رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

habbsalah@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

321

د. صلاح أحمد الحبو

اقتصاد الاستمرارية: مقاربة خليجية للاستدامة في زمن الأزمات

25 أغسطس 2026 , 11:24م

لم تعد الأزمة الاقتصادية حادثاً عابراً يقع خارج النموذج ثم ينتهي؛ بل أصبحت جزءاً من البيئة التي يُصنع داخلها القرار الاقتصادي. لذلك يتغير السؤال من:

كيف نتجنب الأزمة؟ إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نواصل إنتاج القيمة عندما تتغير شروط التشغيل، ومن يتحمل تكلفة الصدمة إذا وقعت؟ من هنا يبرز

«اقتصاد الاستمرارية» باعتباره انتقالاً من إدارة الطوارئ إلى بناء قدرة اقتصادية على امتصاص الصدمات، ومواصلة النشاط، وإعادة تخصيص الموارد،

ثم التعافي بأقل خسارة ممكنة. في الخليج، تكتسب المسألة وزناً مضاعفاً. فقد راكمت دول المنطقة قدرات مالية وبنية تحتية متقدمة وموانئ ومطارات عالمية،

واستثمرت في التنويع والرقمنة والقطاعات غير النفطية. لكن البيئة الراهنة كشفت مفارقة اقتصادية دقيقة: امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك المرونة.

فقد يكون الاقتصاد غنياً بالأصول، لكنه مكلفاً عند التعطل إذا كانت وظائفه الحيوية تعتمد على ممر تجاري أو مورد أو شبكة لوجستية أو بنية تقنية يصعب استبدالها.

ويعكس تراجع توقعات النمو الخليجي في ظل الصدمات الإقليمية والعالمية حقيقة أن انتقال الصدمة لا يتوقف عند قطاع بعينه، بل يمتد إلى التجارة والاستثمار والطاقة والثقة الاقتصادية.

ومن هنا تبدأ المقاربة النقدية: الأزمة لا تُقاس بحجم الخسارة فقط، بل بمن يتحمل فاتورتها وكيف تُوزع عبر الاقتصاد. فعندما ترتفع كلفة الشحن والتأمين، هل تمتصها هوامش المنتج،

أم تنتقل إلى المستهلك، أم يتحملها المورد؟ وعندما يتعطل الإنتاج، من يدفع تكلفة الأجور والسيولة والعقود؟ وعندما تطول الأزمة، هل تُستهلك الاحتياطيات، أم تتراجع الاستثمارات،

أم تنتقل التكلفة إلى المديونية والأسعار؟ هذه ليست أسئلة محاسبية؛ إنها أسئلة تتصل بكفاءة توزيع الصدمة وبقدرة الاقتصاد على منع الخسارة من التضاعف.

ولهذا فإن استمرارية الأعمال ليست مجرد قدرة على البقاء، بل آلية لتقليل تكلفة الصدمة وتوزيعها عبر الزمن. المؤسسة التي تمتلك سيولة احتياطية تستطيع امتصاص

