رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

318

د. فاطمة سعد النعيمي

الغش إشكالية أخلاقية تهدد نزاهة التعليم

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

يمثل الغش في الامتحانات إحدى الإشكاليات الأخلاقية التي تواجه المؤسسات التعليمية، لما ينطوي عليه من إخلال بمبادئ النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص. ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على حصول الطالب على درجات لا تعكس مستواه المعرفي، بل تمتد إلى تقويض مصداقية المؤهلات العلمية وإضعاف الثقة في مخرجات العملية التعليمية. ومن ثم، فإن الغش ليس مجرد مخالفة للوائح الامتحانات، وإنما سلوك يتعارض مع القيم المؤسسة للمسؤولية الفردية والاجتماعية.

وتحتل الأمانة موقعًا محوريًا في تنظيم العلاقات الإنسانية، إذ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. ويقتضي هذا المبدأ أن يعكس الأداء في الامتحان المعرفة الفعلية والجهد الشخصي، بعيدًا عن التحايل أو الاستعانة بوسائل غير مشروعة. فالحصول على درجات مرتفعة عن طريق الغش يمثل إخلالًا بالأمانة العلمية، ويؤدي إلى تقديم صورة مضللة عن الكفاءة الحقيقية للطالب.

ويرتبط الغش كذلك بمفهوم العدالة، الذي يشكل ركيزة أساسية في بناء المجتمعات واستقرار مؤسساتها. وقد حذّر القرآن الكريم من التطفيف بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1]. وإذا كان التطفيف في سياقه المباشر يتعلق ببخس الحقوق في الكيل والميزان، فإن المبدأ الأخلاقي المستفاد منه يؤكد ضرورة الإنصاف ورفض الاستيلاء على ما لا يستحقه الإنسان. وفي هذا الإطار، يخل الغش بتكافؤ الفرص بين المتعلمين، ويمنح أفضلية غير مستحقة على حساب الجهد والجدارة.

وتتجاوز آثار هذه الممارسة النتائج الفردية لتطال المجتمع بأكمله؛ إذ إن التساهل مع الغش قد يسهم في تخريج أفراد يحملون مؤهلات لا تتناسب مع قدراتهم العلمية والمهنية. وتزداد خطورة ذلك في التخصصات التي ترتبط مباشرة بحياة الإنسان وسلامته وحقوقه، حيث تصبح الكفاءة الفعلية ضرورة لا يمكن التعويض عنها بالشهادات الشكلية.

وتتطلب معالجة هذه الظاهرة مقاربة متكاملة تجمع بين تطوير آليات التقييم، وتعزيز النزاهة الأكاديمية، وترسيخ المسؤولية الذاتية. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الرقابة الداخلية الذي يؤكده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، بوصفه أساسًا أخلاقيًا يوجّه السلوك حتى في غياب الرقابة الخارجية.

إن مواجهة الغش في الامتحانات ليست مسؤولية إجرائية فحسب، بل قضية تتصل بجودة التعليم ومصداقية المعرفة ومستقبل المجتمع. فالقيمة الحقيقية للنجاح لا تكمن في الدرجة المحققة، وإنما في استحقاقها، وفيما تعكسه من علم وكفاءة ونزاهة. ومن هنا، فإن حماية الامتحانات من الغش تمثل حماية لمبدأ الاستحقاق، وترسيخًا لثقافة تجعل الأمانة شرطًا أصيلًا للتميز العلمي والمهني.

مساحة إعلانية