رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القانون في سوريا يحمي الظلم والظلمة والشبيحة ويجيز تعذيب وقتل الناس
نحن اليوم أمام جلال مدينة حمص السورية العريقة الواقعة وسط سورية وعدد سكانها دون الريف مليون نسمة، حمص التي كانت في التاريخ الروماني عاصمة البلاد في عهد أسرة سيفيريوس ثم ضمت إلى أخواتها من المدن في الفتح الإسلامي موحدة لرب العالمين حتى رضي العديد من المسيحيين الرومان البقاء فيها تحت ظل هذا الفتح الرحيم العادل وتخلصا من مظالم قومهم، حمص التي عرفت صلاح الدين الأيوبي وقلعة أسامة على نهر العاصي الشهير وأنجبت العلماء والأدباء والشعراء قديما وحديثا من ديك الجن إلى أمين الجندي إلى العالم الأديب محيي الدين درويش، إضافة إلى جمهرة غفيرة من المفكرين والفلاسفة والساسة المعروفين بالفقه السياسي والشرعي مثل خالد الأتاسي صاحب مجلة الأحكام العدلية وهاشم الأتاسي الرئيس المعروف وكذلك نور الدين الأتاسي الذي كان رئيسا وكان وزير دفاعه حافظ الأسد الذي انقض عليه ورماه في السجن إلى أن مات بغض النظر عن تقويمه ومن حمص طلع الرجل التاريخي المجدد من زعماء الإخوان المسلمين الدكتور مصطفى السباعي، ومنها ينحدر الرجل المقاوم ضد الاستبداد في عصرنا حيث سجن لمدة سنين طويلة وهو السجين الأشهر في سوريا من الساسة أصحاب الرأي تقريبا الناشط رياض الترك لأنه وصف حافظ الأسد يومها بالدكتاتور ووقف ضد ابنه بشار كذلك. وهكذا فالثقافة والمثقفون في حمص لا يعدون وإنما أتينا بأمثلة منهم، هذه هي حمص من جهة، أما من جهة أخرى فلا ننسى أنها مدينة ابن الوليد خالد رضي الله عنه وهو أبو سليمان الذي لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة سيف الله المسلول القائد الذي ضرب المثل في المغامرات والخطط الحربية وكذلك الخطابة والفصاحة وكان رجلا مطواعا قبل عزل عمر له عن القيادة وقال: إنني أقاتل من أجل رب عمر لا من أجل عمر، وقال عمر والله ما عزلته إلا لأنني خشيت أن يفتن الناس به لكثرة انتصاراته وهيبته وتأثيره العجيب ثم أعاده فرفض وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يسلم خالد فقال لأخيه الوليد إذ زاره أين خالد، قال: يأتي به الله إن شاء لو جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقدمناه على غيره وهكذا أسلوب رسول الله في الدعوة وكان ذلك سببا لإسلام خالد الذي طلب من الرسول أن يستغفر له فاستغفر له واشترك في حرب المرتدين زمن أبي بكر رضي الله عنه ولما أصر قادة الروم على حرب المسلمين قال أبوبكر والله لأشفين وساوسهم بخالد وقد أوقف الناس في معركة اليرموك خلف الرجال كيلا يفر أحد، وقد فتح الله على يديه الشام وكان ينادي من يبايع على الموت هبي ريح الجنة وقال عنه أبوبكر: عجزت النسا أن يلدن مثل خالد ووصفه الحافظ ابن كثير بأنه الرجل الذي لا ينام ولا يترك أحدا ينام، خالد الذي أجاب ماهان قائد الروم إذ قال له إذا كان الذي أخرجكم من بلادكم الجوع أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما إنه لم يخرجنا الجوع ولكننا قوم نشرب الدماء وقد علمنا أنه لا دم أشهى وأطيب من دم الروم فجئنا، روى الإمام أحمد في المسند ورجاله ثقات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم عبد العشيرة وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين، روى عن النبي ثمانية عشر حديثا منها: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشد الناس عذابا للناس في الدنيا ولما حضرته الوفاة قال: شهدت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء، مات في حمص عام 21 للهجرة.
