رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد الأزمة الاقتصادية حادثاً عابراً يقع خارج النموذج ثم ينتهي؛ بل أصبحت جزءاً من البيئة التي يُصنع داخلها القرار الاقتصادي. لذلك يتغير السؤال من:
كيف نتجنب الأزمة؟ إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نواصل إنتاج القيمة عندما تتغير شروط التشغيل، ومن يتحمل تكلفة الصدمة إذا وقعت؟ من هنا يبرز
«اقتصاد الاستمرارية» باعتباره انتقالاً من إدارة الطوارئ إلى بناء قدرة اقتصادية على امتصاص الصدمات، ومواصلة النشاط، وإعادة تخصيص الموارد،
ثم التعافي بأقل خسارة ممكنة. في الخليج، تكتسب المسألة وزناً مضاعفاً. فقد راكمت دول المنطقة قدرات مالية وبنية تحتية متقدمة وموانئ ومطارات عالمية،
واستثمرت في التنويع والرقمنة والقطاعات غير النفطية. لكن البيئة الراهنة كشفت مفارقة اقتصادية دقيقة: امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك المرونة.
فقد يكون الاقتصاد غنياً بالأصول، لكنه مكلفاً عند التعطل إذا كانت وظائفه الحيوية تعتمد على ممر تجاري أو مورد أو شبكة لوجستية أو بنية تقنية يصعب استبدالها.
ويعكس تراجع توقعات النمو الخليجي في ظل الصدمات الإقليمية والعالمية حقيقة أن انتقال الصدمة لا يتوقف عند قطاع بعينه، بل يمتد إلى التجارة والاستثمار والطاقة والثقة الاقتصادية.
ومن هنا تبدأ المقاربة النقدية: الأزمة لا تُقاس بحجم الخسارة فقط، بل بمن يتحمل فاتورتها وكيف تُوزع عبر الاقتصاد. فعندما ترتفع كلفة الشحن والتأمين، هل تمتصها هوامش المنتج،
أم تنتقل إلى المستهلك، أم يتحملها المورد؟ وعندما يتعطل الإنتاج، من يدفع تكلفة الأجور والسيولة والعقود؟ وعندما تطول الأزمة، هل تُستهلك الاحتياطيات، أم تتراجع الاستثمارات،
أم تنتقل التكلفة إلى المديونية والأسعار؟ هذه ليست أسئلة محاسبية؛ إنها أسئلة تتصل بكفاءة توزيع الصدمة وبقدرة الاقتصاد على منع الخسارة من التضاعف.
ولهذا فإن استمرارية الأعمال ليست مجرد قدرة على البقاء، بل آلية لتقليل تكلفة الصدمة وتوزيعها عبر الزمن. المؤسسة التي تمتلك سيولة احتياطية تستطيع امتصاص
التعطل دون تحميل تكلفته فوراً للموردين والموظفين والعملاء. والشركة التي تمتلك مورداً بديلاً تمنع اضطراب المدخلات من التحول إلى توقف إنتاجي. والاقتصاد الذي يمتلك مسارات لوجستية متعددة يقلل انتقال تكلفة الاختناق من نقطة واحدة إلى قطاعات واسعة. وهكذا تصبح المرونة وسيلة لحماية التدفقات النقدية والإنتاج، وفي الوقت نفسه لتقليص التكلفة الاقتصادية الكلية للأزمة. وهنا يظهر مفهوم رأس مال الاستمرارية: السيولة الاحتياطية، والمخزون الحرج، وتعدد الموردين، والبدائل اللوجستية، والبيانات القابلة للاستعادة، والبنية السحابية، والمهارات المتعددة، والتأمين، وخطط التعافي. قد تبدو هذه العناصر تكلفة إضافية في زمن الاستقرار، لكنها في اقتصاد المخاطر تمثل سعر التأمين على القدرة الإنتاجية. فالاحتفاظ بمورد بديل أو طاقة احتياطية قد يخفض الكفاءة اللحظية، لكنه قد يخفض خسارة الانقطاع بأضعاف ذلك. وهنا تتجلى إحدى مفارقات الاقتصاد الحديث: الكفاءة القصوى