رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طرحت الجامعة العربية هذا الأسبوع مبادرة لتسوية الأزمة السورية ووضع حد للعنف هناك، وذلك من خلال حث الرئيس السوري بشار الأسد على التنحي، و "تفويض صلاحياته إلى نائبه لتسهيل مهمة تشكيل حكومة وحدة وطنية". وقالت الجامعة أيضا إنها سوف تتوجه إلى مجلس الأمن، وألمحت إلى إمكانية فرض مزيد من العقوبات على سوريا.
وجاء الرد السوري برفض مبادرة الجامعة العربية واعتبروا أنها "تشكل تهديداً لسيادتها الوطنية، وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية وانتهاكاً صريحاً للأهداف التي أنشئت من أجلها جامعة الدول العربية، وخرقاً واضحاً للمادة الثامنة من ميثاقها".
ومن ناحية أخرى، أكد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أن الخطة السورية " "تشابه نوعا ما المبادرة الخليجية في اليمن"، والتي نتج عنها موافقة علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية على التنحي.
وهذا التشابه يشير إلى أن مبادرة جامعة الدول العربية بشأن سوريا قد تمت بقرار ودعم من المملكة العربية السعودية التي ألقت بكامل ثقلها في هذه المبادرة، وهي شبيهة بالمبادرة الخليجية الخاصة بالوضع في اليمن، في حين انسحبت قطر من المبادرة الخليجية. كذلك تلك الحقيقة المؤكدة بأن جميع الدول العربية باستثناء لبنان، والجزائر التي أبدت تحفظاً على أحد بنود المبادرة والمتمثل في إبلاغ مجلس الأمن لدعم الخطة العربية مما جعل سوريا تكيل الاتهامات للمملكة العربية السعودية بأنها قد مارست ضغوطا على الدول العربية. وعلاوة على ذلك، فإن العراق الذي اعتاد على الامتناع عن التصويت بشأن كل التوصيات السابقة الخاصة بالأزمة السورية، قد غيّر من موقفه وسياسته القديمة ووافق كذلك على مبادرة الجامعة العربية. ومع ذلك، فإن الوضع في سوريا يختلف اختلافا شاسعا عن ذلك الذي باليمن.
فمن جانب، فقد رفض الرئيس السوري الخطة بينما وافق عليها الرئيس اليمني، أحد أسباب ذلك هو أن الرئيس علي عبدالله صالح لم يكن يتمتع بدعم دولي قوي في حين أن سوريا تحظى بدعم كل من إيران وروسيا، كما أن الرئيس اليمني كان قد خسر دعم حميد الأحمر، الشخصية ذات النفوذ السياسي المؤثر، وذلك مع بداية انتفاضة الربيع العربي في البلاد.
أضف إلى ذلك الضغط المستمر من جانب المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، بجانب محاولة الاغتيال التي تعرض لها والتي أصيب على إثرها بجروح خطيرة في انفجار القنبلة التي زرعت في المسجد الرئاسي، تعتبر من الأسباب التي جعلت علي عبدالله صالح يضطر لقبول شروط المبادرة الخليجية، فهو لم يكن لديه خيار آخر خاصة بعد محاولة اغتياله تلك والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من النجاح.
أما ما يحدث في سوريا فهو مختلف، فحتى هذه اللحظة، ما زال القمع العنيف ضد المتظاهرين هناك مستمر، رغم وجود مراقبي الجامعة العربية.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب بشأن سوريا هذا الأسبوع، أن المملكة قد قامت بسحب مراقبيها من بعثة المراقبين العرب "لعدم تنفيذ الحكومة السورية لأي من عناصر خطة الحل العربي التي تهدف أساساً لحقن الدماء الغالية علينا جميعاً".
ورغم الاحتجاجات في سوريا، إلا أن الرئيس الأسد ما زال يتمتع بدعم شعبي وسند داخلي، كما أن شقيقه ماهر الأسد ما زال يحظى بسيطرته ونفوذه على الجيش السوري.
وقد ذكرنا في مقالاتنا السابقة بأن الوضع في سوريا ذاهب إلى مفترق طريق، وحتى اللحظة لا أحد يعلم في أي اتجاه ستمضي الأوضاع، فالاحتمال الأول هو أن يتنحى الرئيس الأسد ويقوم بالتالي بتسليم السلطة إلى حكومة وحدة وطنية، أو أن يعاند ويبقى في السلطة فتشتعل حرباً أهلية بين مختلف المجموعات.
أوضح معالي الشيخ حمد بن جاسم أن الاقتراح السابق من قِبل صاحب السمو أمير البلاد المفدى لإرسال قوات حفظ سلام، إنما هو نتيجة لأعمال العنف التي تشهدها سوريا بسبب الاستخدام المفرط والطويل الأمد للقوة من قبل قوات النظام السوري، والذي أجبر جزءا من الشعب على حمل السلاح والمواجهة من أجل الدفاع عن أنفسهم.
