذيب والمقاومة، بكل الحجج والأساليب. فالخلاصة، أن المترفين إن كانوا كفارا، لن يؤمنوا، وإن كانوا مؤمنين فسيفسقون، وإن أمروا عصوا، وإن أمّروا عصوا، وإن آمروا (كثروا) عصوا. فهم من يتحقق فيه شرط الهلاك والتدمير، وسيؤدون إلى هلاك غيرهم معهم.
* ما هي مشكلة المترفين؟ الكبر والجحود
3. كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى – العلق (6)
الغنى أدى إلى الطغيان، والطغيان هو تجاوز الحد، في كل شيء. هنا الغنى يؤدي إلى الغرور والكبر الذي يقود للتمرد على (أمر) المنعم، وهو طغيان، لأنه ما كان ينبغي له تجاوز ذلك الحد مع من أوجده، وأنعم عليه وأغناه. وهو لم يقل ان الإنسان كان طاغية عندما كان فقيراً، بل فقط بعد أن استغنى. وهو جحود، عوضا عن شكر النعمة والمنعم، والجحود هو الإنكار، أي الكفر، ويبدو أن هذه هي طبيعة الإنسان. وهي مشكلة إبليس أيضا، فالغرور قاده إلى التكبر على أمر الله ومعصيته، وعدم السجود لآدم لأنه كان يرى نفسه أفضل منه، ولكن الله هو الذي خلقه وخلق آدم، فلا فضل له. فالمشكلة في نهاية المطاف هي الغرور والكبر، والترف أو الغنى مجرد سبب.
* وهذه مشكلة أزلية مع الإنسان، فالمال والسلطة، كلاهما أو أحدهما، يقودانه إلى الغرور والكبر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فرعون، الذي أوتي السلطة، وقارون الذي أوتي المال. ففرعون أوتي الملك والسلطة ولكنه أنكر فضل، بل ووجود من خلقه، فكفر، ولكنه لم يكتف بذلك، بل ادعى الألوهية لنفسه من دون من أوجده، وهو بهذا تجاوز كل الحدود «طغيان مطلق» ولذلك كان التوجيه لموسى «اذهب إلى فرعون إنه طغى». أما قارون الذي أوتي المال والثروة، فقد قال بوضوح، إنما أوتيته على علم عندي، أي جحد فضل المنعم عليه، واغتر بنفسه، وهو كفر، وغيرهم من أمثله الطغاة والمفسدين كثير على مر العصور، ولكن لا يتعظ بعضهم بالآخر.
* فمن لم يؤتِ النعمة حقها من الشكر (وهو الاعتراف بها للمنعم، ومن ثم طاعته فيها)، فهو جحود بها، والجحود هو الكفر، والكفر كما يقول الشاعر الجاهلي مخبثة لنفس المنعم. فنعود لنفس المشكلة، وفي نفس الدائرة مع الإنسان، وهي الكفر، بالله أو بنعمه، وقليل من عبادي الشكور.
لاحظ في الآية الثانية أن الذين تمردوا هم المترفون، وغالبا هم الطبقة الرأسمالية السياسية (صاحبة المال والسلطة) المتمكنة في كل مجتمع عبر العصور، والسبب هو الكبر والغرور، بسبب المال والسلطة، وخشيتها من فقدان وضعها أو منافستها فيه أو حتى مشاركتها فيه، وفي النهاية هذا نوع من الكبر والغرور والعنصرية، لأن هؤلاء يرون أنفسهم فوق غيرهم وأفضل منهم، وأن لهم الأحقية في احتكار ذلك الوضع دون غيرهم من خلق الله، ويستكثرون مشاركة أحد فيه حتى وإن كانوا أهلاً لذلك، وهذا الصراع هو الوضع السائد عبر العصور، وهو وضع طبيعي مع كل دين أو ثورة أو محاولة إصلاح أو تغير جذري في النظام الاجتماعي أو الاقتصادي لأي مجتمع.
