رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* الإعلام القطري أمام تحدٍ كبير في مقاومة المد الهائل من الاستقطاب والتشويه والتحريف
* سأعمل جاهداً بالتعاون مع فريق الشرق المحترف لصنع أفكار لنظل المصدر الموثوق للمعلومات
بسم الله وعلى بركة الله بدأت مرحلة جديدة في مسيرتي المهنية مع صحيفة الشرق، وأسأل الله تعالى أن يعينني على هذه المسؤولية الجسيمة، وأن أكون أهلاً لهذه الثقة الكبيرة.
الحمد لله أننا نعيش في دولة قطر، وننعم بالأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي، وهذا بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى — حفظه الله — وجهود المخلصين من أبناء الوطن، كل في عمله ومجاله، وهذا الاستقرار شكل بيئة مناسبة ومحفزة للنهوض بالدولة في شتى المجالات، وجعل كل مخلص على أرض قطر يعمل بجهد واجتهاد؛ لتحقيق رؤية الدولة (قطر 2030)، وبالمناسبة قطر تعد من الدول القليلة في العالم التي تملك رؤية تعمل للوصول إليها.
***
في عام 1996 وجدت الأستاذ ناصر محمد العثمان، عميد الصحافة القطرية، فجأة أمامي في قصر المنتزه بمدينة الاسكندرية، وكان يومئذ رئيساً لتحرير الشرق، وكنت وقتها طالباً في الجامعة، ووجدتني بدون تفكير اتجه إليه وأعرفه بنفسي، وبأنني طالب أدرس الصحافة بالجامعة، وأرغب في التدريب العملي معه خلال الصيف، وفي الحقيقة رحب بي الأستاذ ناصر وفتح المجال لي للتدريب العملي في الشرق خلال إجازة الصيف، وعملت بالفعل في ديسك الاخبار، واكتسبت هناك خبرات مهنية مهمة، وتعرفت كذلك على مصطلحات صحفية مختلفة من أرض الميدان، وكذلك أضفت إلى حصيلتي العلمية صياغات متطورة للأخبار والقصص الخبرية، وتعلمت كيف يصنع الخبر، وكيف يجهز حتى يقدم للقارئ.
وبعد انتهائي من دراستي الجامعية في عام 1999، كان الأستاذ ناصر قد انتقل إلى صحيفة الراية رئيساً للتحرير، وفور وصولي إلى الدوحة توجهت إليه وبدأ مشواري المهني والعملي في الراية منذ ذلك التاريخ بوظيفة محرر في قسم المحليات، ثم صعدت السلم الوظيفي درجة درجة، من نائب رئيس قسم المحليات وصولاً إلى مدير تحرير ونائب رئيس التحرير، وأكن لصحيفة الراية الكثير من الفضل؛ لأنها قدمت لي خبرات صحفية مهمة، وكنت محظوظاً برؤساء تحرير مهنيين ولديهم استعداد لتقديم الدعم الكامل لشباب الصحفيين، كما حظيت بزمالة صحفيين وإداريين ومخرجين محترفين ومخلصين في عملهم، فلهم مني جميعاً كل الشكر والتقدير.
***
في الحقيقة المشهد الإعلامي، العالمي عموماً والعربي على وجه الخصوص، يمر بمرحلة معقدة جداً وضبابية ويشوبها التشويش والتشويه؛ بسبب ضعف الاعتماد على المهنية ونسف مواثيق الشرف الصحفي، وبدلاً من ذلك عملوا على أن يكون نظام الولاءات والتحزب وتصدير المصالح المؤقتة على حساب المصلحة العامة هو من يتصدر المشهد، ولم يسلم الإعلام بصورة عامة من حالة الاستقطاب السياسي، التي استشرت بشراسة في وسائل إعلام كنا نعتقد حتى فترة ليست ببعيدة أنها مدارس صحفية؛ لتتحول بعد ذلك إلى دكاكين تبيع الخبر والتحليل والتقرير لمن يدفع أكثر!! ونتيجة لذلك تحول النقاش في هذه الوسائل إلى ساحات لتصفية الحسابات وتخوين الآخرين؛ وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى وجود أزمة ثقة لدى المتلقى، الذي هو العنصر الأساسي من عناصر الرسالة الإعلامية، واتجه المتلقى إلى وسائل أخرى تقدم له معلومات موثوقة ومجردة، والبعض وجد ضالته في الصحافة الأجنبية التي تدافع عن مصالحها، ولكن بطريقة أكثر احترافية، حيث إنها تدس السم في العسل بطريقة لا تمكن القارئ البسيط من معرفة أهدافها بوضوح، بينما اتجه قطاع آخر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، واعتمدوا عليها بالكامل في متابعة الأخبار والمعلومات الغائبة عن الإعلام العربي الرسمي، وهناك في هذه الوسائل طرأت تغييرات كبيرة في كيفية صنع الأخبار وتوجيهها لمصالح معينة، وأدى ذلك إلى خلط بين المعلومة الحقيقية والمفبركة، ولم تسلم الصور من ذلك، حيث تخضع في معظم الأحيان إلى تعديلات تعمل على تزييف الحقائق والواقع؛ من أجل تمرير فكرة أو تمجيد فريق أو حزب على حساب آخر، أو ربما تشويهه وحشد الكره لما يقوم به الطرف الخصم.
