رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سألت الراكب بجانبي عندما نزلت سيارتنا من فوق جسر العذيبة في اتجاه ولاية السيب عن معنى الـ"ميرة"، حيث لمحت على الطريق الموازي لسيرنا المجمع التجاري الكبير الذي تغيرت علامته التجارية فجأة، ووضعت عليه اللائحة الجديدة "ميرة"؛عن معنى هذه الكلمة، وكيف جاءت على واجهة هذا المجمع، ومن صاحبه الذي تحمل لائحته هذا الاسم، فرد علي ان هذا المجمع التجاري الكبير صاحبه مستثمر من دولة قطر الشقيقة، فاستوعبت المعنى حينها وظللت كلما امر بشارع "السلطان قابوس" حيث يقع هذا المجمع موازيا لهذا الشارع المتجه الى عمق مسقط عاصمة السلطنة، ذهابا وايابا تبصر أعيننا هذه اللوحة الكبيرة التي تزين المحل، ومع مرور الأيام اتوقع أن الذاكرة الصغيرة لدى الجيل الجديد هذا الاسم، واصبح جزءا من المعلومات المخزنة، وهو بالنسبة لي ليس جديدا كمفردة متفردة وسط هذا العالم الذي يعج بالعولمة، حيث تستدعي الذاكرة هذا الاسم من معنى قديم عندنا في سلطنة عمان، فعندما كنا صغارا كنا نسمع من والدينا هذه المفردة فالوالد سيذهب الى السوق ليشتري ميرة يوم، أو اكثر، واستوعبتها الذاكرة في حينها على ان الـ "ميرة" هي كمية من الطعام، وعادة ما تكون لعدد ايام كثيرة.
هذه المفردة لم تعد اليوم متداولة حيث اكتسحتها العولمة بمفردات كثيرة، ولذلك اسقطتها الذاكرة الحديثة لدى الاجيال، واستعاظت عنها كما هو متوقع ومعروف بمفردات كثيرة، ولعل اقربها مسميات الوجبات السريعة – دون ذكر اسمائها – وهي معروفة، والتي تغزو العالم على امتداد الكرة الأرضية، والاجيال الحديثة، يقينا، غير ملامة على ذلك فهذا واقعهم، وعليهم ان يعيشونه بكامل مفرداته، وما تحمله هذه المفردات من حداثة وتقنية، فذاكرة الانسان عموما كما تشير الكثير من التقارير الطبية ترتبط ارتباطا وثيقا بمخه، وان أية تأثيرات جانبية على هذا الجهاز المهم من شأنه أن يربك الذاكرة، وقد يفقدها أرصدتها من المعلومات السابقة، ومن الرصيد المعرفي الممتد منذ عمر الطفولة وحتى العمر المتأخر، فكيف الحال اذا كانت هذه الذاكرة تبنى على مفردات مختلفة جدا عما كان عليه الجيل السابق، على سبيل المثال، ومن هذه النقطة بالذات فالذين يهتمون بمثل هذه المفردات، ويؤصلون بقاءها عبر وسائل عديدة، ومنها المثال الذي ذكرته في صدر المقال هم يقينا لم يأت هذا التأصيل صدفة، فوراءه اهتمام غير عادي بمفهوم هذا التأصيل، ولذلك احي حقيقة هذا المستثمر الذي اصل بقاء كلمة "ميرة" وهي المفردة الشعبية التي عايشتها الاجيال دهورا من الزمان، وها هو يكتب لها شهادة البقاء من جديد، وتعود لتترسخ في ذهن الذاكرة من جديد، صحيح ان الجيل اليوم يجد فيها من الغرابة الشيء الكثير، ولكنه يتعامل معها كعلامة تجارية فقط سوف تستوعبها الذاكرة شيئا فشيئا لتبقى جزءا من ذاكرة شعبية، بالاضافة الى تجدد بقائها في الذاكرة الشعبية لدى كبار السن الذين توحي اليهم بالشيء الكثير.
ما جعلني اتحدث عن هذه المفردة بالذات هو اصطدامي من جديد بمفردة أخرى غيبتها الذاكرة الشعبيية لذات الاسباب التي ذكرتها في صدر المقال وهي مفردة "كروة" حيث قرأتها أول ما خرجت من مطار حمد الدولي على سيارات الأجرة هنا في قطر الخير، وعلى باصات النقل المتعددة، ولأن المفردة ليست غريبة علي كرصيد معرفي قديم، حيث اعي معنى هذه المفردة فقد كان لي شرف المعرفة منذ البدايات الأولى للمعرفة عندما كنت صغيرا، كان كبار السن يرددون هذه المفردة "كروة"، و"يكاري"، و "كاراه"، وكلها في معنى الاجرة والاستئجرا، ويستأجر، ولكنها كحال شقيقتها "ميرة" اختفت هي الأخرى من سوق التداول المفردي لدى المجتمع، ومع مرور الايام تناستها الذاكرة الى حين، ولم تعد موجودة مطلقا في الذاكرة الشعبية لدى الجيل الحالي الذي استبدلها بالاجرة، ويؤجر، وغربها بمفردة "تاكسي"، و "يتكس"، وهكذا تستمر الذاكرة الشعبية في استيعاب الفمردات والغائها، وذلك وفق مجريات الزمن واحداثه، وما يولده من مفردات مستوحاة من البيئة في حينها، او من الوسيلة المتداولة بين الناس.