زمن بلا بوصلة
ليس السؤال: ماذا تفعل المنصّات بنا؟ بل: ماذا فعلنا نحن بأنفسنا حين سلّمنا عقولنا لزرّ الإعجاب. في لحظةٍ... اقرأ المزيد
114
| 17 أبريل 2026
صديق تسوءه وعدو تسرّه..
قال الأحنف بن قيس: شكوت إلى عمّي صعصعة بن معاوية وجعًا في بطني فنهرني ثم قال: يا ابن... اقرأ المزيد
156
| 17 أبريل 2026
نعمة الأمن والأمان
إذا سألني سائل عن أعظم نعمة في الدنيا بعد الإيمان بالله ورسوله، قلت له دون تفكير عميق: هو... اقرأ المزيد
87
| 17 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة. قديمًا كانوا يقولون: "أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة. الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا". المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه. وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته. ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت. وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان. وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي. مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال: لماذا التسويف؟ ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته. وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة. وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت. وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.
3522
| 11 أبريل 2026
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر - الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة المدنية والمنشآت ولا علاقة لها بالقواعد العسكرية - يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات بما فيها قاعدة العديد القطرية - «الجزيرة» أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي ليطرح وجهة نظره - قطر الدولة الوحيدة التي استُهدِفَت بجميع التهديدات الجوية الإيرانية - إيران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان قبل استهداف منشآتها للطاقة -إيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخاً باليستياً و12 طائرة مسيّرة في اليوم الأول فقط! -الهجمات الإجرامية استهدفت مصادر تموّل بها قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الأرض ما عرضته قناة الجزيرة مساء الجمعة ليس مجرد فيلم وثائقي عابر، بل يمثل توثيقا مهما لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر والمنطقة بأسرها، تعرضت خلالها لاعتداءات عسكرية من قبل إيران بصورة أثبتت الشواهد أنه معد لها بصورة مسبقة. * برنامج «ما خفي أعظم» في حلقته «على خط النار» بات يمثل مرجعاً توثيقياً لوقائع استثنائية عرضها بكل شفافية ومهنية، وكشف عن مجموعة من الحقائق التي دحضت المزاعم الإيرانية التي كانت تسوّق أن الاستهداف كان موجها لما تدعيه كذباً «القواعد العسكرية الأمريكية «، بينما الواقع أثبت أن الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة العامة: المدنية والحيوية والمرافق والمنشآت والبنى التحتية للدولة والمجتمع. يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات، بما فيها تناول «قاعدة العديد» القطرية، وتسليط الضوء على كل الاماكن التي تعرضت للهجمات الإيرانية، ويحسب لقناة الجزيرة أيضا أنها لم تنظر فقط بعين قطرية للاعتداءات التي تعرضت لها قطر، حتى لا يقال إنها «جاملت قطر»، بل أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي بطرح وجهة نظره من خلال استضافة متحدث بوزارة الخارجية الإيرانية، وهو أمر قد لا يكون مألوفا كذلك أن تعطي مساحة من الرأي لمعتد بطرح وجهة نظره، التي قابلها سعادة الدكتور ماجد الأنصاري مستشار رئيس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية بسرد الحقائق، بعد أن دحض أكاذيب الجانب الايراني، وفند ادعاءاته الباطلة، وعراه أمام المشاهدين. * أن يكون الاستهداف الإيراني لدولة قطر منذ الوهلة الاولى - وتحديدا بعد 10 دقائق - لهجوم أمريكي اسرائيلي تعرضت له، فهذا يطرح تساؤلات عن نوايا إيران المبيتة تجاه قطر والخليج عموما، فكيف تحققت إيران من المعلومات، وكيف استطاعت تمييز أن هذه الهجمات انطلقت من قطر، على الرغم من كل التأكيدات التي صدرت من دولة قطر قبل أن تبدأ الحرب، بأنها تنأى بنفسها عن هذا الصراع، ولن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها، وليس هذا فقط، بل إن قطر كانت منخرطة في دعم إيجاد حل عبر الحوار للخلاف الإيراني الأمريكي، وحتى اللحظات الأخيرة كانت قطر تدفع نحو منع نشوب حرب بالمنطقة، فإذا بإيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخا باليستيا و12 طائرة مسيّرة في اليوم الاول فقط (بداية عملية الاستهداف) من مجموع 537 هجمة جوية تعرضت لها قطر طوال أيام الحرب، وكانت قطر الدولة الوحيدة التي استهدفت بجميع التهديدات الجوية من صواريخ باليستية إلى طائرات مسيرة إلى صواريخ مجنحة وانتهاء بطائرات مقاتلة سوخوي 24. * ومن تابع حلقة البرنامج شاهد بوضوح أن الهجمات العسكرية الإيرانية تركزت على المناطق العامة في قطر: مرافق مدنية وحيوية، مطار حمد الدولي، منشآت طاقة ومياه، بنى تحتية، فنادق، مناطق سكنية، من ذلك على سبيل المثال منطقة لوسيل السكنية، الحي الأرجنتيني (نسبة لمشجعي منتخب الأرجنتين خلال كأس العالم 2022 بالدوحة الذين سكنوا فيه)، المنطقة الصناعية، شوارع رئيسية، ومناطق حيوية أخرى.. فما علاقة كل هذه المرافق والمنشآت بالمزاعم الإيرانية الجوفاء بأنها تستهدف قواعد عسكرية أمريكية..؟!! فهل هذه أهداف أمريكية أم منشآت قطرية ومن الذي تضرر بالفعل قطر الدولة والشعب أم أمريكا؟! بل إن ايران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان في قطر قبل أن يتم استهداف منشآتها للطاقة من قبل إسرائيل، التي قامت قطر بإدانة استهدافها، وإذا بنا في المساء تقوم إيران بمكافأة قطر باستهداف منشآتها للغاز في حقل الشمال !! * هذه الهجمات الإجرامية نتج عنها إصابات بشظايا وسقوط حطام في مناطق سكنية لمواطنين ومقيمين مدنيين بينهم طفلة قطرية، لكن بفضل من الله ثم الأجهزة الأمنية التي سيطرت على الموقف وحافظت على الأمن والاستقرار، وظلت حياة الناس اليومية تسير دون تغيير أو إرباك، وهو أمر تحرص القيادة الحكيمة لهذا الوطن العزيز أن يظل الإنسان هو الأولوية ويتصدر الاهتمام في كل شيء مواطنا كان أو مقيما. * البرنامج أكد المؤكد وهو استهداف منشآت مدنية واستراتيجية تمس حياة الناس وتضرب الاقتصاد الوطني، الذي يعد أحد مصادر رزق الشعب القطري، وأحد المصادر التي تموّل بها دولة قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الارض خاصة المنكوبين من أبناء أمتنا، الذين لطالما كان لقطر أياد بيضاء بالوقوف معهم في نكباتهم وآلامهم، وسعت إلى تضميد جراحهم، ثم تأتي إيران لتقصف مصادر هذا الخير الذي يفيض ليس فقط