التعطل دون تحميل تكلفته فوراً للموردين والموظفين والعملاء. والشركة التي تمتلك مورداً بديلاً تمنع اضطراب المدخلات من التحول إلى توقف إنتاجي. والاقتصاد الذي يمتلك مسارات لوجستية متعددة يقلل انتقال تكلفة الاختناق من نقطة واحدة إلى قطاعات واسعة. وهكذا تصبح المرونة وسيلة لحماية التدفقات النقدية والإنتاج، وفي الوقت نفسه لتقليص التكلفة الاقتصادية الكلية للأزمة. وهنا يظهر مفهوم رأس مال الاستمرارية: السيولة الاحتياطية، والمخزون الحرج، وتعدد الموردين، والبدائل اللوجستية، والبيانات القابلة للاستعادة، والبنية السحابية، والمهارات المتعددة، والتأمين، وخطط التعافي. قد تبدو هذه العناصر تكلفة إضافية في زمن الاستقرار، لكنها في اقتصاد المخاطر تمثل سعر التأمين على القدرة الإنتاجية. فالاحتفاظ بمورد بديل أو طاقة احتياطية قد يخفض الكفاءة اللحظية، لكنه قد يخفض خسارة الانقطاع بأضعاف ذلك. وهنا تتجلى إحدى مفارقات الاقتصاد الحديث: الكفاءة القصوى قد تنتج هشاشة قصوى. تقليل المخزون إلى الحد الأدنى، والاعتماد على المورد الأرخص، وربط الإنتاج بمسار لوجستي واحد، كلها قرارات عقلانية في بيئة مستقرة؛ لكنها تصبح مكلفة عندما تتعرض الشبكة للصدمة. لذلك لم يعد معيار الكفاءة «أقل تكلفة ممكنة»، بل أفضل توازن بين الكفاءة والمرونة؛ أي تعظيم العائد بعد احتساب تكلفة التعطل المحتملة. وفي الخليج، تعيد اضطرابات التجارة والطاقة والممرات البحرية صياغة هذه المعادلة. فارتفاع تكلفة النقل والتأمين لا يبقى في قطاع اللوجستيات؛ بل ينتقل إلى تكلفة المخزون ورأس المال العامل والتسعير والإنتاج. وقد شدد صندوق النقد الدولي على أهمية تعزيز مرونة سلاسل الإمداد والبنية التحتية وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الحرجة ضمن مسار تعزيز قدرة الاقتصادات الخليجية على مواجهة الصدمات (صندوق النقد، 2026). لذلك فإن الموانئ والمطارات والمخازن والمسارات البديلة ليست مجرد بنية تحتية، بل أصولاً اقتصادية لخفض تكلفة الصدمة. وتصبح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحلقة الأكثر حساسية؛ لأنها الأقل قدرة على تحمل توقف طويل والأسرع تعرضاً لضغط رأس المال العامل. لذلك ينبغي أن تدخل استمرارية الأعمال في صميم نموذجها المالي: احتياطي نقدي محسوب وفق زمن التعافي، مخزون للمدخلات الحرجة، موردون بدلاء، تأمين مناسب، نسخ احتياطية للبيانات، أمن سيبراني، عقود مرنة، وقنوات رقمية للبيع والتحصيل. وهنا تتحول الاستمرارية من «تكلفة إدارية» إلى استثمار في حماية التدفق النقدي واستدامة النشاط. أما التحول الرقمي، فيمنح اقتصاد الاستمرارية بعداً جديداً. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية تستطيع التنبؤ بالاختناقات، وإعادة توجيه الموارد، وتقليص زمن الاستجابة، والمحافظة على الخدمات عند تعطل القنوات التقليدية. لكن الرقمنة نفسها قد تتحول إلى نقطة هشاشة إذا غابت النسخ الاحتياطية وخطط التعافي؛ ولذلك فإن المرونة الرقمية لا تعني رقمنة العمليات فقط، بل ضمان قابليتها للاستعادة. كما أن رأس المال البشري يظل عنصراً حاسماً؛ فالمعرفة التشغيلية التي تحتفظ بها المهارات والخبرات تمثل أصلاً مؤسسياً يجب حمايته بالتدريب وتعدد المهارات وخطط التعاقب. ولا تتوقف الاستمرارية عند حدود المؤسسة؛ فالمرونة الحقيقية هي مرونة المنظومة. فاستمرارية المصنع تعتمد على الطاقة والنقل والموانئ والتمويل والاتصالات، واستمرارية الغذاء تعتمد على الاستيراد والتخزين والتوزيع، واستمرارية الخدمات تعتمد على البيانات