رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كي ندرك قيمة ما نملك نحتاج لأن ندرك أننا نتمتع بالتالي: إما درجة عالية من المسؤولية التي ستوفر لنا كيفية المحافظة على ما نملك؛ لنتأكد من حقيقته كل الوقت فلا نخسره بتاتاً، وإما كتلة من الإهمال تجعلنا نُهمل ما نملك، وننشغل عنه بغيره حتى يفرط منا ونكون نحن من قد فرطنا به، وإن لم نعترف بذلك، والحقيقة أننا نميل إلى الخيار الثاني وإن لم نكن لنعترف بذلك، وهو ما نعيشه حين نعيش لغير ما نملك، ونلتفت لكل ما لا نملكه دون أن نركز على ما نملكه أصلاً؛ كي تمضي بنا الأيام ونمضي معها، دون أن ندرك ما سنخسره حتى نخسره؛ لنتعرف من بعدها على ما كنا نملكه ونسأل وبكل حزن: كيف خسرناه، ولماذا فعلنا؟ وغيرها من الأسئلة التي ستنهال علينا دون رحمة نحتاج إليها فعلياً حينها، وهي كل تلك الأسئلة التي ستؤكد لنا بأننا لم نُقدر ما كنا نملكه، ولم نهتم به أصلاً، وكل ما كان يهمنا أننا ندرك وجوده على رف (الممتلكات) التي قد تكون بالية لا يلتفت لها أي أحد، أو يلقي لها بالاً، وهو ما سيجعله تعيساً كتلك الممتلكات التعيسة، ويبقى السؤال الأكبر: لماذا لا نهتم منذ البداية بما قُدر لنا؟ ولماذا لم نقدره حق تقدير؟ وهل بالضرورة أن نخسره؛ كي ندرك أننا كنا نملكه في يوم من الأيام؟
لاشك بأننا وإن فعلنا فسنكون كمن أدرك ما يملكه عن طريق تلقي أصعب الدروس، وهو الدرس الذي لا يأتي بسهولة، ولا يمت للسهولة بصلة أو قرابة تشفع لنا ولكل من يتلقاه أبداً؛ لأنه وبكل بساطة سيسلبنا ما نملكه دون أن يُعلمنا بكل ما يود القيام به؛ لتقتلعنا الصدمة بعيداً عن الواقع، ولنا في ذلك الكثير من الأمثلة التي تطل علينا يومياً، وتأخذ مساحتها التي تصبح كمرتع لتلك المشاعر السلبية التي تعذبنا طويلاً، دون أن تحدد الوجهة التالية التي ستعقب وجهتها السابقة، فلا نجدها إلا وقد فرغت من ذاك؛ لتباشر عملها مع هذا، فتقع على رأسك؛ لتقع من بعدها دون أن تدرك ما قد حدث لك في يوم وليلة، وهو ما يجعلنا نجد أن الصحيح منا قد صار عليلاً بعد أن فقد صحته التي لم يهتم بها بقدر اهتمامه بمتابعة الأمور التي لن تتحقق له وهو بصحة معدومة، والمُحب سيجد كل من يحبه وقد رحلوا عنه بعد ان انشغل عنهم بعالم آخر لربما بدأ بتحضيره لهم، ولكنه تجاهل أهم شيء وهو أن العالم الذي يُحضره لهم لا قيمة له متى رحلوا عنه، فالأهم بأن يُكَلَل المرء بحب من يحب، لا بمساحات فارغة كانت لتكون لهم، ليس هذا فحسب، بل إننا نملك الكثير من العينات التي تُجسد كل الأمثلة التي تتناول ما كنا نملكه ولكننا خسرناه؛ بسبب تجاهلنا له وانشغالنا بما نعتقد بأنه الأهم، دون أن ندرك أنه لن يعني لنا شيئاً في نهاية المطاف.
