رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استعرضنا في مقالات سابقة كيف أن الجماعات الجهادية أصبحت فاعلاً مؤثرا في منظومة السياسة الإقليمية والدولية، ونحاول في هذا المقام أن نفهم لماذا تعتبر هذه الجماعات "الدولة الحديثة" نقيضا عقائديا لها؟ فبشكل أو بآخر تعتبر "الجماعات الجهادية" أن الدولة في صورتها الحديثة هي النقيض لفكرة الدين، وتستند في ذلك إلى دليل مستمد من الخبرة التاريخية للدول الغربية، وتفصيل ذلك يبدأ من المرحلة التي انفصلت فيها الدولة عن الكنيسة، وورثت الأدوار التي كانت تقوم بها الأخيرة، مدعية مقدرتها على منح مواطنيها خلاصا دنيويا يحققون من خلاله الكمال ويقضون به على الشرور المؤرقة للجنس البشري. فقد افترضت الدولة أنه بإمكانها وضع حد لأنانية الأفراد ورغبتهم المستمرة فى حيازة القوة وحملهم على التعايش والتعاون، وذلك من خلال وضع منظومة من القواعد القانوية المستمدة من فكرة المصلحة لا من القيم المستمدة من فكرة الإيمان.
ومنذ حدوث هذا الانفصال أصبحت الدولة، وليس الدين، بؤرة اهتمام المؤرخين وعلماء الاجتماع والفلسفة. وبعدما كان التاريخ هو تأريخ الدين بكافة تفاصيله، أصبح تأريخا للسياسة. حتى إن كثيرا من فلاسفة الغرب اعتبروا أن مغزى التاريخ يتحقق باكتمال الدولة. فهيجل على سبيل المثال ادعى أن الأفراد لا يمكنهم إدراك ذواتهم ولا تحقيق حريتهم الحقيقية إلا فى إطار الدولة. فوفقا له فإن الظروف اللازمة لتحقيق الحرية والوعي لا تتواجد إلا داخل حدود الدولة القومية. وقد سبق هيجل فوكوياما بالقول بأن هناك نهاية للتاريخ، مع اختلاف أساسي يتمثل فى أنه إذا كانت أمريكا لدى فوكوياما هى الغاية من التطور التاريخي، فإن أوربا (وتحديدا دولة بروسيا) وفقا لهيجل كانت هي الهدف الأقصى من التاريخ. وقد وصل الأمر إلى اعتبار أن الدولة هي التجسيد للذات الإلهية على الأرض، فوفقا لهيجل، أنه إذا كانت قد جرت عادة الناس على التعبير عن الإعجاب بحكمة الله، كما تتجلى في الحيوان والنبات والمخلوقات، فلماذا لا تتجلى تلك الحكمة أيضاً في التاريخ العام وغايته النهائية المتمثلة في الدولة!
وبحلول الدولة محل الكنيسة، صارت محل الهوية والانتماء ومحل القداسة، في الوقت الذي تراجع فيه الدين، وانكمشت قداسته واعتباره في صدور الناس. وقد تطور الأمر حتى وصل إلى قيام فلاسفة النهضة الأوربية باتهام للدين بأنه يعمل على إشاعة جو من الفرقة والانقسام، وأنه إذا كان للدين أن يمارس تأثيرا من أى نوع فيجب أن ينحصر هذا في المجال الشخصي. من ناحية اخرى كان البعض (مثل ميكافيللي) ينقمون على الدين أنه يُعلِي من شأن الرجال المتواضعين، خاملي الذكر، في الوقت الذي تحتاج فيه الحياة إلى رجال العمل والنشاط الفعال. فالحياة وفقا لفلاسفة النهضة تحتاج إلى مباديء الاقتصاد السياسي أكثر مما تحتاج إلى مبادي القيم والأخلاق. وتحتاج إلى منتجات العلم المادي، الذي ترعاه الدولة، أكثر مما تحتاج إلى العلم الديني، الذي ترعاه دور العبادة. وذلك على اعتبار أن منتجات العلم المادي مضمونة، وأثرها في تحسين حياة الناس مؤكد، فيما منتجات العلم الديني محتملة، وأثرها في تحسين حياة الناس نسبي وغير مؤكد.