ومن هنا تستدعي الحاجة او الضرورة على المحافظة على ارث المجتمع ان يسعى افراد المجتمع الى تخليد هذه المفردات، او المسميات، سواء كانت مسميات متعلقة بالفرد، او بالمادة المتداولة بين افراد المجتمع ان يوجد المجتع لها مقارا آمنة للحفظ، لأن حفظها معناه البقاء على هوية المجتمع وعدم تغربه، وعدم تماهيه في عوالم الآخرين من حوله، خاصة العوالم التي لاتحصنها القيم، والعادات، وليس معنى هذا ان نكفكف على كل القيم صالحها وطالحها، أبدا، فنحن نعيش في عالم متحرك ديناميكي لا يهدأ وعلينا ان نتجاوب معه بما ييسر لنا الحياة، والوسيلة، على ان لا نفقد هويتنا، وأصالتنا، فالعولمة اليوم قضت على كل أخضر ويابس، كما يقال، وغربت الشعوب عن انتماءاتها الاجتماعية، والجغرافية، وعمقت فيها الاستقلالية الممقوته، وافرزت نتائج تتصادم مع تاريخ اجتماعي جميل، فقوضت فيه التماسك، والتآزر، وجاء مفهوم الأسرة النووية، فزاد الطين بلة – كما يقال – فبعد ان كانت الاسرة التقليدية المحافظة، ومتأزرة، حيث الجدين، والابوين، ومجموعة الابناء وزوجاتهم، وابنائهم، تصدرت الاسرة النووية لتنفرد من هذا التجمع كله على الرجل وزوجته، بيت كبير وضخم يضم روحين بين اربعة جدران فقط، في حي متطور لا يعرف الجار جاره، ولا القريب قريبه، وتناسخت هذه الصورة المجتمعية واستحسنتها الاجيال كنوع من الاستقلالية، ولكنها في المقابل غيبت اهم شيء، وهو اللحمة الاجتماعية الرائعة التي كانت بمثابة القفل الصلد لمكونات المجتمع الانساني من الترهل، والتشتت.
احي حقيقة المعنيين في دولة قطر الشقيقة على هذا التوجه الجميل، في توظيف هذه المفردات مثال (ميرة وكروة) في مختلف وسائل الحياة العامة، واعطائها عمرا جديدا للبقاء، وهذا يعكس بما لا يدع مجالا للشك ان هناك من لا يزال يرى في هذه المفردات وغيرها السبيل للمحافظة على قيم المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وما هذا التوظيف الجميل لفمردتي "كروة، وميرة" الا مثالا رائعا لهذا الاستحضار الجميل لتاريخ اصبح في حكم الموات، كما هو ديدن الحياة دائما؛ حيث لا تنتظر المتأخر كثيرا، فالركب مسرعا، والزمن يجري بسرعة البرق، في الوقت الذي ارى فيه ايضا ان العصر الحديث يتيح لنا الكثير من الفرص لتخليد شيئا من الذاكرة الشبعية حيث تتعدد اليوم وسائل الحفظ للمحافظة على اشيائنا التي لا تصطدم مع الواقع بشيء، والطرح هنا ايضا يحاول تبسيط الصورة الغائبة عن أجندة الاهتمامات اليومية لدينا، وذلك بسبب أن هناك الكثير من الموروث الاجتماعي، على سبيل المثال، يأتي عليه التقادم بسبب تقدم العمر عند كبار السن، والكثير منه غير مدون، وغير منقول، ومعنى ذلك برحيل من تبقى من كبار السن، تفقد الأجيال تراثا جميلا ومهما يتعلق بالكثير من مناح الحياة اليومية، وان كان هذا التراث لا يضيف شيئا للحياة اليومية لدى أجيال اليوم، ولكنه يسجل مرحلة مهمة يجب ألا تلغى من قاموس الحياة الاجتماعية، ويسدل عليها الستار لتذهب مع الزمن خاصة بعد أن بدأت الذاكرة الشعبية تختزل نشاطها إلى الحد الذي لم يعد الإنسان يحتفظ فيه الا بالشيء اليسير من أحداث الحياة، أو ما توثقه له الكتب والمراجع، وذلك بسبب التقنية الحديثة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3315
| 06 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1077
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1074
| 04 أكتوبر 2026