رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

483

د. جاسم الجزاع

سوسيولوجيا الخوف.. ما دورنا حين يعمّ الفزع وتُشلّ الإرادة؟

25 يونيو 2025 , 02:00ص

الملاحظ لمن يتأمل في حالة النسيج الاجتماعي لدينا نحن العرب، أن الخوف لا يولد بوصفه انفعالًا عابرًا، بل يتجذّر كمنظومة مُحكمة، فتُمارَس علينا منذ الطفولة، وتتلبّس لغتنا، وتحدّد مسارات أحلامنا، فالعيب مثلاً، والعار، ونظرة الناس، تُشكّل منذ الصغر قضبانًا غير مرئية، تُحاصر أرواحنا قبل أن تحاصر الجسد، وتزرع فينا رقابة ذاتية تمنعنا من الخروج عن السطر والسائد من الأفعال.

فسوسيولوجيا الخوف ليست مجرد انعكاس لمنهجية قمع الأفراد، بل هي «أداة ترويض جماعي»، تجعل من الفرد خصمًا لذاته، ومن المجتمع سياجًا من العيون المفتوحة، والضمائر المُستعارة، وفي مثل هذه الحالات، يصبح الفعل المباح مستغرباً أمام هيمنة فكرة العيب، ويُلغى الضمير الفردي لحساب رضا الناس، ويتحوّل المجتمع من حاضنة انتماء، إلى عين راقبة لا ترحم.

والمشكلة ليست في شعور الخوف ذاته، فبعض الخوف فطري وضروري لحفظ النفس والتوازن، لكن الخطورة الحقيقية تكمن حين يتحوّل هذا الخوف إلى آلية تعطيل، تُشلّ بها القرارات، وتُجهَض بها الكفاءات، وتُقتل بها روح المبادرة، فلا يعود الإنسان عاجزًا لأنه لا يملك القدرة، بل لأنه يخاف من استخدامها في غير ما تعوّد عليه المجتمع.

ويا ليت أن خطر الخوف يقف عند هذا الحد، فمع هذا البناء الداخلي الخانق، نجد الخوف الخارجي يتسلّل بصياغات غربية ناعمة، تتقن هندسة الرعب في وجدان الشعوب، ويخوّفوننا من أنفسنا، ومن قيمنا، ومن ماضينا، ويُقنعوننا أن الخلاص لا يكون إلا بالذوبان في «نموذجهم» الغربي، ولو كلّفنا ذلك التخلّي عن هويتنا، وعقيدتنا، وذاكرتنا الجمعية.

وحين تشتد الأزمات كما نشاهد الآن، وتعمّ الفوضى، وتُثار الفتن، تُصبح لحظة الفزع والخوف لحظة اختبار حقيقي... هل نُعيد إنتاج الخوف الذي تربّينا عليه؟ أم نكسره؟

وهل نُصغي لصوت الإعلام الغربي وهو يُخبرنا من نخشى؟ أم نُصغي لصوت إيماننا، الذي يربطنا بحبلٍ من الله وببعضنا بعضًا، فيشدّ أزرنا حين توشك نفوسنا على الانهيار؟

يا أحبابي.. تذكروا أنه في وقت الفزع، يُصنع التاريخ. إما أن نكون أدوات مذعورة، أو نكون ضمائر حيّة تنهض بالحق وتقول لا حيث يسكت الجميع، وهنا بالضبط، يتحدّد دورنا.

دورنا ليس في تكرار ما يُقال لنا، بل في مساءلة من يروّج للخوف، ودورنا في تذكير الناس بأن الإيمان ليس طقوسًا فقط، بل موقف، وصبر، ورباط، ودورنا أيضاً يكمن في إعادة بناء الثقة بأن مجتمعنا العربي يمكن أن يكون حاضنة دعم، لا منصة جلد، وأن العيب الحقيقي هو الصمت في مواضع الحق، لا النُطق به.

فنحن في زمن يُعاد فيه تشكيل العقول بالخوف، والأوطان بالانقسام، والإرادات الجمعية بالأسر والانقياد، وفي مثل هذا الزمن، لا يكفي أن ننجو فرديًا، بل لا بد أن نُعيد صناعة وترميم الوعي الجمعي، بالإيمان بالانتماء للوطن والفكرة المحورية الجامعة، وبجرأة المواجهة ضد الهيمنة الخارجية التي تصنع الخوف في أنفس مواطنينا، وتبث لهم أنه لا ملجأ من الخوف إلا اليهم وقد كذبوا.

اقرأ المزيد

alsharq جرائم لا تسقط بالتقادم!

لا خلاف بأن الكثير من العوامل الأُسرية والوراثية والنفسية والمجتمعية والحياتية والدراسية تُؤثر في تكوين شخصية الإنسان، الذي... اقرأ المزيد

24

| 30 أبريل 2026

alsharq معركة صناعة السرديات

لم يعد الحدث في ذاته هو ما يشكّل الوعي العام، بل الطريقة التي يُعاد بها تقديمه وتداوله. ففي... اقرأ المزيد

36

| 30 أبريل 2026

alsharq لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟

تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم علامة واضحة للصراع المحتدم بين الموروث القيمي للمجتمع والتحولات التكنولوجية... اقرأ المزيد

24

| 30 أبريل 2026

مساحة إعلانية