على شعب قطر والمقيمين فيها، بل خير ذلك وصل لشعوب أمتنا في بقاع الارض. * لقد حمى الله هذا الوطن بفضل منه أولا، ثم لجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية التي حمت الأرواح والمرافق والمنشآت والمناطق السكنية بالدولة، وتصدت لأكثر من 90% من الهجمات العسكرية، فكان الفخر لنا جميعا بأن لدينا ليس فقط أجهزة ومعدات وتقنيات عسكرية عالية الكفاءة، بل قبل ذلك لدينا الرجال الذين يحمون الوطن، وبكفاءة عالية نفخر بهم أداء وإخلاصا وتفانيا وتضحية.. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي تؤكد عليه القيادة الرشيدة باستمرار، وسخرت من أجله كل الإمكانات، ولله الحمد أثبت قدراته وجدارته في المواقف وعند الأزمات، ليؤكدوا من جديد أن الوطن له رجال يحمونه ويفدونه بكل غال، وأنهم يسيرون على خطى رجالات الوطن على الدوام. * ثم إن يقظة الأجهزة الأمنية التي كشفت خلايا التجسس الإيرانية منذ 2024 دليل على أن هناك أعمالاً مبيتة من قبل إيران ، رغم أن قطر كانت تنظر لإيران على أنها جار ، وعملت على إنقاذه وإخراجه من أزماته السياسية مع المجتمع الدولي أكثر من مرة ، وتمكنت عبر حوارات مضنية من تحقيق اختراق في التوصل لصفقة تبادل لسجناء بين طهران وواشنطن والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة تقدر ب 6 مليارات دولار لدى أمريكا ، لكن بالرغم من ذلك وبدلا من أن تعزز علاقاتها وتثمن هذا الجميل الذي حققته لها قطر ، كان رد الجميل من قبل إيران هو زرع الخلايا التجسسية في قطر ! * كل الهجمات الإيرانية على دولة قطر أثبتت أن المتضرر هي الدولة وسيادتها وأمنها واقتصادها وتنميتها ودورها القيادي والريادي وسكانها مواطنين ومقيمين، وأن ما تدعيه إيران محض افتراء وكذب وعار تماما عن الصحة. سمعنا في إيران على مدار سنوات طوال شعارات ضد أمريكا، لكننا رأينا صواريخها تتساقط على قطر..!! لقد كانت الحرب منذ البداية حرب امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولم تكن قطر أو الخليج طرفا فيها، بل سعت قطر لمنعها عبر مساع ودعم الوساطات لحوار بين إيران وأمريكا، لكن إيران أقحمت قطر والخليج في هذه الحرب دون مبرر. إنها حربكم يا إيران مع أمريكا وإسرائيل، فلماذا يتم استهداف قطر ودول الخليج بهجمات عسكرية على مرافق مدنية ومنشآت حيوية ومناطق سكنية بذرائع واهية وادعاءات باطلة وافتراءات كاذبة أنها «مصالح أمريكية»؟!
3126
| 12 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز اسم «هرمز» كواحد من اساطير الأسماء التي عرفتها الممرات المائية في التاريخ. فمن هو «أهورامزدا» إله الحكمة في بلاد فارس، إلى صدى المعارك الفاصلة بين القادة، لم يكن هرمز مجرد اسم لمضيق أو جزيرة، بل كان عنواناً لحضارة ربطت الشرق بالغرب، وصاغت بعبق بخورها وتجارتها ملامح العالم القديم. يرى بعض المؤرخين مثل «خداداد رضاخاني» أن التسمية تعود لترجمة محلية هي «هُرموز» وتعني «مكان التمور» نظراً لكثرة أشجار النخيل في المنطقة. كما تربطه بعض المصادر بالقائد الساساني الذي واجهه خالد بن الوليد في معركة «ذات السلاسل» وقتله فيها. اليوم، لا يكاد يخلو تحليل سياسي أو اقتصادي من ذكر هذا المضيق، الذي تحول من «مكان للتمور» بحسب تسميته المحلية القديمة، إلى أخطر شريان حيوي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي. جغرافياً، يتخذ المضيق شكلاً منحنياً يشبه رقم ٧، ويمتد بطول يصل إلى ١٦٠ كيلومتراً، بينما يضيق في أضيق نقطة له ليصل عرضه إلى حوالي ٣٤ كيلومتراً فقط. تتقاسم السيادة عليه دولتان رئيسيتان؛ حيث تقع سواحله الشمالية تحت سيادة إيران، بينما تطل سلطنة عمان عليه من جهة الجنوب عبر شبه جزيرة مسندم. وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أرقامه المذهلة؛ إذ يتدفق عبره حوالي ٢١ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠% من استهلاك السوائل البترولية العالمي، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. إلا أن هذا الثقل الاقتصادي يواجه اليوم تحديات جيوسياسية معقدة في ظل «الهدنة الهشة» التي أعقبت التوترات العسكرية الأخيرة. فالمشكلة الكبرى تكمن في كون الهدنة الحالية تكتيكية وليست استراتيجية؛ حيث لا تزال إيران تفرض سيطرة عسكرية مشددة وتُلوح بإغلاق المضيق مجدداً. هذا الواقع فرض « تسييساً « للممر المائي، تمثل في محاولات فرض نظام ملاحي خاص وتفتيش السفن، مما يهدد استقرار السيادة البحرية ويخلق حالة تأهب دائم للقوى الدولية لتأمين حرية الملاحة. اقتصادياً، تسببت هذه الاضطرابات في صدمة عرض تاريخية، أدت لارتفاع تكاليف الشحن بنسبة ٢٥% وطول مدة الرحلات البحرية. ورغم استقرار أسعار النفط مؤقتاً، إلا أن الثقة الاستثمارية في المنطقة لا تزال مهتزة. وهنا برزت الحكمة السياسية والاقتصادية لدول الخليج العربي، التي تبنت استراتيجية «صفر مشاكل» والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، إدراكاً منها بأن الانجرار للحرب سيعني دمار خطط التنمية في المنطقة. ولأن الارتهان لممر مائي واحد يمثل مخاطرة وجودية، بدأت دول الخليج في صياغة مخرج استراتيجي يعتمد على «الاستقلال الدفاعي والبدائل اللوجستية». هذا المخرج لا يعتمد على الدول الكبرى فحسب، بل على تعزيز التحالفات البينية وكسر «حصرية المضيق» عبر التوسع في أنابيب النفط والسكك الحديدية التي تربط حقول الإنتاج بموانئ خارج الخليج، مثل الفجيرة والدقم وصحار، وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر. هذا التحول يُفرغ سلاح «إغلاق المضيق» من قيمته الاستراتيجية والضغط الابتزازي على المدى الطويل. إن إدارة هذه الأزمات تسلط الضوء على طبيعة «مجلس التعاون الخليجي»، الذي أثبت مرونة عالية كتكتل تنسيقي يحترم السيادة الوطنية للدول الأعضاء. ورغم تعثر مشاريع اندماجية كبرى مثل «العملة الموحدة» لأسباب سيادية واقتصادية وتقنية، إلا أن المجلس نجح في تحقيق «تكامل وظيفي» في ملفات الأمن والطاقة والربط الكهربائي، مما منحه القدرة على مواجهة التهديدات الوجودية ككتلة واحدة متماسكة. ختاماً، يظل «هرمز» أكثر من مجرد مضيق جغرافي؛ إنه الاختبار الحقيقي لصراع الإرادات بين القوى العالمية وتطلعات الاستقرار الإقليمي. وبينما تظل الروايات حول تسميته جسراً يربط الماضي بالحاضر، تبقى الحكمة الخليجية في إدارة هذه الأزمات هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذا الممر المائي من شريان للحياة والتجارة إلى ساحة للصراعات الصفرية. إن الحفاظ على تدفق الطاقة عبر هذه البوابة الضيقة ليس مصلحة اقتصادية فحسب، بل هو ضرورة وجودية للأمن والسلم الدوليين في عالم لا يحتمل المزيد من الهزات. حيث يتحتم التفكير الجدي من دول مجلس التعاون الخليجي في التقدم الى الأمام عبر التنفيذ الفعلي لاتحاد دول المجلس في اتحاد فدرالي على مستوى وزراء الدفاع والخارجية على الأقل.
1170
| 12 أبريل 2026