رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تُعيد الحضارات تعريف نفسها كلما تبدلت المادة التي تُصاغ منها القوة. والقرن الحادي والعشرون لا يضيف أدوات جديدة إلى عالم قديم بقدر ما يدفع نحو إعادة هندسة عميقة لمفهوم السلطة ذاته؛ حيث ترتقي البيانات إلى مرتبة المورد الاستراتيجي، وتغدو الخوارزمية بنيةً مولِّدة للنفوذ، ويحتل الفضاء السيبراني موقع المسرح الذي تتشابك داخله السياسة مع الإدراك، والسيادة مع التكنولوجيا، والأمن القومي مع هندسة المعلومات. ضمن هذا المشهد، تفرض التحولات الرقمية مراجعةً جذرية لبعض المفاهيم الأكثر رسوخاً في العلاقات الدولية ودراسات العنف السياسي، وفي مقدمتها مفهوم الإبادة الجماعية. فقد تبلور مفهوم الجينوسايد تاريخياً داخل سياقات ارتبطت بالعنف الفيزيائي المباشر، والقتل المنظم، وسياسات التطهير العرقي، والمجازر الواسعة الساعية إلى القضاء الكلي أو الجزئي على جماعات بشرية محددة. غير أن صعود البيئة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنى المعلوماتية العابرة للحدود، يكشف ضيق المقاربات التقليدية التي تحصر الإبادة في صورتها العسكرية أو الدموية الصريحة.
إن العنف الجماعي في العصر الرقمي لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل قد يبدأ بإنتاج سردية رقمية لنزع الإنسانية، أو بعملية تصنيف خوارزمية، أو ببناء نموذج بيانات يعيد تعريف جماعة بشرية بوصفها تهديداً أمنياً أو عبئاً ديموغرافياً أو خطراً وجودياً. وقد ينتقل هذا العنف من المجال الإدراكي إلى المجال المادي عبر مسارات معقدة تتداخل فيها المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية للمعلومات، وأنظمة المراقبة، وآليات التحكم في تدفق المعرفة والرؤية والشرعية.
من هذا المنظور، يبرز مفهوم الجينوسايد السيبراني بوصفه محاولة نظرية لفهم التحوّل العميق الذي أصاب منطق الإبادة في البيئة الرقمية. ويمكن تعريفه بوصفه الاستخدام المنهجي للفضاء السيبراني، والخوارزميات، والبيانات، والبنية المعلوماتية، لإنتاج أو تسهيل أو تسريع أو شرعنة عمليات التدمير الجماعي ضد جماعة بشرية معينة، سواء من خلال التحريض الرقمي، أو نزع الإنسانية الخوارزمية، أو الاستهداف البياني، أو تعطيل البنى الحيوية اللازمة لاستمرار الحياة، أو إعادة هندسة الإدراك والذاكرة وشروط البقاء الإنساني.
إنّ خطورة هذا المفهوم لا تكمن في كونه امتداداً تقنياً للإبادة التقليدية فحسب، بل في كونه يعيد تعريف الإبادة ذاتها. ففي النماذج التاريخية السابقة، كانت الإبادة تُقاس بعدد الضحايا أو بحجم التدمير الفيزيائي المباشر؛ أما في البيئة الرقمية فإن التدمير قد يأخذ أشكالاً أكثر تركيباً وتعقيداً، تبدأ من السيطرة على الإدراك، وتنتقل إلى إعادة تشكيل الهوية الجمعية، وتصل إلى التحكم بالخدمات الحيوية والقدرة على الوجود الاجتماعي والاقتصادي والرمزي للجماعات البشرية.
يندرج الجينوسايد السيبراني ضمن منظومة أوسع من التحولات النظرية المرتبطة بالحرب الهجينة، والحرب الإدراكية، والهيمنة المعلوماتية، والسلطة الخوارزمية. فمن منظور الحرب الهجينة، يتجاوز الصراع الحدود التقليدية بين المدني والعسكري، وبين الحرب والسلم، لتندمج العمليات السيبرانية، والنفسية، والإعلامية، والاقتصادية ضمن بيئة صراع موحدة متعددة المستويات. أما الحرب الإدراكية فتدفع التحليل خطوة أبعد؛ إذ يصبح الهدف المركزي للصراع هو السيطرة على الإدراك البشري نفسه، وعلى أنماط الفهم والتفسير والثقة والهوية والشرعية.
في السياق ذاته، تمثل الهيمنة المعلوماتية أحد أهم الأطر التفسيرية لفهم الجينوسايد السيبراني. فالقوة في البيئة الرقمية أصبحت ترتبط بالقدرة على السيطرة على تدفقات البيانات، والمنصات، والبنى الرقمية، والخوارزميات التي تحدد ما يُرى وما يُحجب، وما يُمنح الشرعية وما يُجرّد منها. ولذلك أصبحت الهيمنة المعلوماتية تمثل شكلاً جديداً من السلطة الإمبراطورية المعاصرة، حيث تتحول البيانات إلى مصدر للقوة الجيوسياسية، وتتحول الخوارزمية إلى أداة لإدارة الإدراك والتصنيف والاستبعاد وإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي.
