رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الدبلوماسية الدولية، ليست التأشيرة مجرد ورقة سفر. أحيانًا تكون رسالة سياسية، وحين تصدر عن الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، تصبح الرسالة أكبر من حدود العلاقة الثنائية.
في هذه الأيام، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فقد منعت الولايات المتحدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك للعام الثاني على التوالي، كما ظلت، حتى عشية اجتماعات الجمعية العامة، تحجب تأشيرة قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، في وقت سمحت فيه للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي بالوصول إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، رغم أن الولايات المتحدة وإيران خاضتا حربًا مباشرة هذا العام، فيما تستمر التوترات العسكرية والسياسية بينهم.
قد يكون لكل حالة حيثياتها القانونية والسياسية. وقد تقول واشنطن إن قرارها بشأن الوفد الفلسطيني مرتبط بمواقف السلطة الفلسطينية من إسرائيل، وباللجوء إلى المحاكم الدولية، وبقضايا أخرى تعتبرها الولايات المتحدة مخالفة لالتزامات سابقة. وفي الحالة السودانية، قالت مصادر إن مسألة تأشيرة البرهان ارتبطت بمحاولات أمريكية لدفع الجيش السوداني إلى قبول مقترح لوقف إطلاق النار.
لكن السياسة الدولية لا تُقرأ فقط من خلال تفسير كل قرار على حدة. أحيانًا تكشف المقارنة بين القرارات أكثر مما تكشفه التبريرات الرسمية.
وهنا تحديدًا تبدو المفارقة لافتة. كيف يمكن لواشنطن أن تجد في حضور الرئيس الإيراني إلى الجمعية العامة ضرورة تنسجم مع التزامات الدولة المضيفة للأمم المتحدة، بينما يصبح حضور الرئيس الفلسطيني، الذي تمثل بلاده في الأمم المتحدة بصفة دولة مراقب، موضع منع أو تقييد؟
لا يتعلق السؤال هنا بمقارنة شخصية بين محمود عباس وبزشكيان، ولا بتقييم سياسات أي منهما. إنه سؤال عن مبدأ أوسع: هل تظل الأمم المتحدة مكانًا للحوار حتى مع الخصوم والأعداء، أم يصبح الدخول إليها امتيازًا تمنحه الدولة المضيفة وفق حساباتها السياسية؟
لقد تأسست الأمم المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن الخصوم لا يحتاجون إلى أن يحب بعضهم بعضًا حتى يجلسوا إلى الطاولة نفسها. بل ربما يكون حضور الخصم هو الأكثر ضرورة عندما تكون العلاقات في أسوأ حالاتها.
الدبلوماسية لا تُختبر عندما يكون الأصدقاء متفقين، وإنما عندما يصبح الحوار مع الخصم صعبًا ومكلفًا. ولهذا فإن الولايات المتحدة نفسها، طوال تاريخها، لم تتعامل مع الأمم المتحدة باعتبارها ناديًا للأصدقاء. جلست فيها مع الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، وتعاملت مع خصومها في أزمات وحروب متعددة، وظلت فكرة اللقاء الدبلوماسي قائمة حتى عندما كانت القطيعة السياسية شبه كاملة.
ومن هذه الزاوية، فإن السماح للرئيس الإيراني بالمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، رغم الحرب المباشرة التي اندلعت بين واشنطن وطهران، يحمل في ذاته درسًا مهمًا: الدبلوماسية لا تتوقف بالضرورة عندما تبدأ الحرب؛ بل قد تصبح أكثر ضرورة بسببها.
لكن هذا المنطق نفسه يثير السؤال بشأن الفلسطينيين. فقد اعتبرت الأمم المتحدة أن حرمان الوفد الفلسطيني من الوصول الشخصي إلى نيويورك يستدعي ترتيبًا استثنائيًا، وسمحت الجمعية العامة بأغلبية ساحقة للرئيس الفلسطيني بالمشاركة عبر تسجيل مصور أو عبر الاتصال المرئي، بعد منع التأشيرات. وصوتت 145 دولة لمصلحة القرار مقابل خمس دول فقط، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أعرب خبراء أمميون عن قلقهم من أن منع المسؤولين الفلسطينيين من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة يتعارض مع التزامات الدولة المضيفة.
المسألة هنا ليست دفاعًا عن محمود عباس كشخص أو عن السلطة الفلسطينية كمؤسسة. يمكن انتقاد أداء السلطة وسياساتها، كما يمكن للولايات المتحدة أن تختلف معها، وأن تمارس ضغوطًا سياسية ودبلوماسية عليها. لكن الخلاف السياسي شيء، وإغلاق باب المنبر الدولي شيء آخر.
