رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاحظنا في الآونة الأخيرة أن محور "الممانعة والمقاومة" نسي شعاره التاريخي تماماً، فلم نعد نسمع تلك العنتريات القديمة التي تهدد بمحو إسرائيل عن الخارطة، أو بمواجهة "الشيطان الأكبر" وتكسير أنفه. اختفى هذا الخطاب العنتري تماماً، لا بل إن الخطاب الممانع أصبح يتماهى بطريقة مدهشة مع الخطاب الإمبريالي المناهض للإرهاب، فلو قارنت الخطاب الأمريكي الذي يحتل الساحة منذ سنوات بالخطاب السوري والإيراني والحزب اللاتي والعراقي لوجدت أن لا فرق أبداً بين الخطابين، فقد غدت نغمة "مكافحة الإرهاب" واحدة في واشنطن وطهران ودمشق وبيروت وبغداد. وكلنا سمع زعيم حزب الله وهو يتوعد "الإرهابيين التكفيريين" في سوريا بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولا شك أم مثل ذلك التصريح نزل برداً وسلاماً على سكان البيت الأبيض، فأومأوا له بأن يمر، ويسير على بركة الله. لم نسمع اعتراضاً أمريكياً واحداً على تدخل حزب الله الصارخ في سوريا. وكيف تعترض واشنطن، والحزب يصرح على رؤوس الأشهاد بأنه أصبح رأس حربة في المشروع الأمريكي الذي يتصدى للإرهاب والإرهابيين في العالم.
وفي طهران اختفت الشعارات العالية ضد "الشيطان الأكبر"، لتحل محلها شعارات معادية جداً "للتكفيريين والإرهابيين" الملاعين، فجأة أصبحت إيران حاملة نفس الشعار الأمريكي ذائع الصيت، وحدث ولا حرج عن نوري المالكي في العراق الذي، ما إن حمل سيفه، وهجم على "الإرهابيين" في صحارى العراق حتى انهالت عليه كل أنواع الأسلحة الأمريكية الحديثة لمساعدته في ملاحقة "الإرهابيين" ونسفهم عن بكرة أبيهم.
أما في سوريا، فقد أصبح "الإرهاب" النغمة الأكثر سماعاً في الخطابين السياسي والإعلامي السوري على مدى الشهور الماضية. وقد غدت محاربة الإرهاب على الطريقة الأمريكية الشغل الشاغل للقيادة السورية. وقد وصل الأمر بالرئيس السوري إلى التأكيد على أن مؤتمر جنيف الثاني يجب أن يتناسى المسألة السورية برمتها، ويركز على ضرورة مكافحة الإرهاب في سوريا والعالم. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن النظام السوري معروف تاريخياً بعلاقاته الوطيدة مع أمريكا والغرب عموماً في محاربة الإرهاب. وقد كانت واشنطن ترسل له الكثير من المتهمين بالإرهاب للتحقيق معهم وتعذيبهم في السجون السورية، لأن القوانين الأمريكية تمنع التعذيب على الأرض الأمريكية. أضف إلى ذلك أن وكالات الاستخبارات الغربية ظلت على اتصال بالمخابرات السورية في هذا الشأن حتى في عز العقوبات الغربية المفروضة على سوريا. وتتفاخر وسائل الإعلام السورية، وتتغنى، لا بل ترقص فرحاً في الآونة الأخيرة وهي تهلل، وتطبل، وتزمر للاتصالات الكثيرة التي يتلقاها اللواء علي مملوك مدير الأمن الوطني في سوريا من نظرائه الأوروبيين فيما يخص محاربة "الإرهاب".
هل يا ترى كانت "الممانعة والمقاومة" مجرد مهمة أوعزت بها أمريكا إلى حلف "المقاومين والممانعين" أن يقوموا بها على مدى العقود الماضية للضحك على شعوبهم ولترسيخ أنظمة حكمهم بموجبها، وقد آن الأوان الآن لاستبدالها بمهمة أخرى بعد أن انفضح أمرها، ولم تعد قابلة للتداول في بورصة السياسات والعنتريات والأكاذيب الدولية؟ الله وأعلم! وفي هذا السياق أريد أن أنقل حرفياً رسالة لكاتب سوري يكتب باسم "حسان السوري" يوجهها لبشار الأسد حول هذا الانتقال التاريخي من مرحلة "المقاومة والممانعة" إلى حقبة محاربة "الإرهاب".