وإن ننسى لا ننسى أن خططه العسكرية قد ألفت فيها كتب كثيرة أهمها كتاب خالد بن الوليد لمحمد الصادق عرجون وتدرس هذه الخطط في جامعات ألمانيا وانجلترا، إن هذا الصحابي العبقري البطل الموهوب الذي لا يمكن أن يتوقع أن يكون خلف المسلمين خاصة في مدينة حمص من يتقاعسون عن الجهاد والاستشهاد وهو ما يتم حقا في الواقع فكم قدمت حمص من شهداء في ثمانينيات القرن الماضي، حيث شهدت مواجهات كبيرة مع أزلام حافظ الأسد وتعرضت لمجازر بشعة آنذاك حيث آزرت مدينة حماة الشهيدة التي راح ضحية مجازرها نحو خمسين ألفا حتى وصفت بمأساة العصر، وما كان خالد يتوقع أن يقعد الكثير من الأحرار والشرفاء عن مؤازرتها اليوم ولكن هذا ما يحدث فهي تتعرض الآن لمجازر وحشية وفظائع لا مثيل لها وكما عبر أحد المتحدثين منها مع قناة الجزيرة أنها غدت مستباحة، فالرمي بالقذائف على منارات المساجد أولها ودهم البيوت وانتهاك الحرمات تاليها وقد شهدنا بأعيننا مناظر جنود الأمن وهم يعتلون المنازل ويفتحون الأبواب ويهرعون بأسلحتهم داخل المنازل حتى جاء في حديث القنوات صوت امرأة تستغيث بالله وهي تدعو: الله اكفنيهم بما شئت وكيف شئت وتكرر هذا مرارا، إنها مشاهد كنا قد ألفناها في الثمانينيات من إجرام هذه العصابة التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة وهل يستغرب هذا من قوم لا يردعهم دين ولا خلق ولا مبدأ ولا قيم ولا حقوق إنسان، إنهم وحوش ضارية وأصحاب همجية ما فوقها همجية ولا غرابة في ذلك فعلى هذا نشأوا وعلى الحقد تربوا، لو أن هؤلاء القوم يخافون الله وما أعد للمجرمين الذين يعذبون الناس ما فعلوا ذلك إنه حديث رواه خالد عن رسول الله ذي الكلام المعجز وكيف لا وهو الموحى إليه من ربه أشد الناس عذابا الذين يعذبون الناس في الدنيا، أليسوا جديرين بهذه الصفة الذميمة التي تحمل الرعب والنكال عليهم في الآخرة كما يعذبون المظلومين والأبرياء والمتظاهرين السلميين اليوم الذين لم يرفعوا حتى العصا وإنما يثورون بأصواتهم ويدعون إلى إسقاط النظام وذلك بعد أن أجرى هذا النظام الدماء في سورية أنهارا ليس من الشهداء فقط، بل من الجرحى والمعتقلين والمخطوفين المفقودين الذين لا يعلم أحد أين مصيرهم، ثم يحدثونك عن القانون وعن الحوار وهم قبل غيرهم شر من يدوس القانون إذا تعارض مع مصالحهم ومناصبهم وسلامة كراسيهم وسلطتهم الغاشمة العمياء التي لا تعرف للعدل مكانا وإنما للحل بل أصبحوا يقولون اليوم الحسم الأمني خابوا وخسروا وقد أدرك ذلك المفكر وليام بت عندما قال: عندما يغيب القانون يبدأ الطغيان، فدولتهم المزعومة دولة أشخاص معروفين بعدد الأصابع هم الحاكمون الطائفيون لا دولة قانون، كما يعاني منهم المفكرون وأصحاب الأقلام والناشطون والناشدون للحرية وكما يقول سبينوزا إن القوانين التي تلجم الأفواه وتحطم الأقلام تهدم نفسها بنفسها.
وذلك أن هؤلاء اعتبروا أن سلطتهم فوق القانون أو كما يقول المثل الإيطالي: كلما استنبطوا قانونا جديدا استنبطوا طريقة للتخلص منه فقد ألفوا قانون الطوارئ وفي اليوم نفسه قتلوا المئات واعتقلوا بعده الآلاف وأخذوا يعملون بقانون آخر ظنوا أنه يجيز لهم ذلك.