أما مفهوم السلطة الخوارزمية فيكشف بعداً إضافياً من خطورة الظاهرة؛ إذ لم تعد القرارات المؤثرة في حياة الجماعات البشرية حكراً على المؤسسات السياسية أو العسكرية التقليدية، بل أصبحت تتزايد أهمية الأنظمة الحسابية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في إنتاج قرارات تتعلق بالرؤية، والوصول، والتصنيف، والأولوية، والاستهداف. وفي مثل هذا السياق، قد لا تكون الخوارزمية مجرد وسيط تقني محايد، بل فاعلاً بنيوياً يساهم في إنتاج بيئات قابلة للعنف، أو في تسريع أنماط الإقصاء الجماعي، أو في تطبيع نزع الإنسانية على نطاق واسع.
على المستوى القانوني والمعياري، يطرح الجينوسايد السيبراني تحدياً مباشراً للتعريفات التقليدية للإبادة الجماعية، ولا سيما تلك المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. فالسؤال هنا يمتد إلى حول ما إذا كانت السيطرة الخوارزمية، أو التدمير الإدراكي، أو تعطيل البنى الحيوية الرقمية، أو أنظمة الاستهداف القائمة على البيانات، قد تشكل أنماطاً جديدة من التدمير الجماعي تتطلب مراجعة المفاهيم القانونية القائمة.
بعض التجارب المعاصرة تدعم الحاجة إلى هذا النقاش. إذ أظهرت السنوات الأخيرة قدرة المنصات الرقمية على تسريع خطاب الكراهية الجماعي، وقدرة البيانات الضخمة وأنظمة المراقبة البيومترية على تعزيز عمليات التتبع والاستهداف، وقدرة العمليات السيبرانية على تعطيل البنى الحيوية والخدمات الأساسية، بما يفتح المجال أمام أشكال غير مسبوقة من العنف المنظم الذي يجمع بين القوة المعلوماتية والقوة السياسية والقوة التقنية.
تأسيساً على هذا الطرح، لا يمثل الجينوسايد السيبراني مجرد امتداد رقمي للإبادة الجماعية التقليدية، بل مؤشر على تحول تاريخي أعمق في طبيعة السلطة والعنف في العصر الخوارزمي. فالإبادة باتت أبعد من أن تُختزل في السيطرة على الأجساد أو في هندسة الموت الفيزيائي المباشر، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى صراع على الإدراك والهوية والذاكرة وشروط الاعتراف الإنساني نفسها. وما كان يُدار سابقاً عبر الجيوش والحدود والسجون، بات يمكن أن يُدار اليوم عبر البيانات والمنصات والخوارزميات والبنى المعلوماتية العابرة للسيادة.
وفي العقود المقبلة، ومع توسع اقتصاد البيانات، وتصاعد قدرات الذكاء الاصطناعي، وتزاوج الحوسبة مع البيولوجيا والأعصاب والأنظمة الذاتية، قد لا يصبح السؤال المركزي متعلقاً بقدرة التكنولوجيا على خدمة الإنسان، بل بقدرتها على إعادة تصنيف البشر، وإعادة تعريف قيمتهم السياسية والاجتماعية والوجودية. عند هذه النقطة، قد تغدو الإبادة أقل صخباً وأكثر خوارزمية؛ أقل اعتماداً على المجزرة المفتوحة وأكثر ارتباطاً بإدارة الرؤية، والتحكم بالوصول، وتعطيل شروط الحياة، وإنتاج بيئات كاملة من الإقصاء المعرفي والرمزي والوظيفي.
ما يمكن قوله أن خطورة الجينوسايد السيبراني لا تنبع من التطور النظري للمفهوم فحسب، بل من البيئة الرقمية غير المسبوقة التي باتت تحتضنه. عالم اليوم ينتج مئات الملايين من "التيرابايت" من البيانات يومياً، ويضم أكثر من خمسة مليارات مستخدم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تتحكم منصات محدودة بخوارزميات قادرة على التأثير في إدراك مليارات البشر. وفي الوقت نفسه، تتوسع تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، في ظل اعتماد متزايد للبنى الحيوية - من المستشفيات والطاقة والمياه إلى المال والغذاء - على أنظمة رقمية مترابطة تنقل نحو 95–99% من البيانات العالمية عبر شبكة كابلات بحرية تتجاوز 1.3 مليون كيلومتر. ضمن هذا السياق، لم يعد الفضاء السيبراني مجرد بيئة معلوماتية موازية، بل بنية حاكمة لشروط الحياة المعاصرة؛ الأمر الذي يجعل التحكم بالبيانات والخوارزميات والبنى الرقمية مسألة ترتبط ليس فقط بالنفوذ السياسي، بل بإمكانية التأثير في الأمن الإنساني والوجود الجماعي ذاته.