"تقول يا سيادة الرئيس إنك تحارب الإرهاب، وهذه الحرب تحتاج لوقت طويل.. يعني سيادة الرئيس: كم سيطول هذا الوقت؟ وكم ولاية تريد أن تجدد لنفسك بحجة الوقت الطويل الذي تحتاجه للقضاء على الإرهاب؟ قبل هذه المرة حكمتمونا ثلاثاً وأربعين سنة بحجة محاربة إسرائيل، واستعادة فلسطين، وتوحيد العرب، والتصدي للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، واستعادة الجولان الحبيب، فكانت النتيجة صمتاً كاملاً استمر ثلاثاً وأربعين سنةً عاشت فيها إسرائيل أزهى عصورها، ومسحت الأرض بكرامة السيادة الوطنية، واخترقت الأجواء السورية لعدة مرات، وقصفت سوريا مراراً، لا بل كانت تحلق الطائرات الإسرائيلية فوق قصركم كالعصافير، وأنتم كالزوج المخدوع: آخر من يعلم. ولم نسمع منكم إلا التنديد، والاحتفاظ بحق الرد، بينما جيشكم الباسل جاهز لتدمير سورية إذا ظن أن فيها معارضاً أعزل، أو تلميذاً مشاغباً. لماذا تتحولون سيادة الرئيس إلى حمل وديع عندما تهاجمنا إسرائيل، بينما تمحون مدناً عن خارطة سوريا بوحشيتكم النازية عندما تطالب فقط بزيادة جرعة أوكسجين الحرية؟.
أما فلسطين التي وعدتم باسترجاعها، سيادة الرئيس، فزادت سيطرة المحتل الإسرائيلي على أراضيها خلال الثلاثة وأربعين عاماً. أليست فلسطين بالنسبة لكم مجرد مكياج تضعونه فوق وجوهكم عندما تريدون تمثيل دور عروبي، أو ستر فضيحة من فضائحكم، أو تحويل هزيمة لحقت بكم إلى نصر مبين، فتضعون مكياج فلسطين للحظات، وتقفون على المسرح للضحك على الشعوب، ثم تسارعون لإزالته فور انتهائكم منه؟ هل شاهدت يا سيادة الرئيس صور الجوعى والمحاصرين في مخيم اليرموك الفلسطيني في "قلب العروبة النابض"، دمشق؟
ولا ننسى نكتة توحيد العرب، فنشكركم على تفريق الشعب السوري إلى تسعمائة ألف وستمائة وخمسين طائفة وملة وفصيل وشرذمة ومذهب، فما بالك بتوحيد العرب.
أين تصديكم للمشروع الصهيو - أمريكي، فحيائي يمنعني من ذكر التسهيلات التي قدمتموها لهم لإتمام مشروعهم بمنتهى الإخلاص. أما الجولان، فلو استعدت سنتيمتراً واحداً منه على مدى ثلاثة وأربعين عاماً لكنت أول من يرفع لك القبعة. ثلاث وأربعون سنة كانت أسوأ حقبة عرفتها سوريا. أين مشروعكم القومي؟ أرجوكم أن تنهوا هذه المهزلة، وصارحونا بأنكم تحكموننا بالقهر كما صارح سيف الإسلام القذافي شعبه، حين قال: "لو أردنا أن نجري انتخابات لفزنا بنسبة مائة وعشرين بالمائة. لا داعي للانتخابات المزورة، فنحن نحكمكم بقوة السلاح". إنها صراحة قذرة.. صحيح، ولكنها أشرف مليون مرة من المتاجرة بالشعارات التي تخرج منكم طيلة ثلاثة وأربعين عاماً.
هل مطلوب منا الآن، سيادة الرئيس، بعد أن نزعتم قناع "المقاومة والممانعة" أن نعاني عقوداً أخرى من القهر والقمع والطغيان بحجة محاربة الإرهاب؟ وأخيراً: كيف للإرهابي أن يدعي محاربة الإرهاب؟ هل شاهدتم آلاف صور التعذيب المسربة من سجونكم لآلاف السجناء؟ ألم تصفها وسائل الإعلام العالمية بـ"الهولوكوست السوري"؟
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2382
| 15 ديسمبر 2019
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2108
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026