رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن من أبرز ركائز رؤية قطر الوطنية 2030 تنويع القاعدة الاقتصادية للبلاد والحد من الاعتماد على الصادرات عبر تشجيع الصناعة المحلية. وقد استطاع قطاع الإنتاج الصناعي في قطر عبر عدد من الشركات الخاصة والحكومية أن يحقق نموا كبيرا خلال الأعوام القليلة الماضية نتيجة إلى الإنفاق الحكومي الهائل على مشاريع البنية التحتية والطلب القوي والمتزايد على المنتجات اللازمة لتلبية احتياجات الطفرة العمرانية التي تشهدها البلاد حاليا. ولكن يجب على هذه الشركات أن تأخذ بعين الاعتبار أن ربحية قطاع الإنتاج الصناعي في المدى البعيد يكمن في قدرتها على التكيُّف مع الشركات التنافسية السائدة والتراجع المرجَّح للاستثمار في مشاريع البنية التحتية.
حيث خلال العشرة أعوام الماضية ولغاية عام 2013 ارتفعت قيمة ناتج التصنيع في قطر من 12.4 مليار ريـال قطري إلى 32.9 مليار ريـال قطري (عند تثبيت أسعار عام 2004). وخلال تلك الأعوام، ازداد على نحو واسع تنوُّع الشركات العاملة في المجال الصناعي. وخلال الفترة ذاتها، شهدت البلاد نشاط في حركة التصنيع سواء من خلال البدء بتصنيع منتجات جديدة، أو زيادة الإنتاج، مثل الخرسانة الجاهزة والكوابل والأنابيب، وهي مواد أساسية لدعم نهضة البلاد.
وعلى سبيل المثال، في عام 1994، تراوح عدد الشركات المنتِجَة للخرسانة الجاهزة في قطر بين 15-12 شركة. غير أن هذا العدد ارتفع إلى 55 شركة في عام 2008، ويبلغ عددها اليوم حوالي 80 شركة.
وتنعم قطر بموارد من شأنها أن تعزز تنافسية الشركات القطرية أمام نظيراتها الأجنبية المنافسة لها. فالطاقة هنا رخيصة الكلفة، الأمر الذي يسهم، على سبيل المثال، في منتجات بأسعار منافسة، مثل الألمنيوم والمواد البلاستيكية. ومن تلك الموارد أيضاً ما تتمتع به قطر من أراض واسعة، ووفرة المواد الأساسية مثل حجر الجير والرمال المستخدمة في تصنيع الإسمنت. ومن المزايا المهمة في حال التصنيع المحلي هو تخفيض تكلفة النقل بشكل كبير.
ورغم كل ذلك، قد يكون من الصعب على الشركات القطرية أن تنافس. فقد اجتذب اقتصاد البلاد الذي يشهد نمواً وكبيرا ومتسارعاً، مقروناً بالاستثمارات الطموحة بمشاريع البنية التحتية، الشركات الأجنبية من بلدان مجلس التعاون وخارجها. وتتمتع بعض تلك الشركات بمزايا تنافسية. وعلى سبيل المثال فإن شركات الإسمنت السعودية متكاملة، إذ تملك كسارات الحجارة ومصادر الرمال ومصانع الإسمنت معاً. وثمة مثال آخر هو كوابل الألياف البصرية المصنَّعة بالصين إذ تتميز بأسعارها المتدنية مقارنة بالأسعار العالمية. وفي الوقت ذاته، تعتمد الشركات القطرية إلى حد بعيد على المواد الأولية المستورَدة، مثل غبار السيليكا ومسحوق الرماد المتطاير والركامة، وصخور الجابرو المستخدمة في تصنيع الإسمنت والخرسانة، والنحاس المستخدم في تصنيع الكوابل.
ولا عجبَ أن قطاع التصنيع الآخذ بالتطور في قطر قد شهد فترات من المنافسة الحادة، وتذبذب الأسعار، والأسواق المجزئة، الأمر الذي قلص الربحية. وفي الوقت الحاضر، تتوقع الشركات الصناعية في قطر أن تعزز مشاريع البنية التحتية المتلاحقة المنفذة خلال خمسة إلى ثمانية أعوام المقبلة أرباحها وأن تحقق أفضل عائد للمستثمرين. وسيرتفع إنتاج الإسمنت من 6 ملايين طن سنوياً في عام 2010 إلى 10 ملايين طن سنوياً خلال الفترة بين عامي 2018-2015. وخلال الأعوام الخمسة المقبلة ستستحوذ الأنابيب وحدها على قرابة 15 بالمئة من حجم الإنفاق على البنية التحتية، بدءاً من أنابيب المياه والصرف الصحي ووصولاً إلى الأنابيب الضخمة للمترو وسكة الحديد. ومن المتوقع أن يشهد عام 2014 منح عدد كبير من عقود مشاريع البنية التحتية.
والشركات الصناعية تعرف عن يقين أن طفرة الاستثمار في البنية التحتية قد تنحسر ذات يوم. ولن يؤثر ذلك على اقتصاد البلاد، فمن المرجح أن يواصل اقتصاد قطر مسيرة النمو، وأن يزداد تعداد سكانها، وسيظل قطاع الإنشاءات من أهم قطاعات الأعمال. لكن ثمة خطرا أن يقود تقليص الإنفاق العام إلى طاقة إنتاجية فائضة في بعض القطاعات لنعود مجدداً إلى مرحلة التنافسية الحادة. ولكن الشركات القطرية بعيدة النظر قد بدأت من اليوم بالتفكير بكيفية تحقيق ربحية مستدامة كافية بعد عشرة أعوام من الآن. وفي المجمل، يمكننا أن نتحدث عن مسارَيْن اثنين لتحقيق ما سبق، أولهما التنويع. ومن الأمثلة اللافتة هنا قيام «الدوحة للكابلات»، التابعة لـ«شركة أعمال»، بالتخطيط لتشييد مصنع للمحوِّلات، فضلاً عن تفكيرها بتنفيذ عدد من المشاريع الأخرى ذات الصلة. كذلك قامت «أعمال للخرسانة الجاهزة»، التابعة لمجموعة الأعمال القطرية الريادية، بتنويع أنشطتها التصنيعية لتشمل صناعة الألواح والبلاط (للأرصفة على سبيل المثال) وكذلك طورت آلياتها لتضم مضخة الأبراج العالية المستخدَمة لضخ الخرسانة الجاهزة مباشرة من الخلاط إلى البرج أثناء التشييد. ومن جوانب التنويع المحتملة البحث عن أسواق للصادرات بالمنطقة وخارجها، مثل أسواق جنوب شرق آسيا.
وأما المسار الآخر فهو خلق قيمة إضافية إلى البضائع والسلع والارتقاء بمعايير الفاعلية. ويمثل الانتقال من مرحلة تجميع السلع والبضائع، مثل الأجهزة المختلفة، من قطع مستوردة، إلى مرحلة التصنيع أحد أوجه هذا الارتقاء. ومن الأوجه الأخرى تطوير الجودة، ربما من خلال تدريب الموظفين بشكل أفضل، أو اختيار مصادر أفضل للمكوِّنات والمواد الخام، وتلبية احتياجات السوق المحلية. وتشمل الفاعلية عناصر أخرى مثل تكلفة العمالة، ومواكبة المديرين لأحدث التطورات في القطاعات التي تعمل بها شركاتهم، واستعداد المساهمين للاستثمار، وجودة الإدارة المحلية والخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء.
لقد ارتفعت قيمة الناتج الصناعي في قطر خلال العقد الماضي، وهكذا يبدو جلياً أن مزايا التصنيع محلياً كبديل للاستيراد تفوق كثيراً أيَّ مآخذ محتملة. وثمة العديد من الشركات القطرية التي باتت على قَدْر تلك التحديات، ومن أجل البلد لابد أن تحقق تلك الشركات رؤيتها على أكمل وجه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
9732
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3168
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1530
| 06 أبريل 2026