والأمر نفسه ينطبق، وإن بصورة مختلفة، على السودان. فالحرب السودانية المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 أنتجت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، وأصبح حضور المسؤولين السودانيين في المحافل الدولية جزءًا من الجهد المفترض للبحث عن مخرج سياسي. وإذا كانت واشنطن تريد من البرهان قبول وقف لإطلاق النار، فإن إبقاء التأشيرة معلقة كورقة ضغط قد يكون مفهومًا في منطق التفاوض الثنائي، لكنه يظل موضع سؤال عندما يتعلق الأمر بحضور رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة. وقد أعرب الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن قلقه من عدم صدور التأشيرة، فيما طلبت الخرطوم تدخل الأمم المتحدة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. الأمم المتحدة ليست ملكًا للدولة التي تستضيف مقرها. فالولايات المتحدة دولة مضيفة، لكنها في الوقت نفسه عضو مؤسس ودولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوة دولية كبرى. ولذلك فإن الطريقة التي تتعامل بها مع الوصول إلى مقر المنظمة تحمل وزنًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز قضية التأشيرة نفسها.
حين تمنع واشنطن مسؤولًا فلسطينيًا من الوصول إلى الجمعية العامة، بينما تسمح لمسؤول إيراني بالوصول رغم الحرب، فإنها لا ترسل رسالة إلى عباس وحده، ولا إلى طهران وحدها. إنها ترسل رسالة إلى العالم عن كيفية فهمها للتعددية الدولية.
وقد تكون الرسالة المقصودة أمريكيًا مختلفة تمامًا: أن واشنطن تستخدم أدواتها القانونية والدبلوماسية للضغط على خصومها، وأن إيران حالة يمكن التعامل معها بمنطق المصلحة والحوار المباشر، بينما ترى في السلطة الفلسطينية سلوكًا تعتبره معرقلًا لمسارها السياسي.
لكن السياسة الدولية لا تقوم فقط على النوايا؛ تقوم أيضًا على الانطباعات والسابقة التي تتركها الأفعال.
وهنا تكمن المخاطرة الاستراتيجية. فإذا أصبح حضور قادة الدول إلى الأمم المتحدة خاضعًا في كل مرة للحسابات السياسية للدولة المضيفة، فإن المنظمة تفقد تدريجيًا إحدى وظائفها الأساسية: أن تكون المكان الذي يستطيع فيه الخصوم، قبل الأصدقاء، أن يلتقوا.
والمفارقة أن العالم يحتاج إلى هذا المكان الآن أكثر من أي وقت مضى: حرب في الشرق الأوسط، حرب في السودان، حرب مستمرة في أوكرانيا، وتوترات دولية متصاعدة، ونظام دولي تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف.
في مثل هذا العالم، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يستحق أن يدخل قاعة الأمم المتحدة؟ بل: كيف نضمن أن تظل القاعة مفتوحة حتى لمن نختلف معهم؟ لأن الدبلوماسية ليست مكافأة تمنح للأصدقاء. إنها، في جوهرها، وسيلة لإدارة الخلاف مع الخصوم.
ومن هنا فإن السماح للرئيس الإيراني بالوصول إلى الأمم المتحدة، رغم الحرب مع واشنطن، قد يكون ـ من حيث المبدأ ـ تأكيدًا على ضرورة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. لكن المنطق نفسه ينبغي أن يُطبق على الفلسطينيين والسودانيين وغيرهم، لا أن يصبح انتقائيًا وفق درجة القرب أو الخصومة مع واشنطن.
فالولايات المتحدة تستطيع أن تختلف مع محمود عباس، وأن تضغط على السلطة الفلسطينية، وأن تعاقب من ترى أنهم خالفوا قوانينها. وتستطيع كذلك أن تضغط على البرهان، وأن تستخدم نفوذها من أجل وقف الحرب في السودان.
لكن منبر الأمم المتحدة ينبغي ألا يتحول إلى جائزة تمنحها واشنطن لمن تريد، وتحجبها عمن تريد. ذلك أن قوة الأمم المتحدة لا تكمن في أن يتفق أعضاؤها، وإنما في أن يجد المختلفون فيها مكانًا واحدًا للجلوس.
وحين يغلق ذلك المكان أبوابه أمام بعض الخصوم، بينما تظل أبوابه مفتوحة لخصوم آخرين، فإن المشكلة لا تعود مشكلة تأشيرة. تصبح مشكلة ثقة. وثقة العالم في الأمم المتحدة، وفي حياد مؤسساتها، وفي معنى الدبلوماسية نفسها، ربما تكون أثمن بكثير من أي مكسب سياسي قصير الأجل يمكن أن تحققه واشنطن من ورقة تأشيرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026