رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن نروي عن الشباب أمر غير أن نحيا معه أداءه خارج الميادين وفي مهام تتطلب وعيا وإرادة وليس التظاهر والهتاف والاعتصام.
بعد 16 عاما من الحراسة القضائية على نقابة المهندسين المصرية (450 ألف مهندس) وعدم إجراء انتخابات لتشكيل مجلسها واختيار النقيب العام لها طوال 20 عاما، أتاحت مسؤوليات تولي مهمة الإشراف عليها لي فرصة التعامل مع جيل جديد من المهندسين الشباب، يتزايد عددهم مع تنوع المهام، والإعلام عبر الشبكات الإلكترونية، لتتكشف القدرات المتنوعة التي يمتلكها هذا الجيل وتتجلى صورة الأمل في الرغبة في العمل والمعرفة، أمل يضيء وسط بورصة الانتخابات في مصر.
تبدو حركة الانتخابات المصرية وتكتلاتها وانتقال الأحزاب من تكتل إلى آخر "ضجيج بلا طحن"، أو كما كانت تشيع في بداية السبعينيات مقولة "سياسة الاسكوتر... صوت عال وحركة معدومة"، للتعبير هن مثل هذه الوقائع والتي تتسم بالصوت العالي الذي يصم الأذان وبلا فاعلية، والاسكوتر هو نوع من الدراجات البخارية كانت في مصر ذلك الوقت، يصدر أصواتا عالية بينما حركته بطيئة لا تتناسب وما يصدر عنه من أصوات.
من يتابع قوائم المرشحين الانتخابية وسرعة انتقال الأحزاب والجماعات من تكتل إلى آخر، يدرك أنها تكتلات خارج التاريخ ومسيرته بعد تفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير، ويلمس بوضوح أنها تكتلات ليست ناتجة عن اتفاق سياسي أو التوافق بين هوامش برنامجية أو فكرية مشتركة، ولكنها مجرد شوق دفين إلى كراسي نيابية لم يعلن على الشعب مبررات شرعيته كي ينالها، وتكاد تنقض على ثورة الشعب لتحيل المجالس النيابية القادمة إلى تعبير من جديد عن واقع ما قبل ثورة يناير 2011.
الاستقالات من الأحزاب تتوالى، وشخصيات نيابية كان لها دور معارض قبل يناير تتراجع عن المشاركة بما يوحي أن الانتخابات فجرت الأحزاب من الداخل، وهو ما يزيد القادم سوءا، وكأن العملة الرديئة بعد الثورة تطرد العملة الجيدة من مجمل الحياة السياسية، وتكاد مصر تبدو وطنا "تحت الحراسة الثضائية"، سلبت من شعبها، وأنيط بإدارتها غافل أو متطلع أو أناني. ومما زاد الأمر توترا أن زحف أعضاء الحزب الوطني المنحل يتزايد ويكاد يصل إلى نقطة التعادل مع غيره من الأحزاب الأخرى، خاصة أن الأحزاب الأخرى سعت إلى العديد من عناصره لتضعهم على قوائمها لتضمن أصوات العصبيات القبلية والعائلية دون أي تقدير لمعاني التغيير وإعادة بناء الوطن، وبديل الارتقاء إلى قدرة الشعب وإنجازه، يرتدون إلى عصور التخلف والجاهلية السياسية.
تغافلت الحكومة عما يسمونه قانون الغدر والذي كان القصد منه عزل القيادات السابقة للحزب الوطني المنحل والتي أسهمت في إفساد الحياة السياسية والاجتماعية وكانت هذه العناصر أداة التشريع وإصدار قوانين اصطلح على أنها سيئة السمعة وهي منوط بها اختيار لجنة وضع دستور مصر بعد الثورة! وضعت العصي في عجلات الثورة للحيلولة دون الوصول إلى غاياتها، وتحول شباب الثورة وعناصرها إلى فرائس تطاردها قوانين استثنائية أصدرت بعد الثورة، وتقع ضحية هجمات متوالية أمنية وإعلامية، وجرى تجاهل حاجات الشعب التي جسدها شعار "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
الثورة لم تكن فعلا اختياريا أو اعتياديا، ولكنها كانت ضرورة لتغيير الواقع الذي يحياه الشعب، وتحولت من مجرد حركة في الميادين كسرت حاجز الخوف، تحولت بفعل المعاناة إلى عقيدة وسلوك لدي الشباب، بينما هي لدى النخب السياسية طموح إلى حد الجنون إلى سلطة ترث النظام السابق دون أن يكون الشعب داخل اعتبارها إلا بشعارات وأقوال لا ترقى إلى اليقين.