لا يغيب عن كل مُتابع حقيقي لهذا العمود (كلمات صالحة للنشر) أني قد انشغلت في الفترة الأخيرة بأبي، فكان شغلي الشاغل، ولا قدرة لي على الالتفات لغير ذلك، وإن حرضت قلمي عليه؛ لأنه وبكل فخر أبي الذي كرس حياته من أجلي، ويستحق أن أكرس حياتي من أجله، فقررت وفي مرحلة من المراحل ترك قلمي جانباً؛ للتفرغ لتلك المهمة مناصفة مع أخوتي، غير أني قد وجدت جملة من الرسائل تسألني التنحي عن هذا القرار والعدول عنه؛ لأنه لم يكن عادلاً بما فيه الكفاية، خاصة لأبي نفسه، الذي ظل صوته الحكيم يرافقني كل الوقت ويسألني: هل ستستمر الحياة إن توقف قلمي عن الكتابة؟ وهل ستصبح الأمور في وضع أفضل؟ وهل ترك من يحتاج إلى الإرشاد والتوجيه خطوة موفقة تستحق المتابعة حتى وإن سحقت حاجة من يحتاج إلى كل ما سبق؟ لقد ظلت تلك الأسئلة تراودني في كل لحظة مكثت بها أمام أبي الذي يدرك ومن أعماقه أن مساعدة الغير صدقة من قبل أن تكون تلبية لـ (الواجب) الذي يتوجب علي القيام به، وهو ما قد فكرت به ملياً، وسألت نفسي: هل ما قد قررت القيام به هو الصواب فعلاً؟ هل توجيه دفة الإصلاح من خلال هذا العمود الذي عاهدته على فعل ذلك يستحق التوقف؛ كي تستمر الحياة؟ وهل ستستمر أصلاً؟ حتى وجدت الإجابة بوجه أبي وبوجه كل من رأيته وأنا في طريقي إلى المستشفى حيث هو حبيب قلبي، وهي أن التوقف عن واجبي، سيوقف بث الأمل في الآخرين، وهو ما نفعله أصلاً، (نعم) نحن من نبث الأمل بحياة أفضل في قلوبهم، ومن خلال هذه المهمة التي لا تعتمد على بث الكلمات المنسقة والمنمقة فقط، بل على بث الكلمات الصادقة التي توجه الآخرين نحو الخير، وتُبعدهم عن الشر، وتقدم لهم عينات حقيقية من هذه الحياة وفيها تمدهم بصدق التجربة التي نحتاج إليها بين الحين والآخر؛ كي ندرك ما يجب علينا فعله، وكي نشعر من خلالها بعمق المعاناة التي يعيشها غيرنا، وكيفية خروجهم منها وتوجههم نحو حياة أكثر سعادة. نحن نعيش حين يعيش غيرنا ونعيش كي يعيش غيرنا، وغيرنا يفعل كي نعيش نحن، وإنها لدائرة كبيرة جداً نتوسطها، ونخرج منها بحلول تتحلى بـ (الوسطية)، التي أجدها هنا بين سطور هذا العمود الذي يخرج بكلمات طيبة نحسبها عند الله كذلك، ونرغب بها ولها بأن تكون صدقة لمرضانا وعنهم.
خلاصة الكلام
لا تنتظر من الحياة أن تضعك بموقف تدرك فيه قيمة ما تملك من صحة ومال وأفراد أسرة وهم الأهم من كل ما سبق؛ لتدرك قيمة ما تملك، ولكن فلتحمد الله في كل يوم تستيقظ فيه على كل نعمة كتبها وقدرها لك، الآن وإن بدأت يومك وقبل ان يقضم الوقت من صباحك أوله، تقرب إلى الله وأشكره على كل نعمة عدت بها إلى الحياة، وتقرب من أقرب الناس إليك، وبادر بالسؤال عنهم وعن حاجاتهم، ولا تنتظر دعوة؛ كي تفعل فقط بادر، فلربما تجد ما لا تتوقعه فالاهتمام يُعيد الحياة إلى الحياة. وأخيراً، تذكر أن تجلس معها نفسك لتحاسبها، وتدرك ما قد فعلته بحق غيرك، ولتشكر من يستحق الشكر، ولتذكر وبخير من يستحق منك ذلك؛ ليرحمك الله ويوفقك ويسخر لك الخير أينما كنت.
كلمة أخيرة
أتقدم بخالص شكري وتقديري لكل من بادر بالسؤال عن أبي وعن صحته من كل مكان في العالم ومن خلال الرسائل التي وصلتني منهم، ولكل زملائي الذين حرصوا على متابعة أخباره بشكل عام، وللزميلة فوزية علي من قسم المحليات التي تابعت السؤال عنه وبشكل خاص، كما أخص بشكري مركز إبداع الفتاة على مبادرته بالسؤال الذي بلغني من الأخ حسن والأخت هيام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4296
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2565
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026