رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خليفة آل محمود

- محامٍ ومدون سياسي

مساحة إعلانية

مقالات

789

خليفة آل محمود

زاوية الرؤية بيننا وبين إسرائيل

26 يناير 2025 , 02:00ص

عبر التاريخ الإسرائيلي القصير كله، وبعد كل حرب تتساقط بعض المناصب كأوراق الخريف سواء في ذلك القيادات السياسية والعسكرية، فيبتهج العرب في الطرف المقابل بذلك ويعدونه دليلاً على الهزيمة والانكسار لعدوهم، لكن حذار أن نخلط بين الأمور، فنحن هنا أمام ثقافتين مختلفتين كلياً في التعاطي مع القضايا: ثقافة الشكل، والأخرى ثقافة المضمون، ونظامين أحدهما يعلي من فكرة المؤسسة والآخر يقدس الفرد.

في إسرائيل، هناك مراجعات دائمة وتزداد وتيرتها مع الأحداث، وصحافة وإعلام يعملان باستقلال تام، ومراكز للدراسات، وأصوات قوية تسمع للمعارضة، وانتخابات لا تبقي ولا تذر فتعصف بكل من يحيد عن الطريق، وسقوط الأسماء عندهم مقترن بفشل المؤسسة التي يمثلها، لذا يجب أن يغادر الشخص ويستبدل به من يحقق معايير أفضل للتطور، لا يسمو أحد على الخطأ، رئيسة الوزراء «غولدا مائير»، الزعيمة التاريخية لإسرائيل مع كل ما قدمت من خدمات جليلة للكيان، سرعان ما أقيلت عن رئاسة الوزارة وتم احالتها إلى لجنة تحقيق لأنها فشلت في قراءة القدرة العسكرية المصرية في أكتوبر عام 1973، لم يشفع لها السنوات الطويلة من النجاح المتواصل والانتصارات الباهرة، صحيح أن معركة أكتوبر بالنسبة لإسرائيل لم تغير من الأمر شيئا، ولكن البقاء للأصلح استراتيجية مهمة لبقاء الدولة، باختصار شديد، الانتماء دائما لثقافة المضمون والمؤسسة، وأن لا صوت يعلو على صوت النجاح.

في الطرف المقابل، مؤسسة عسكرية أغرقت الناس بالغناء والشعارات وتمجيد القيادات، وأسكتت كل صوت معارض لها وجعلت السجن مثواه الأخير، وصحافة عليها ألف رقيب، هذه القيادة خسرت سيناء عام 1956، تلك المعركة التي تسمى حرب الـ100 ساعة، لأن شبه جزيرة سيناء وهي بمساحة 60 ألف كيلو متر مربع، احتُلت في هذه الساعات المائة فقط، كانت الإشكالية الوحيدة لدى الجيش الإسرائيلي آنذاك في عدد الأسرى الكبير ومخازن الأسلحة، لتفتخر «غولدا مائير» في مذكراتها بأنها استبدلت 50 ألف جندي مصري بجندي إسرائيلي واحد، ولم يفُتها أن تؤكد للقارئ أن أسيرهم إنما وقع في الأسر لأنه ضل في الطريق، نعم، النجاح الوحيد لدى الطرف الآخر كان في وضع القيود في يد جندي إسرائيلي وقع لديهم بالخطأ حين ضل في الطريق، وبعد تفاهمات لفض الاشتباكات بعد المعركة، أُعيدت سيناء للمصريين لتسقط مرة أخرى عام 1967، لكن في هذه المرة احتاج جيش إسرائيل عددا أقل من الساعات لاحتلالها، تمسكت القيادة المصرية بالسلطة أكثر بعد هذا الاحتلال الثاني، والغريب أنه بعد هذا الفشل الكبير للقائد نفسه نجد ان صحافتهم ومع هذه الهزيمة النكراء، بالغت بالثناء والشكر لبقاء القائد، وجعلت نجاة الرئيس معيار الانتصار في المعركة وهزيمة العدو حتى وإن خسرنا الأرض، سحروا أعين الناس بتهميش المهم، مفارقة عجيبة جداً، والأغرب أن هناك من يصدق ويؤمن بهذه الفكرة الإبليسية، مما دفع الجماهير للخروج لتطالبه بعدم تركهم في هذا الوقت العصيب، قد يقول أحدهم إنها مظاهرات مفتعلة من أجهزة المخابرات، ولكن الكثير من المتظاهرين البسطاء السكارى بالإعلام المركز خرجوا صادقين، مؤمنين إيمانا مطلقا أن تحت العباءة شيخا سوف يقلب الطاولة على الجميع في الوقت المناسب، وحتى يومنا هذا، نجد بعض الأكاديميين والمثقفين يؤمنون بتلك القدرات الفذة لذلك الفرد، وان له من الإنجازات حري ان تجّب ما تقدم من فشله وما تاخر، ويرمون كل العثرات والكوارث على الظروف والرجال الذين حوله، ونسوا أن أول بديهيات الإدارة والقيادة هي قراءة الظروف واختيار المساعدين.

عودا على بدء، نخلط في الأوراق وفي صوابية اتجاه النظرة حين نعتقد أن تنحي شخص في إسرائيل هو إقرار بهزيمة، شخصياً أجده تأكيداً على نجاح باهر يتمثل في رصانة المؤسسة على حساب الفرد، وأن الأولوية عندهم الإبقاء عليها وإن غادر المئات من الأفراد، لهذا نجد في الدولة العبرية عدداً من رؤساء الوزراء يتغيرون، وصراعات انتخابية وعشرات من وزراء الدفاع والأركان، وصحافة حرة تتحدث بما تراه، يقابلهم أصحاب المناصب في الطرف الآخر ثابتون كثبات الجبال، المتغير الوحيد ألوان شعورهم من الأسود إلى الأبيض، يتغيرون بالموت أو الثورة عليهم، لهذا نجحت «المؤسسة» التي تُسمى إسرائيل، واهتز وانهزم وتلاشى بسهولة ذلك «الفرد» وإن كان على شكل دولة.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية