رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد القديدي

د. أحمد القديدي

مساحة إعلانية

مقالات

57

د. أحمد القديدي

أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن الحوار ليس ضعفاً، وأن قوة الدولة تبدأ من صمودها ومؤسساتها، وأن القانون لا يستقيم إن طُبق على الضعفاء واستُثني منه الأقوياء. في لحظة إقليمية ودولية بالغة الدقة، جاء خطاب حضرة صاحب السمو، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليضع أمام العالم رؤية واضحة: الأمن لا يُبنى على حساب الآخرين، والسلام لا تصنعه الحروب، والنظام الدولي لا يمكن أن يحافظ على مصداقيته ما لم يكن القانون واحداً للجميع. لم يكتفِ الخطاب بتوصيف ما تمر به المنطقة من أزمات، بل ذهب إلى جذورها. فسنوات من تأجيل الحلول وإدارة النزاعات بسياسات مؤقتة جعلت كلفة الأزمات أكبر وأخطر. ومن هنا جدد سمو الأمير موقف قطر القائم على الحوار والتفاوض والتوصل إلى حلول عادلة تستند إلى القانون الدولي، وتحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب.

وفي صميم الخطاب برزت الدعوة إلى إنشاء نظام إقليمي للأمن الجماعي يحترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، ويمنع التدخل في شؤونها، ويجعل الحلول السلمية أساساً لإدارة الخلافات. فقد أثبتت الأحداث أن الحرب لا تتوقف عند حدود أطرافها إذ يمكن أن تهدد دولاً لم تخترها، وتطال منشآتها الحيوية، وتعطل طرق الملاحة والطاقة، قبل أن تصل آثارها إلى شعوب العالم في صورة ارتفاع للأسعار واضطراب في الغذاء والدواء والاقتصاد.

ورغم خطورة المشهد، بقيت رسالة قطر واضحة: الحل الدبلوماسي ما زال ممكناً. ومن هذا المنطلق دعا سمو الأمير إلى فتح مضيق هرمز أمام الملاحة والعودة إلى المفاوضات وصولاً إلى تسوية تحقق الأمن والاستقرار لجميع دول المنطقة، بما فيها إيران، وتفتح آفاق التعاون على أساس احترام السيادة. وفي مقابل السعي إلى السلام، أكد الخطاب أن قطر عززت قدرتها على حماية سيادتها وأرضها وشعبها، ووضعت خططاً اقتصادية مرنة، وواصلت مشاريعها التنموية رغم الكلفة الباهظة للأزمات.

وهنا تتجلى معادلة قطر: الحكمة لا تعني التراجع، والصلابة لا تعني رفض الحوار. فصمود الدول لا يُبنى عند وقوع الأزمات، وإنما تصنعه سنوات من الاستثمار في الإنسان والتعليم والصحة والأمن، وتقوية المؤسسات وتأمين سلاسل الإمداد وبناء الاحتياطيات والشراكات الدولية الموثوقة. وهي مسيرة ربطها سمو الأمير بإرث قادة قطر، من المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني إلى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمهما الله، وباستمرار مسيرة التنمية في إطار رؤية قطر الوطنية 2030.

وكانت فلسطين في قلب الخطاب، ليس باعتبارها أزمة أخرى في قائمة الأزمات الدولية، وإنما بوصفها اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه، فقد وصف سمو الأمير ما جرى في غزة بأنه إبادة جماعية ووصمة عار على جبين الإنسانية، محذراً من محاولات تهجير السكان ومن السياسات التي تجعل استمرار حياتهم على أرضهم أكثر صعوبة بل مستحيلة. وفي الوقت ذاته، أكد صاحب السمو أن قطر لم تتوقف منذ اليوم الأول عن جهود الوساطة لوقف نزيف الدم وتخفيف معاناة المدنيين وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، وصولاً إلى وقف إطلاق النار والعمل على تحويله إلى سلام دائم. كما شدد على ضرورة تنفيذ الالتزامات كاملة، بما يشمل الوقف النهائي للعمليات والانسحاب من قطاع غزة ورفع الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية دون شروط، ولم يحصر سموه القضية الفلسطينية في غزة، بل تناول استمرار معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعنف المستوطنين والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى، مجدداً دعم قطر لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وامتد الخطاب إلى الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان، ليضع المجتمع الدولي أمام معادلة حاسمة: إما أن يكون القانون واحداً للجميع، أو يفقد معناه حين يُطبق على الضعفاء ويُعفى منه الأقوياء.

وفي الشأن العربي، قدم سمو الأمير رؤية تربط الاستقرار ببناء الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون واحتكارها الشرعي للسلاح، باعتبار أن التنمية والأمن وجهان لمسار واحد، ففي سوريا، أكدت قطر وقوفها إلى جانب الشعب السوري في التعافي وإعادة البناء ودعم سيادة الدولة ووحدتها على أساس المواطنة المتساوية. وفي السودان، دعا سموه إلى حوار شامل يقود إلى سلام مستدام، فيما جدد دعم المسار السياسي والمصالحة وتوحيد المؤسسات في ليبيا، وسيادة الصومال ووحدة أراضيه، ومؤسسات الدولة اللبنانية وسيادتها، والجهود الأممية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة اليمن وأمنه واستقراره.

والرسالة هنا تتجاوز حدود كل دولة: لا يمكن بناء سلام دائم من دون دولة قوية بمؤسساتها، وسيادة للقانون، وتنمية تمنح الإنسان الأمل في المستقبل.

كما رسم الخطاب بوضوح ملامح السياسة الخارجية القطرية، التي تقوم على أربع مرتكزات متكاملة: حماية المصالح الحيوية للدولة، والوساطة وتيسير الحوار، والعمل الإنساني، والتمسك بالمواقف المنسجمة مع القانون الدولي والشرعية الدولية، ومن هذه الرؤية صنعت الدبلوماسية القطرية لنفسها مساحة للحوار بين المختلفين، بالتوازي مع حضورها الإنساني والتنموي ودورها في التقريب بين الشعوب والثقافات.

ويأتي توسيع بيت الأمم المتحدة في الدوحة، والاستعداد لاستضافة القمة العالمية الرابعة للإعاقة عام 2028، وكأس العالم لكرة السلة 2027، امتداداً لهذه الرؤية التي ترى في التنمية والرياضة والتواصل الإنساني جسوراً قادرة على التقريب بين الشعوب.

في جوهره، كان خطاب سمو الأمير أبعد من أن يكون خطاباً عن أزمة بعينها. لقد كان طرحاً لمفهوم الدولة في زمن الأزمات: دولة تحمي سيادتها من دون أن تغلق أبواب الحوار، وتبني قوتها من دون أن تجعل القوة بديلاً عن القانون، وتتمسك بمبادئها من دون أن تتخلى عن واقعية السياسة. ومن نيويورك، جاءت رسالة قطر واضحة: العالم لا يحتاج إلى مزيد من الحروب لإثبات من هو الأقوى، بل إلى نظام دولي يستطيع أن يثبت أن القانون أقوى من منطق الحرب.

إنها رسالة دولة اختارت أن تجمع بين السيادة والسلام، وبين القوة والحكمة، وبين حماية مصالحها ومد جسور الحوار مع الآخرين.

وقد حظي خطاب أمير البلاد المفدى بصدى إعلامي ودبلوماسي دولي، وتعددت القراءات الخارجية لمضامينه، من أمن الخليج والدبلوماسية إلى فلسطين والقانون الدولي ودور قطر في الوساطة. وبرز اهتمام خاص بدعوته إلى الأمن الإقليمي الجماعي، والعودة إلى الحوار والحلول السلمية، ومواقفه تجاه القضية الفلسطينية، في تأكيد جديد على حضور قطر ودورها في الدفع نحو السلام والاستقرار.

مساحة إعلانية