يرصد أي مراقب منصف أن خللا ما أصاب العلاقة بين المجلس العسكري والأحزاب والنخب السياسية، وصارت بين هؤلاء مجتمعين وبين الشعب فجوة عميقة ليس هناك فرصة لتجاوزها في المدى المنظور، بل هي تضع اللبنات الأولى لصدام قادم، لن يكون بين الشعب وقوى الأمن بالشارع، ولكنه بين الشعب وتلك القوى وممثليها ولكن مسرحه سيكون مبنى المجلس النيابي وما يحيط به من طرق ومبان.
امتد الخلل إلى آلة الإعلام التي تم مصادرتها بذات أساليب النظام السابق، ولم يكتفوا بهذا بل طاردوا أي محاولة وديعة ومهنية لممارسة حرفة الإعلام وفق أصولها المتعارف عليها في كونها أداة للكشف عن حقيقة ما يجري وأن مهمتها في هذه المرحلة هي تحليل الأحداث والإضاءة من حول المخاطر التي تهدد الوطن ومصادرها وما يترتب عليها من أضرار تطول شعب لم يبخل بحياة أبنائه في سبيل لقمة عيش كريمة وحرة وأن يقيم العدل الاجتماعي بين أبنائه وكافة الأطراف الاجتماعية المكونة للشعب.
كسا اللون الأسود تصرفات الأشهر التسعة الماضية، ونازع سواد التصرفات لون الدم الأحمر لأبناء الشعب بأيدي من أطلق عليهم البلطجية، وهم أداة النظام السابق وخط دفاعه الأخير، وانضمت إليهم قوى هي ملك للشعب، فأهدرت دمه ولم تملك إلا تبريرات هي ذاتها تبريرات النظام السابق.
رغم كل ذلك تحولت الثورة في الشباب إلى روح وإلى عقيدة وإلى سلوك، وارتقى الشباب درجات سلم الوعي، يدفع الثمن على أعتابه، ويزيد إصرارا وعنادا، وأدرك بالتجربة الدامية أن الصراع ليس مكانه ميادين مصر وشوارعها، ولكنه صراع على الشعب بفئاته كلها وعيا وإرادة.
ولم يكن هذا مجرد قول ولكنه أخذ سمة الفعل وفي كل الاتجاهات، ولم يضع الشباب إرادته رهينة رغبة أو لقمة عيش، بل تخلص من أسر ذلك بوعيه أن تغيير الوطن هو سبيل البقاء الحر العزيز، وأن التغيير فعل ومنهج ومفاهيم، وليس مجرد أفواه وحناجر، وأن الدم غال وعزيز، وليس إهداره هواية تقليد أعمى ولكن الروح وليس مجرد الدم المسال هي ثمن يدفع، وقد دفع مقدما، وكسر حاجز الخوف وأطلق الإرادة من عقالها.
شباب ينتقل بين الاعتصام نهارا إلى العمل من أجل بناء نقابته ليلا، وشباب يعود من عمله، دون راحة ليسهم في الإعداد لانتخابات هي طريقه لتحرير نقابته، لا يخجل أن يحمل المكانس وينظف مسرحا عشش فيه العنكبوت ويرفع عنه القاذورات، ويحاول إصلاح كراسيه ويبحث عن تطوير إمكاناته إعدادا ليوم الانتخابات، ويتطوع من كل ربوع مصر ليشرف على صناديق الانتخاب، ينتقل بين الكمبيوتر، وشراء سندوتشات الفول والطعمية بلا خجل ولا تردد، يعود سواء كان المريض أم أو ابن، إلى العمل التطوعي إعدادا ليوم الإرادة، ويصنع أعلامه الخاص ليبلغ الدعوة إلى كل أبناء المهنة.