إن القانون عادة يحمي الحق ولكن القانون عندهم يحمي الظلم والظلمة والشبيحة ويجيز ترويع وتعذيب وقتل الناس ونشر الدبابات والمدرعات والناقلات في الأحياء والمدن والقرى والشوارع واختراق المساجد وتدنيسها وقتل الناس فيها على غرار ما حدث يوم الجمعة الماضي في جمعة أحفاد خالد داخل مسجد آمنة بنت وهب، حيث قفز الشبيحة على المصلين داخل المسجد بكثافة كبيرة واستمروا في ضربهم وهم يحملون السكاكين والبلطات، وحتى قلعوا عين أحد المصلين وبقروا بطنه فاستشهد فورا ورأى العالم هذا المشهد على الفضائيات ولم يعد جامع آمنة آمنا، ثم يحدثونك عن الحوار أي حوار والذبح على الجرار في هذا الشعب المسكين، لقد فطن رئيس اتحاد الطلبة في الشام إلى أن اللقاء التشاوري الذي تم قبل أسبوعين برئاسة فاروق الشرع نائب بشار لم يكن حوارا جادا وأنه ضم ثلة من البعثيين والتابعين لهم من الجبهة الوطنية التقدمية وبعض المعارضة دون الاكتراث بأهل الشأن من المتظاهرين ومن المعارضة الفاعلة ولم يسمع لمن اشترك منها كالمفكر الطيب تيزيني لدرجة أنه لام فاروق الشرع وأنكر عليه، وهكذا من فمك أدنيك، نعم إنهم لا يريدون حوارا بل يريدون كسب الوقت وتخدير المشاعر والإغراء بلعاعة من الدنيا للبعض ولكن المفاجأة مع ذلك جاءتهم من معارضين مشاركين رفضوا إلا الحرية والعدل والحوار الجاد. وعودا على بدء فها هي مدينة ابن الوليد الباسلة تستغيث بكم يا مسلمون ياعرب، أين مشاعر الأخوة الفاعلة عندكم وانتم أيها الحكام أن معظمكم قد بات غير شجاع لنصرة إخوانه والله لو سفك دم قطة خطأ لتأثر الإنسان عليها فكيف وإخوانكم يذبحون، تكسر أضلاعهم وأيديهم ورؤوسهم ويمثل بهم أشد تمثيل أين الغيرة والنخوة، أين العروبة، أين الإيمان يا إخوة الإيمان، أما الجامعة العربية وصاحبها نبيل اللانبيل فعليه من الله ما يستحق لما يرى ويسمع ثم لا ينبس ببنت شفة نصرة لشعب عربي مضطهد وأما أكمل الدين أوغلو زعيم منظمة التعاون الإسلامي فليس أقل منه قعودا وجمودا مع معرفتنا بدينه وخلقه ولكنها السياسة التي تجبر هؤلاء على التبعية لمن وظفوهم ولا يجدون شجاعة أمام المنصب أو المال غالبا.
أما الموقف الدولي فما أظنه إلا من باب ذر الرماد في العيون وهو بهذا المستوى المتدني إنما يعطي الفرصة الكافية لسحق الانتفاضة حتى ترضى إسرائيل التي يصلي رهبانها كما تواترت الأخبار لبقاء حكم بشار الذي حافظ على الهدوء في جبهة الجولان، ويا لها من ممانعة، أفيرضيكم أيها الأحرار أن تتمدد إيران في بلادنا ويتمدد حزب الله ويعينوا الظالم ونظامه وأنتم تتقاعسون حتى في المواقف، إن هؤلاء الطائفيين خاصة في حمص حيث يلعبون على ورقة الطائفية وقد أسكنوا كثيرا منهم في حمص لن ينجحوا لأننا لسنا طائفيين مثلهم ولكننا عشنا ونعيش مع جميع السوريين بكل تسامح وختاما مع الشاعر نزار قباني:
وقبر خالد في حمص نلامسه
فيزحف القبر من زواره غضبا
يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره
فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا
Khaled-hindawi@hotmail.com
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
486
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
595
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
402
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
34695
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6933
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5343
| 13 سبتمبر 2026