عود على بدء، إن الجينوسايد السيبراني لا ينبغي النظر إليه بوصفه سيناريو افتراضيا بعيدا، بل بوصفه احتمالاً بنيوياً كامناً داخل منطق الهيمنة المعلوماتية المعاصرة؛ منطقٍ تتزايد فيه قدرة القوى المهيمنة على إنتاج واقع يُعاد فيه تحديد من يملك الحق في الظهور، ومن يحق له التذكّر، ومن يُمنح قابلية الحياة داخل النظام العالمي الرقمي، ومن يُدفع تدريجياً إلى محوٍ صامت لا يقل خطورة عن أشكال الإبادة التقليدية، وإن اختلفت أدواته ومنطقه وآليات اشتغاله.. فماذا نحن فاعلون؟
الدين والعلمانية.. أيهما يشكل الهوية الإسرائيلية؟
مع تنامي مظاهر الصبغة الدينية لدولة الاحتلال الإسرائيلي يتكرر السؤال ذاته عن طبيعة هوية الدولة المزعومة، هل هي... اقرأ المزيد
33
| 27 يونيو 2026
طبت وطاب جرحك يا فيصل
(عندما قطع الملك فيصل مد البترول في حرب أكتوبر وقال قولته المشهورة: عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن... اقرأ المزيد
36
| 27 يونيو 2026
المتقاعدون.. وتحديات المعيشة والتكريم
حين يكرم المتقاعد الذي أمضى سنوات من عمره في خدمة وطنة، خاصةً الرعيل الأول الذي لم يقس عمله... اقرأ المزيد
39
| 27 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4551
| 21 يونيو 2026
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4284
| 23 يونيو 2026
قِيل لي كثيرًا إن: "غالبية الناس لا تفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية". ويقولون إن الضرر عندما ينتج من مضاعفات طبية محتملة الوقوع ومتعارف عليها لا يسأل الطبيب عن خطأ طبي. ويحق لنا أن نتساءل قليلًا هنا، ألا يمكن أن تنشأ مضاعفات طبية بسبب تقصير أو إهمال من الطبيب؟ هل هذا التقسيم يخدم نظام المسؤولية الطبية ويعززها؟ أم أنه سيكون مهربًا وطريقًا يسلكه الأطباء للإفلات من المسؤولية؟ برأيي أنه لا فائدة تُذكر من تقسيم مثل هذا! بل إن هذا التقسيم بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية سيؤدي إلى إفلات المقصرين والمتسببين بالضرر الطبي من المسؤولية الطبية، ويحرم المريض المتضرر من الحصول على تعويض يجبر ضرره بحجة أن الضرر الواقع كان ناجمًا عن مضاعفات طبية، إذ إن الطبيب يسأل عن تقصيره بغض النظر عما إذا كان الضرر ناجمًا عن مضاعفات طبية من عدمه، كما أن الطبيب يسأل حتى لو كان الضرر ناتجًا عن نشوء مضاعفات طبية متعارف عليها في حالة عدم تبصير المريض بها قبل التدخل الطبي. فالعبرة إذن بثبوت التقصير على وجه اليقين وليس بالنظر إلى التقسيم بين المضاعفات والأخطاء الطبية. غير أن الطبيب لا يسأل عند تعرض المريض لمضاعفات طبية متعارف عليها بين الأطباء بشرط بذل العناية الصادقة واللازمة لشفاء المريض. وقد وُفِّقت محكمة التمييز القطرية في حكمها رقم 241/2013 الصادر بتاريخ 7 يناير 2014 عندما قضت بأنه "ولا ينفي الخطأ عن الطبيب المعالج ما تضمنه تقرير الخبير المؤرخ 11/11/2012 المقدم أمام محكمة الاستئناف من أن المضاعفات التي طرأت على العين عقب إجراء العملية هي من قبيل المضاعفات الطبية المتعارف عليها، ذلك أن هذه المضاعفات قد تنجم عن خطأ وقع أثناء إجراء العملية ويمكن للطبيب المعالج تداركها أثناء فترة المتابعة"، وذلك في واقعة تتلخص في أن مريضا أجرى عملية جراحية بعينه اليمنى لإزالة المياه البيضاء وزرع عدسة، وبعد عودته إلى منزله شعر بآلام شديدة بالعين حيث تبين بعد مراجعته للطبيب المعالج وجود نزيف داخلي بالعين نتيجة سقوط أجزاء من العدسة الطبية داخل تجويف العين، وهو ما أدى إلى تدمير خلايا القرنية ويهدده بفقدان البصر بها، وقد قضت محكمة الاستئناف برفض الدعوى باعتبار الضرر من قبيل المضاعفات المتعارف عليها، غير أن محكمة التمييز أرست مبدأً يتمثل في أن المضاعفات قد تنجم عن خطأ، واعتبرت بأن المضاعفات التي وقعت للمريض المتضرر من قبيل المضاعفات الناتجة عن خطأ الطبيب. وخلاصة القول إن العبرة ليست في التقسيم بين المضاعفات الطبية والخطأ الطبي، بل بثبوت تقصير الطبيب على وجه اليقين، ذلك أن المضاعفات قد تنجم من خطأ طبي وقد تنشأ دون تقصير من جانب الطبيب. والله من وراء القصد..
1692
| 21 يونيو 2026