رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الملاحظ لمن يتأمل في حالة النسيج الاجتماعي لدينا نحن العرب، أن الخوف لا يولد بوصفه انفعالًا عابرًا، بل يتجذّر كمنظومة مُحكمة، فتُمارَس علينا منذ الطفولة، وتتلبّس لغتنا، وتحدّد مسارات أحلامنا، فالعيب مثلاً، والعار، ونظرة الناس، تُشكّل منذ الصغر قضبانًا غير مرئية، تُحاصر أرواحنا قبل أن تحاصر الجسد، وتزرع فينا رقابة ذاتية تمنعنا من الخروج عن السطر والسائد من الأفعال.
فسوسيولوجيا الخوف ليست مجرد انعكاس لمنهجية قمع الأفراد، بل هي «أداة ترويض جماعي»، تجعل من الفرد خصمًا لذاته، ومن المجتمع سياجًا من العيون المفتوحة، والضمائر المُستعارة، وفي مثل هذه الحالات، يصبح الفعل المباح مستغرباً أمام هيمنة فكرة العيب، ويُلغى الضمير الفردي لحساب رضا الناس، ويتحوّل المجتمع من حاضنة انتماء، إلى عين راقبة لا ترحم.
والمشكلة ليست في شعور الخوف ذاته، فبعض الخوف فطري وضروري لحفظ النفس والتوازن، لكن الخطورة الحقيقية تكمن حين يتحوّل هذا الخوف إلى آلية تعطيل، تُشلّ بها القرارات، وتُجهَض بها الكفاءات، وتُقتل بها روح المبادرة، فلا يعود الإنسان عاجزًا لأنه لا يملك القدرة، بل لأنه يخاف من استخدامها في غير ما تعوّد عليه المجتمع.
ويا ليت أن خطر الخوف يقف عند هذا الحد، فمع هذا البناء الداخلي الخانق، نجد الخوف الخارجي يتسلّل بصياغات غربية ناعمة، تتقن هندسة الرعب في وجدان الشعوب، ويخوّفوننا من أنفسنا، ومن قيمنا، ومن ماضينا، ويُقنعوننا أن الخلاص لا يكون إلا بالذوبان في «نموذجهم» الغربي، ولو كلّفنا ذلك التخلّي عن هويتنا، وعقيدتنا، وذاكرتنا الجمعية.
وحين تشتد الأزمات كما نشاهد الآن، وتعمّ الفوضى، وتُثار الفتن، تُصبح لحظة الفزع والخوف لحظة اختبار حقيقي... هل نُعيد إنتاج الخوف الذي تربّينا عليه؟ أم نكسره؟
وهل نُصغي لصوت الإعلام الغربي وهو يُخبرنا من نخشى؟ أم نُصغي لصوت إيماننا، الذي يربطنا بحبلٍ من الله وببعضنا بعضًا، فيشدّ أزرنا حين توشك نفوسنا على الانهيار؟
يا أحبابي.. تذكروا أنه في وقت الفزع، يُصنع التاريخ. إما أن نكون أدوات مذعورة، أو نكون ضمائر حيّة تنهض بالحق وتقول لا حيث يسكت الجميع، وهنا بالضبط، يتحدّد دورنا.
دورنا ليس في تكرار ما يُقال لنا، بل في مساءلة من يروّج للخوف، ودورنا في تذكير الناس بأن الإيمان ليس طقوسًا فقط، بل موقف، وصبر، ورباط، ودورنا أيضاً يكمن في إعادة بناء الثقة بأن مجتمعنا العربي يمكن أن يكون حاضنة دعم، لا منصة جلد، وأن العيب الحقيقي هو الصمت في مواضع الحق، لا النُطق به.
فنحن في زمن يُعاد فيه تشكيل العقول بالخوف، والأوطان بالانقسام، والإرادات الجمعية بالأسر والانقياد، وفي مثل هذا الزمن، لا يكفي أن ننجو فرديًا، بل لا بد أن نُعيد صناعة وترميم الوعي الجمعي، بالإيمان بالانتماء للوطن والفكرة المحورية الجامعة، وبجرأة المواجهة ضد الهيمنة الخارجية التي تصنع الخوف في أنفس مواطنينا، وتبث لهم أنه لا ملجأ من الخوف إلا اليهم وقد كذبوا.
جرائم لا تسقط بالتقادم!
لا خلاف بأن الكثير من العوامل الأُسرية والوراثية والنفسية والمجتمعية والحياتية والدراسية تُؤثر في تكوين شخصية الإنسان، الذي... اقرأ المزيد
24
| 30 أبريل 2026
معركة صناعة السرديات
لم يعد الحدث في ذاته هو ما يشكّل الوعي العام، بل الطريقة التي يُعاد بها تقديمه وتداوله. ففي... اقرأ المزيد
36
| 30 أبريل 2026
لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟
تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم علامة واضحة للصراع المحتدم بين الموروث القيمي للمجتمع والتحولات التكنولوجية... اقرأ المزيد
24
| 30 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3717
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
753
| 27 أبريل 2026