أمامنا في الإعلام القطري تحدٍ كبير في مقاومة هذا المد الهائل من الاستقطاب والتشويه والتحريف، ولا نستطيع مواجهته إلا إذا حصَّنا المجتمع بالمعلومة الصادقة والمعالجة الحقيقية للمعلومات والسرعة في إيصالها، وقد قطعت الصحف والإعلام المحلي بكل وسائله شوطاً كبيراً في ذلك، بعد أن أدركت هذه الوسائل أن الصواب هو في أن تصل إليهم قبل أن تصلهم المعلومات من مصادر غير موثوقة، مبنية على نقل سوالف المجالس أو سماعية، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم ما يقال في المجالس غالباً ما يكون أساسه صحيحاً، ولكن لغياب النشر أو التحفظ منه يبدأ المتلقون في التحليل والإضافة والتعديل؛ إلى أن يتضخم الخبر بصورة سلبية، وكان يمكن احتواء ذلك بنشر المعلومة الصحيحة فوراً.
قبل الختام أود أن أؤكد أن الإعلام القطري قطع شوطاً كبيراً من التميز في ظل الظروف السياسية والإقليمية التي تحيط بنا؛ وهذا بفضل تضافر جميع الجهود في الحقل الإعلامي ولا أنكر الدور الكبير، الذي تقوم به المؤسسة القطرية للإعلام والصحف ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، الذين أدركوا أهمية صناعة الوعي للمتلقي وخطورة تركه فريسة للإعلام الموجه، الذي يسير لمصلحة أجندات، ينبغي لنا ألا ننجر وراءها، وحققت هذه الجهود نتائج إيجابية وخاصة في وسط الفئات السنية المستهدفة سريعة التأثر من فك خفايا هذه الأخبار والكمية الهائلة من المعلومات، ولحسن الحظ أصبح قطاع كبير منهم يملك الوعي لفلترة ما يقرأ وما يشاهد.
ومن باب دور صحيفة الشرق في تعزيز دور الإعلام القطري والنأي به عن هذه الدوافع والنوايا البائسة، فإنني سأعمل جاهداً بالتعاون مع فريق الشرق المحترف والقوي لصنع أفكار وموضوعات صحفية مميزة بإذن الله، وسنعمل جاهدين في أن تظل الشرق هي المصدر الموثوق للمعلومات، كما سنعمل على مواصلة تميز الشرق في طرحها القوي والجريء، الذي يخدم أهداف الوطن والمواطن وكل من يقيم على أرض قطر، التي نعتبرها جميعاً هي الأساس وهي التي نضعها نصب أعيننا وهي التي نعمل جميعاً لرفعتها، وسنبذل في الشرق كل الجهد لإيصال وتوضيح وتدعيم وجهة النظر القطرية، التي أسست مدرسة جديدة في السياسة الدولية، تقوم على الإنسانية قبل المصالح، وقد اتضح ذلك بصورة كبيرة في دعم قطر للقضية السورية، والموقف الثابت والتاريخي من القضية الفلسطينية.
***
يسعدنا في الشرق أن نعلن عن فتح جميع الأبواب لاستقطاب المواطنين للعمل في كل الفنون الصحفية من تحرير أو تصميم أو إخراج أو تصوير أو رسم، كما أن الشرق يسعدها استقبال طلاب وطالبات الإعلام أو التخصصات المشابهة لممارسة التدريب العملي في جو صحفي احترافي، وستقوم بدعم كل من يرغب في العمل أو التدريب بكل أشكال الدعم، وفي هذا السياق أود أن أشكر إدارة التطوير الإعلامي في المؤسسة القطرية للإعلام، التي وفرت بيئة عمل مناسبة ومشجعة للصحفيين القطريين للعمل في الصحف، وتعمل الإدارة على تطويرهم وتحفيزهم وإخضاعهم لدورات تدريبية، وتعمل على تحقيق الاستقرار الوظيفي لهم بمميزات مادية ومعنوية عديدة.
***
شكراً لمن علمني حرفاً، كل الشكر والعرفان والامتنان لوالدي، حفظه الله، والشكر لكل من دعمني وشجعني ووقف بجانبي حتى وصلت إلى ما أنا عليه. أتمنى من الله عزوجل أن يعينني على هذه المهمة، وأرجو من الجميع تقديم الدعم لي وللصحيفة؛ حتى تبقى الشرق كما عهدتموها دائماً هي جريدة أهل قطر.
خطاب الأمير وثيقة إستراتيجية تعكس قضايا العالم
جاءت مشاركة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في الجلسة الافتتاحية للجمعية... اقرأ المزيد
2160
| 21 سبتمبر 2022
كلمة سمو الأمير تكشف الخلل وتقترح الحلول
رؤية متكاملة للأمن الاقتصادي والاستقرار العالمي بهذه الضوابط تتحقق المساواة في التعافي الاقتصادي العالمي انتهاج مقاربة تترجم الأقوال... اقرأ المزيد
1858
| 22 يونيو 2022
كلمة صاحب السمو في دافوس رسائل مهمة للضمير العالمي
تكتسب مشاركة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في منتدى دافوس أهمية... اقرأ المزيد
1613
| 24 مايو 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8721
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2814
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
1710
| 30 أكتوبر 2026