وأضاف معالي رئيس الوزراء: "أنا أعلم أن هذه فكرة متقدمة لأنها ستكون هي المرة الأولى التي تقوم فيها الجامعة العربية بإرسال قوة لحفظ السلام إلى بلد عربي". وأشار أيضا إلى نموذج قوات الردع العربية التي تم إرسالها إلى لبنان خلال الحرب الأهلية.
فإذا اتخذ النظام السوري قراره بالذهاب إلى حرب أهلية، فإن الحكومة السورية سوف تضعف وسيكون وضعها مماثلا لما حدث في لبنان عام 1976، عندما قامت الدول العربية بإنشاء قوات تدخل سريع سُميَّت بقوات الردع العربية، التي تألفت آنذاك من قوات من سوريا والسعودية والسودان والإمارات وليبيا، بناء على طلب من الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية، بسبب تصاعد الحرب الأهلية في البلاد وقتها، ولكن المعادلة مختلفة في سوريا.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك لمعالي الشيخ حمد بن جاسم، والدكتور نبيل العربي، قام مراسل لمحطة تليفزيون "سوريا الغد" بتوجيه سؤال لمعالي الشيخ حمد بن جاسم قائلاً: "إن الشعب السوري قالها بوضوح إنه يريد إعدام الرئيس ويريد إسقاط النظام..".
فقام الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي بمقاطعته ساخراً: "حسنا، اذهب واعدمه" في حين أن معالي رئيس الوزراء قاطعه قائلاً: "ومن الذي يمنعكم من إسقاط النظام؟".
كل هذه التعليقات تشير فيما يبدو إلى أن الوضع في سوريا على حافة حرب أهلية، وأن العنف سوف يستمر، وأن مختلف الفصائل السورية ستتقاتل للتنافس على السلطة في البلاد.
ومن أجل منع حدوث ذلك، ينبغي للبلدان التي تدعم سوريا، مثل إيران وروسيا، أن تمارس مزيداً من الضغط على الرئيس الأسد للتنحي لتجنب حرب أهلية دامية.
وبخصوص موقف كل من إيران وروسيا بخصوص الأزمة في سوريا، دعا معالي رئيس مجلس وزراء قطر، روسيا لتبني الحل العربي للأزمة السورية، وقال مشيراً إلى أن موسكو كانت قد طلبت في وقت سابق حلاً عربياً للأزمة: "أن قرارات روسيا محترمة وهي تعلم أنها طلبت تدخلا عربيا"، وتمنى كذلك أن تتماشى رغبات روسيا مع رغبات العالم العربي. كما دعا إيران إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن سوريا قائلاً: "يربطنا بإيران تاريخ وعلاقات"، وتمنى أن يكون تدخلها لمصلحة الشعب السوري.
فلذلك ينبغي على الأسد التفكير في مبادرة الجامعة العربية والنظر إليها بعين الاعتبار، فهذه المبادرة ربما تكون طريقه الوحيد للخروج من هذا الوضع المزري والمتدهور، ليس فقط بالنسبة له هو أو لأسرته - التي ستفقد الكثير إذا ما ذهب الاتجاه في سوريا نحو حرب أهلية - ولكن من أجل المواطنين السوريين الذين سيعانون كثيراً، ولا شك أن قيام حرب أهلية سيتسبب في انتكاسة كبيرة بالنسبة لاقتصاد البلاد الذي ربما يستغرق وقتا طويلا لكي يتعافى.
نأمل ألا يأتي ذلك اليوم الذي تعقد فيه جامعة الدول العربية اجتماعا آخر لإرسال قوات الردع العربية إلى سوريا بسبب الحرب الأهلية، يجب على الأسد أن يقبل بمبادرة الجامعة العربية وأن يتنحّى لمصلحة بلده وشعبه.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
الفجوة بين التخطيط والتنفيذ
لم تعد التحديات التي تواجه الحكومات الحديثة مرتبطة فقط بقدرتها على وضع الخطط والاستراتيجيات، بل أصبحت ترتبط بصورة... اقرأ المزيد
105
| 24 مايو 2026
ضمير المنفى.. حين يصبح المثقف موقفًا أخلاقيًا
في وقتنا المعاصر، لم تعد الثقافة مجرد مساحة للقراءة أو الترف الفكري، بل أصبحت محاولة مستمرة لفهم الإنسان... اقرأ المزيد
111
| 24 مايو 2026
الموسوعة الإعلامية تنقذنا من هيمنة المفردة الغربية
في عصر تنتقل فيه المفردات من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى ثقافة، ويتشارك فيه العالم المعاني ويتنافس... اقرأ المزيد
108
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1440
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1284
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1095
| 21 مايو 2026