رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

102

د. أحمد المحمدي

أَعْيَاكَ مَنْ لَمْ يُشَاكِلْك

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في «رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ» يقول ابن حبان: «وَالَّذِي يَزْدَادُ بِهِ الْعَاقِلُ مِنْ نَمَاءِ عَقْلِهِ: التَّقَرُّبُ مِنْ أَشْكَالِهِ، وَالتَّبَاعُدُ مِنْ أَضْدَادِهِ».

فليست المشاكلة أن تجد نسخة منك تردد أقوالك، وتوافقك في كل رأي؛ فمثل هذا التشابه قد يريح العقل، لكنه لا ينميه. وإنما المشاكلة أن تتقارب الأصول وإن اختلفت الفروع، وأن تتآلف القيم وإن تنوعت الطباع، وأن يجتمع قلبان على الصدق والوفاء وحسن الظن، ولو اختلفت طرائق النظر والتعبير. فالمشاكل لك ليس من يرى بعينك، بل من يحفظ لك حقك حين يرى ما لا تراه.

ومن أجمل ثمار المشاكلة أن يأمن الإنسان أن يظهر أمام صاحبه على حقيقته، فلا يزن كلماته خوفا من التأويل، ولا يخفي ضعفه خشية الاحتقار، ولا يتكلف هيئة ترضي صاحبه وتخالف فطرته. فبعض الناس يمنحك بمجرد حضوره مساحة تتسع فيها روحك، وبعضهم يضيق عليك حتى وأنت صامت؛ لأن الألفة ليست كثرة اللقاء، وإنما سقوط الكلفة، وطمأنينة القلب إلى القلب.

ولذلك لا يكون القرب دليلا على الألفة؛ فقد تجالس إنسانا كل يوم وبينكما مسافة عمر، وتلقى آخر بعد غياب طويل فتسقط المسافات من أول كلمة. فالقرب الحقيقي ليس اقتراب الأجساد، بل انتفاء الوحشة بين الأرواح؛ ورب مجلس جمع الأبدان وفرق القلوب، ورب غياب طال وظل الود فيه حاضرا لا يشيخ.

وأشد العلاقات إنهاكا ما يظل الإنسان فيها مطالبا بشرح نفسه: يفسر صمته، ويدافع عن صفائه، ويبرر مبادئه، ويثبت في كل موقف أنه لم يقصد شرا. فإذا طال الشرح، فربما لم يكن الخلل في العبارة، بل في القلب الذي يستقبلها؛ فالوفاء لا تقرؤه نفس لا تعرف إلا المصالح، والصدق يربك من بنى علاقاته على الأقنعة، والنقاء يبدو سذاجة في عين من اعتاد المكر.

إن الصاحب الحق لا يمنحنا متعة المجلس فحسب، بل يشارك خفية في تشكيل نفوسنا؛ فنأخذ منه ميزانه في الحكم، وطريقته في رؤية الحياة، ولغته في الرضا والغضب، ثم نصير مع الأيام شيئا منه دون أن نشعر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». فالصحبة ليست وقتا يمضي، بل أثر يبقى، وقد ترفع الإنسان إلى ما لم يكن يبلغه وحده، أو تستنزله درجة بعد درجة حتى يألف ما كان يستنكره.

ولا يعني هذا أن نهجر كل مخالف؛ فهناك من يخالفك فيثري عقلك، ومن يضادك فيستنزف روحك؛ من يناقشك ليبلغ معك الحق، ومن يجادلك ليغلبك؛ من يختلف مع فكرتك ويبقى حافظا لكرامتك، ومن يجعل كل اختلاف ذريعة للطعن في نيتك. والفرق بينهما أن الأول يخرجك من الحوار أوسع فهما، أما الثاني فيتركك أكثر تعبا وأقل سلاما.

والعاقل لا يسيء إلى من لم يشاكله، ولا يجعل اختلاف الطباع مبررا للظلم أو القطيعة؛ لكنه يعرف موضع كل إنسان منه، فيحفظ له حقه، ويعامله بالعدل، ولا يمنحه من قلبه منزلة لا يصلح لها. فليست المسافة دائما جفاء، بل قد تكون حكمة تحفظ للنفوس سلامها وللعلاقات احترامها.

وإذا أعياك من لم يشاكلك، فلا تستنفد عمرك في تحويله إلى صورتك، ولا تسمح له أن يحولك إلى صورته؛ فالقلوب لا تؤلف بالقهر، والطباع لا تصلح بكثرة العتاب. أعطه حقه من العدل، وخذ حقك من المسافة، وابحث عمن يفهم جوهرك قبل أن يفسر عبارتك؛ فالعمر أقصر من أن ينفق كله في شرح النفس لمن أصر ألا يفهمها.

اقرأ المزيد

أواسيك في الحفاء أواسيك في الحفاء

جاء في «مكارم الأخلاق» لابن أبي الدنيا أن محمد بن المنكدر قال: «كنت أمشي مع الخليل، فانقطع نعلي،... اقرأ المزيد

282

| 23 أغسطس 2026

بين بحر وبطن وغار بين بحر وبطن وغار

ثلاثة مشاهد بلغ فيها العجز الإنساني منتهاه: موسى وقومه بين بحر لا يعبرونه وجيش لا يرحمهم، ويونس في... اقرأ المزيد

147

| 15 أغسطس 2026

جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم

قال أبو إسحاق الصابي: «مارست الكتابة ستين سنة، فلم يحضرني في الدعاء أحسن، ولا أوجز، ولا أجمع من... اقرأ المزيد

228

| 13 أغسطس 2026

مساحة إعلانية