وتخرج إلى النور مجموعة أخري من شباب المهندسين حديثي التخرج، وتنشر المجموعة فيديو علي شبكة الإنترنت يدعو في هدوء وعمق واصرار كل المهندسين للاحتشاد يوم الانتخاب لتحقيق ارادتهم، عرف أن الإرادة يجب ترجمتها إلى فعل، وان الفعل الجماعي هو الفعل المنتج، وسعيت إلى لقائهم، وبادروا هم باتصال تليفوني، هم المبادرون، لم ينتظروا دعوة من أحد، وجاءوا لنلتقي.
الزمان ليلا وساعة القاهرة التاسعة مساء، والمكان نقابة المهندسين، والحضور يجمع بينهم إنهم مهندسون وتتباين ألوان الشعر، فقد انتقل البعض منا إلى صفة شيوخ المهنة، ويمتد إلقاء إلى منتصف الليل مع شباب "مرصد"، يسألون ويستفسرون لتبين محددات الانتخابات، قواعد وقانون وإجراءات وأماكن، وكان الصباح قد شهد شبابا يتصلون من أماكن عديدة يطلبون دورا أو تحديد مكانا لديهم للجنة الانتخاب، الكل يسعى ليوم الانتخاب.
لم تكن مبادرة الاتصال منهم هي المبادرة الأولى، بل يمكن أن تكون الثالثة فقد سبقها إنتاج فيديو الدعوة وتلي الفيديو ندوة عقدت في مركز الثقافة الشعبي "ساقية الصاوي" ونجحوا في هذه المبادرة أن يجمعوا الشباب من حول انتخابات نقابتهم.
كان سؤالهم الجوهري خلال اللقاء عن ماهية المهام التي يستطيعون أن يساهموا بها وبالإعداد ليوم الانتخابات، بهدوء وسلاسة وبلا انفعال مما يؤكد أن الاهتمام موضوعي وليس مجرد انفعال بالحدث بل هو تفاعل، وانتماؤهم إلى الوطن ترجموه حيال المهنة التي ينتمون إليها بمهنتهم، الدعوة إلى مشاركة كل المهندسين في انتخابات نقابتهم. شباب تجاوز حالة النقد والاتهام إلى حالة البناء بينما النخب السياسية تعيش حالة "الضجيج بلا طحن" ويحكم سلوكهم هدف وراثة سلطة سقطت دون وعي بحقيقة التغيير الذي تحققت نتيجة ثورة يناير في سلوك الشعب وفي عقيدة ووعي الشباب من أبنائه.
وعادت بي هذه الوقائع إلى مقال ودعوة كتبها ابني وهو في سنهم ليقول: "إن تكون الجمعة القادمة وما يأتي لاحقا من مظاهرات "مع" وليست"ضد" مع الحرية مع العدالة مع النظافة مع المستقبل مع النور وليست ضد الطوارئ وضد الكبت وضد الوساخة وضد الماضي وضد الظلام.
لأن " مع " تجعل الحشد إيجابيا بناء أمام الرأي العام بعكس " ضد" تجعل الحشد سلبيا هداما أمام الرأي العام رغم أن كلمة "مع" هي بالضرورة ضد شيء آخر، تجاوز الشباب ما كنا نخشاه أنهم لم يتول أحد أعدادهم ولم يضع أحد مثالا قيميا يحتذون به، فصنعوا لأنفسهم قيمهم الرائعة في مواجهة غياب القدوة.
ورغم ضجيج بورصة صناديق الانتخابات، ستبقى مصر ولادة، وسيظل هذا الشباب مثالا لأجيال قادمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
6525
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1680
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1047
| 09 أغسطس 2026