والمهارات والبنية الرقمية. لذلك فإن تنويع الاقتصاد لا ينبغي أن يُقاس بعدد القطاعات وحده، بل بعدد نقاط الاختناق المشتركة بينها. فقد يتنوع النشاط، بينما تظل المخاطر مركزة في بنية واحدة. وتنسجم هذه المقاربة مع ما خلصت إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مراجعتها الحديثة لمرونة سلاسل الإمداد: المرونة لا تعني إزالة المخاطر، وإنما بناء القدرة على التكيف والرشاقة وإعادة تشكيل الشبكات عند الاضطراب (OECD، 2025). وبذلك يصبح السؤال الاستراتيجي ليس كيف نحافظ على النموذج كما هو، وإنما كيف نعيد تشكيله بسرعة عندما تتغير البيئة الاقتصادية. ومن هنا ينبغي إعادة تعريف الاستدامة الاقتصادية. فمعدل النمو وحده لا يكشف قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمة. الأهم: ما عمق الانكماش؟ كم بلغت تكلفة التعطل؟ من تحملها؟ كم استغرق التعافي؟ وهل خرج الاقتصاد بقدرة إنتاجية أقوى أم بهوامش مالية أضعف؟ هذه الأسئلة تنقل الاستدامة من قياس النمو إلى قياس القدرة على حماية النمو. وقد أظهرت تجارب الأزمات أن سرعة التعافي ترتبط بقدرة المؤسسات على إعادة تخصيص الموارد، وبمرونة التمويل، وبقوة البنية التحتية وسلاسل القيمة. ويمتلك الخليج مقومات مهمة لبناء اقتصاد الاستمرارية: القدرات المالية، والبنية التحتية، والموقع التجاري، والقدرات اللوجستية، والاستثمار التقني، والصناديق الاستثمارية، واتساع القطاعات غير النفطية. لكن الميزة المستقبلية لن تكون في حجم الموارد وحده، بل في قابليتها للتعبئة وإعادة التوظيف أثناء الصدمة. فالأصل الاقتصادي لا تُقاس قيمته بما ينتجه في الرخاء فقط، بل بما يحميه عندما تتغير الظروف. ولهذا فإن كل مسار لوجستي بديل، وكل نظام بيانات قابل للاستعادة، وكل مورد ثانٍ، وكل احتياطي سيولة، يمثل استثماراً في القدرة على استمرار النشاط. لذلك ينبغي أن تصبح استمرارية الأعمال مؤشراً اقتصادياً في تقييم المؤسسات والمشروعات والاستثمارات، يقاس بزمن التعافي، وتكلفة التوقف، وقدرة التدفقات النقدية على الصمود، وتعدد البدائل، وسرعة إعادة تخصيص الموارد. فالاستدامة الحقيقية ليست منع الأزمة، فهذا غير ممكن؛ وإنما منع الأزمة من مضاعفة نفسها. وهنا تتحول إدارة الاستمرارية من وظيفة دفاعية إلى أداة لاتخاذ القرار الاستثماري وتحديد أولويات رأس المال. ويكتسب هذا التوجه بعداً مؤسسياً حين تُدار الاستمرارية باعتبارها نظاماً متكاملاً للتخطيط والاستجابة والتعافي والتحسين، لا مجرد خطة طوارئ منفصلة؛ وهو جوهر فلسفة معيار استمرارية الأعمال ISO 22301 في ربط حماية الوظائف الحيوية بقدرة المؤسسة على الاستمرار والتعافي (ISO 22301، 2019). وفي المحصلة، «اقتصاد الاستمرارية» هو اقتصاد يعترف بأن لكل صدمة فاتورة، وأن السؤال الأكثر نضجاً ليس فقط: كم خسرنا؟ بل من دفع، ومن كان يستطيع أن يدفع أقل، وما الاستثمار الذي كان يمكن أن يخفض الفاتورة قبل وقوع الأزمة؟ عند هذه النقطة تتحول السيولة والمورد البديل والمخزون والبيانات والمهارات والبنية اللوجستية إلى رأس مال واحد: رأس مال القدرة على الاستمرار. وهذه هي المعادلة الخليجية الأهم: لا تُقاس الاستدامة بقدرة الاقتصاد على النمو في زمن الاستقرار فقط، بل بقدرته على حماية القيمة، وتقليل تكلفة الصدمة، وتوزيع أعبائها بكفاءة، ثم استعادة النمو بأسرع وقت وأقل خسارة. فاقتصاد المستقبل ليس الاقتصاد الذي لا يتعرض للأزمة، وإنما الاقتصاد الذي يعرف كيف يدفع ثمنها بأقل تكلفة ممكنة، ويخرج منها بقدرة أكبر على الاستمرار.

مساحة إعلانية