قد تنتج هشاشة قصوى. تقليل المخزون إلى الحد الأدنى، والاعتماد على المورد الأرخص، وربط الإنتاج بمسار لوجستي واحد، كلها قرارات عقلانية في بيئة مستقرة؛ لكنها تصبح مكلفة عندما تتعرض الشبكة للصدمة. لذلك لم يعد معيار الكفاءة «أقل تكلفة ممكنة»، بل أفضل توازن بين الكفاءة والمرونة؛ أي تعظيم العائد بعد احتساب تكلفة التعطل المحتملة. وفي الخليج، تعيد اضطرابات التجارة والطاقة والممرات البحرية صياغة هذه المعادلة. فارتفاع تكلفة النقل والتأمين لا يبقى في قطاع اللوجستيات؛ بل ينتقل إلى تكلفة المخزون ورأس المال العامل والتسعير والإنتاج. وقد شدد صندوق النقد الدولي على أهمية تعزيز مرونة سلاسل الإمداد والبنية التحتية وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الحرجة ضمن مسار تعزيز قدرة الاقتصادات الخليجية على مواجهة الصدمات (صندوق النقد، 2026). لذلك فإن الموانئ والمطارات والمخازن والمسارات البديلة ليست مجرد بنية تحتية، بل أصولاً اقتصادية لخفض تكلفة الصدمة. وتصبح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحلقة الأكثر حساسية؛ لأنها الأقل قدرة على تحمل توقف طويل والأسرع تعرضاً لضغط رأس المال العامل. لذلك ينبغي أن تدخل استمرارية الأعمال في صميم نموذجها المالي: احتياطي نقدي محسوب وفق زمن التعافي، مخزون للمدخلات الحرجة، موردون بدلاء، تأمين مناسب، نسخ احتياطية للبيانات، أمن سيبراني، عقود مرنة، وقنوات رقمية للبيع والتحصيل. وهنا تتحول الاستمرارية من «تكلفة إدارية» إلى استثمار في حماية التدفق النقدي واستدامة النشاط. أما التحول الرقمي، فيمنح اقتصاد الاستمرارية بعداً جديداً. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية تستطيع التنبؤ بالاختناقات، وإعادة توجيه الموارد، وتقليص زمن الاستجابة، والمحافظة على الخدمات عند تعطل القنوات التقليدية. لكن الرقمنة نفسها قد تتحول إلى نقطة هشاشة إذا غابت النسخ الاحتياطية وخطط التعافي؛ ولذلك فإن المرونة الرقمية لا تعني رقمنة العمليات فقط، بل ضمان قابليتها للاستعادة. كما أن رأس المال البشري يظل عنصراً حاسماً؛ فالمعرفة التشغيلية التي تحتفظ بها المهارات والخبرات تمثل أصلاً مؤسسياً يجب حمايته بالتدريب وتعدد المهارات وخطط التعاقب. ولا تتوقف الاستمرارية عند حدود المؤسسة؛ فالمرونة الحقيقية هي مرونة المنظومة. فاستمرارية المصنع تعتمد على الطاقة والنقل والموانئ والتمويل والاتصالات، واستمرارية الغذاء تعتمد على الاستيراد والتخزين والتوزيع، واستمرارية الخدمات تعتمد على البيانات والمهارات والبنية الرقمية. لذلك فإن تنويع الاقتصاد لا ينبغي أن يُقاس بعدد القطاعات وحده، بل بعدد نقاط الاختناق المشتركة بينها. فقد يتنوع النشاط، بينما تظل المخاطر مركزة في بنية واحدة. وتنسجم هذه المقاربة مع ما خلصت إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مراجعتها الحديثة لمرونة سلاسل الإمداد: المرونة لا تعني إزالة المخاطر، وإنما بناء القدرة على التكيف والرشاقة وإعادة تشكيل الشبكات عند الاضطراب (OECD، 2025). وبذلك يصبح السؤال الاستراتيجي ليس كيف نحافظ على النموذج كما هو، وإنما كيف نعيد تشكيله بسرعة عندما تتغير البيئة الاقتصادية. ومن هنا ينبغي إعادة تعريف الاستدامة الاقتصادية. فمعدل النمو وحده لا يكشف قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمة. الأهم: ما عمق الانكماش؟ كم بلغت تكلفة التعطل؟ من تحملها؟ كم استغرق التعافي؟ وهل خرج الاقتصاد بقدرة إنتاجية أقوى أم بهوامش مالية أضعف؟ هذه الأسئلة تنقل الاستدامة من قياس النمو إلى قياس القدرة على حماية النمو. وقد أظهرت تجارب الأزمات أن سرعة التعافي ترتبط بقدرة المؤسسات على إعادة تخصيص الموارد، وبمرونة التمويل، وبقوة البنية التحتية وسلاسل القيمة. ويمتلك الخليج مقومات مهمة لبناء اقتصاد الاستمرارية: القدرات المالية، والبنية التحتية، والموقع التجاري، والقدرات اللوجستية، والاستثمار التقني، والصناديق الاستثمارية، واتساع القطاعات غير النفطية. لكن الميزة المستقبلية لن تكون في حجم الموارد وحده، بل في قابليتها للتعبئة وإعادة التوظيف أثناء الصدمة. فالأصل الاقتصادي لا تُقاس قيمته بما ينتجه في الرخاء فقط، بل بما يحميه عندما تتغير الظروف. ولهذا فإن كل مسار لوجستي بديل، وكل نظام بيانات قابل للاستعادة، وكل مورد ثانٍ، وكل احتياطي سيولة، يمثل استثماراً في القدرة على استمرار النشاط. لذلك ينبغي أن تصبح استمرارية الأعمال مؤشراً اقتصادياً في تقييم المؤسسات والمشروعات والاستثمارات، يقاس بزمن التعافي، وتكلفة التوقف، وقدرة التدفقات النقدية على الصمود، وتعدد البدائل، وسرعة إعادة تخصيص الموارد. فالاستدامة الحقيقية ليست منع الأزمة، فهذا غير ممكن؛ وإنما منع الأزمة من مضاعفة نفسها. وهنا تتحول إدارة الاستمرارية من وظيفة دفاعية إلى أداة لاتخاذ القرار الاستثماري وتحديد أولويات رأس المال. ويكتسب هذا التوجه بعداً مؤسسياً حين تُدار الاستمرارية باعتبارها نظاماً متكاملاً للتخطيط والاستجابة والتعافي والتحسين، لا مجرد خطة طوارئ منفصلة؛ وهو جوهر فلسفة معيار استمرارية الأعمال ISO 22301 في ربط حماية الوظائف الحيوية بقدرة المؤسسة على الاستمرار والتعافي (ISO 22301، 2019). وفي المحصلة، «اقتصاد الاستمرارية» هو اقتصاد يعترف بأن لكل صدمة فاتورة، وأن السؤال الأكثر نضجاً ليس فقط: كم خسرنا؟ بل من دفع، ومن كان يستطيع أن يدفع أقل، وما الاستثمار الذي كان يمكن أن يخفض الفاتورة قبل وقوع الأزمة؟ عند هذه النقطة تتحول السيولة والمورد البديل والمخزون والبيانات والمهارات والبنية اللوجستية إلى رأس مال واحد: رأس مال القدرة على الاستمرار. وهذه هي المعادلة الخليجية الأهم: لا تُقاس الاستدامة بقدرة الاقتصاد على النمو في زمن الاستقرار فقط، بل بقدرته على حماية القيمة، وتقليل تكلفة الصدمة، وتوزيع أعبائها بكفاءة، ثم استعادة النمو بأسرع وقت وأقل خسارة. فاقتصاد المستقبل ليس الاقتصاد الذي لا يتعرض للأزمة، وإنما الاقتصاد الذي يعرف كيف يدفع ثمنها بأقل تكلفة ممكنة، ويخرج منها بقدرة أكبر على الاستمرار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10386
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3216
| 10 سبتمبر 2026