ولهذا حرص فلاسفة التنوير الأوربي على تأكيد دور الدولة في تحرير الفرد من الغيب، وحثه على الاهتمام بتهذيب حياته على الأرض، حيث كان النموذج الذي صيغت الطموحات النهضوية على أساسه هو الامبراطورية الرومانية الوثنية، الأمر الذي أكد انفصال نموذج الدولة الجديدة عن الدين، كما أكد انفصال المصلحة السياسية عن القيم الدينية بكافة أنواعها. ميكافيللية الدولة الحديثة تمثلت أيضا في اعتبار السياسة ضربا من ضروب المؤامرة والخداع والمناورة، مع عدم وجود أى وازع من ضمير، ولا تفكير في الجزاء والعقاب الأخروي، ومن ثم اعتبرت السياسة وما يرتبط بها من تدبير شؤون الدولة أمرا أرضيا محضاً. فالدولة هي مجتمع ينظم حياة الأفراد في استقلال تام عن الدين. هذا التاريخ المتوتر للعلاقة بين الدين والدولة تفترض الجماعات الجهادية المسلحة أنه لا يخص الدولة الغربية فحسب، وإنما تنسحب آثاره لتنطبق على الدولة في عالمنا العربي، وذلك لأن هذه الأنظمة — من وجهة نظرها — لم تُقم مفاصلة واضحة بينها وبين الأنظمة التي استقلت عنها إبان مرحلة التحرر من الهيمنة الاستعمارية الغربية. وإنما ورثت هذه الأنظمة عن المستعمر علمانيته وقوانينه وأنظمته،
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4620
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1719
| 12 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً وتكراراً وسوف نظل نتكلم عنها دون كلل أو ملل لبالغ أهميتها وعظيم تأثيرها في المجتمعات وما تشكله من معاناة للبعض من غير المقتدرين الذين يرغبون بتحصين أنفسهم بالزواج لكيلا يقعوا في الرذيلة لكن تكاليف الزواج التي جَنح بها حب المظاهر عن عواديها السليمة وحوَّلَها من ضرورة التيسير فيها إلى التعسير وابتعدت بها المبالغات في التكاليف كثيراً عن حدود المنطق والعقل في زمن للأسف الشديد لم يعد لمعظم الرجال كلمة الفصل في هذه القضية وأصبح زمام المبادرة وتحديد قائمة الطلبات التي لها أول وليس لها آخر بيد النساء وقول الفصل لهُن ولم يكتفين بذلك وحسب بل لهن اختراعات كل فترة وفترة في ذلك تزيد من طين تعقيد الأمور بلة! وزادت التكلفة حتى أصبح المُقدم على الزواج يفكر ألف مرة قبل الإقدام عليه بعد أن بلغت تكاليفه مبالغ كبيرة لربما لا طاقة للراغب بالزواج في تحملها مما دعا البعض للزواج من جنسيات أُخرى لقلة التكلفة مما تسبب بزيادة في نسبة من فاتهن قطار الزواج وضاعت عليهن فرص كانت سانحة وفي متناول اليد في الزواج لولا حب المظاهر الخداعة وفلانة عملت عُرساً خُرافياً تكلم عنه القاصي والداني يقولون كلف الملايين. ونحن نعلم أنه أصبح للزواج قائمة كبيرة من المراحل تسبق حفلة الزواج حفلة للملكة وحفلة للخطوبة وحفلة للحناء ودخل على الخط حديثا حفلة في بيت المعرس تنقل لها مراسم حفل خاص بالرجال يستقبل فيه المعرس المهنئين ينقل على الهواء مباشرة والذي أصبح يوم له ويوم آخر لعرس النساء يكون في إحدى الصالات باهظة الثمن. والسؤال الذي يطرح نفسه هل أنزل الله سبحانه بكل هذا من سلطان؟ وهل أمر رسولنا بذلك أم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتيسير قدر المستطاع فكما يقولون ما هان استبرك. فبعد أن بلغ السيل الزُبى بخصوص ارتفاع تكاليف الزواج ألم يأن الأوان للجهات الدينية الرسمية أن تتدخل وتضع حداً لكل هذا وتحدد تكاليف الزواج بمبلغ يكون مقبولا ومعقولا بحدود المستطاع ولا يُترك الحبل على الغارب بأي حال من الأحوال لعدم التمادي أكثر في هذا السلوك غير السوي الذي لا يساعد على إصلاح المجتمعات وانتشار الفضيلة ومكارم الأخلاق التي تُعد صمام أمان للمجتمعات المسلمة؟ فالزواج يُعالج مشاكل مجتمعية وأخلاقية قصيرة وبعيدة المدى قد يجهلها المجتمع النسوي الذي للأسف أصابه داء حب المظاهر لدرجة كبيرة وغير مقبولة في ظل عدم وجود دور لبعض الرجال ضعفاء الشخصية في هذه القضية التي أصبح للنساء القول الفصل فيها؟! فهن من يحددن طلبات الزواج وهُن من يتفنن في ذلك وهُن من تسببن بتزايد العنوسة وكم من الفرص ضيعوها على حساب سعادة بناتهن؟! وآخر الكلام نيل النساء كامل حقوقهن في الدول شيء جيد ولكن يجب أن يكون ذلك بحدود محسوبة ومضبوطة حتى لا تخرج الأمور إلى خارج نطاق السيطرة وينسون أن الرجال قوامون على النساء..
1005
| 11 مايو 2026