رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاش المصريون ليلة الأحد الاثنين أمام شاشات التلفزيون في انتظار لحديث الرئيس المنتخب. تحول الانتظار إلى حالة من التنكيت والتبكيت، ويكاد يحصل مرسي على جائزة النكتة السياسية التي يتميز بها الشعب المصري في مواجهة حالات الهزل السياسي، ولتبقى النكتة لدى الشعب المصري هي سلاح شعبي يرفع ويسقط من يشاء، ومع تنوع التعليقات كان أشدها عندي تعليقا مع بداية إذاعة الحديث، دعا إلى إغلاق التلفزيونات، فقد تضيع منا متعة البسمة، نتيجة تعليقات الانتظار لساعات، بأقوال قد ترفع الضغط، أو تصيب الإنسان بتوتر، أو تخرجه عن شعوره، وهو حقيقة ما جرى لمن شاهد الحديث ولم يأخذ بنصيحة إغلاق شاشات التلفزيون.
من واجب أي رئيس دولة أن يخرج على الشعب ويتحدث إليه، وواجب الحديث أن يكون سياسيا، وأن يزيل أي غموض أو إحباط، وأن يدفع إلى اليقين والأمل، وتميز مرسي بأنه عندما يتحدث، يزيد من علامات الاستفهام وكأنه يتحدث عن كوكب آخر ووطن غير مصر وحقائق غير التي يمسك بها الناس كجمر النار تحرق الجلد واللحم والعظام، حتى أن رائحة الشياط في مصر تزكم الأنوف، وتخرق الأبصار، ولا يمكن تسكين حديثه في كل ما مضى أنه حديث سياسي على الإطلاق، فتناول غير قضايا الشعب، وادعاء غير الحقائق، يدفع إلى فقدان الثقة في المتحدث، وإن ظل في غيه وتوهمه أنه يكسب، فالحقيقة أنه يفتح الباب على مصراعيه للرفض وتصاعد التصدي.
إنه صورة حقيقية للانتحار السياسي، فقد يكون مقبولا من غير من يتصدى لمهمة رئيس الدولة أن يدعي ما يشاء، ولكن رئيس الدولة لا يملك ترف الادعاء.
في كافة المقالات التي كتبتها طوال زمن الثورة لم أشك لحظة أن الإخوان وحزب الحرية والعدالة داخل خندق القوى المضادة للثورة، وأن المسار منذ لجنة البشري حتى حديث الأمس هو خروج عن حاجات الثورة وهو حالة من القرصنة تمارس بكل الفجاجة والوضوح كأنهم يقولون: "هاتوا آخر ما عندكم"، ولكن مرسي يرى أنه يمثل الثورة!، وأن كافة التحركات ضده هي ثورة مضادة، وأن التعبير عن الرأي جائز، والعصيان المدني حركة ضد الثورة، ولم يسأل نفسه لماذا يلجأ الشعب إلى العصيان المدني، ولم يحاول أن يفسر حصار المحكمة الدستورية من أتباعه، بل تحجج بأن غيرهم حاصروا النائب العام ونسي أن أتباعه أيضا حاصروا النائب العام الذي سبقه.
نحن لا نناقش حديث مرسي ولكننا سنحاول قراءة إلى أين تتجه مصر بعد حديثه ودعوته إلى الانتخابات النيابة طبقا لقانون انتخابات أرسله إليه مجلس الشورى وأصدره هو، رغم عدم مرور القانون بخطوة حيوية ودستورية وهي عرضه على المحكمة الدستورية، خاصة وأن المحكمة أعادت القانون بملاحظات لها، وكان واجبا أن تراجع المحكمة الصيغة النهائية للقانون ومدى توافق مواده مع ملاحظاتها، ولكن مجلس الشورى الإخواني نصب من نفسه بديلا عن المحكمة الدستورية، وبارك مرسي هذا التجاوز، رغم أن نائبا لرئيس المحكمة صرح بأن هذا الإجراء يفتح باب الطعن بعدم الدستورية بعد إتمام الانتخابات.
وكأن مصر يحكمها طاقم من الهواة ولا رادع لتماديهم في فعل ما يشاءون بلا حساب.
الثورة ساقت العديد من الكيانات بعدها إلى الانتحار السياسي.
انتحار محمد بوعزيزي في سيدي بوزيد بتونس، كان احتجاجا فجر ثورة شعب. وانتحار مماثل تكرر في مصر مرات متعددة لم يكن هو الدافع للثورة، ولكن جريمة مقتل خالد سعيد في الإسكندرية قبل انتحار بوعزيزي كانت سببا في تحرك الشباب المصري.
وشهد العالم الكهنة البوذيين، حين كانوا يحرقون أنفسهم في الساحات العامة احتجاجا على الحرب الأمريكية ضد فيتنام، وكان مشهدا أثار الرأي العام العالمي حينها.
الرأي العام يمكنه أن يتألم، أو تبلغه المأساة عبر صور الانتحار أو الاستغاثة، ولكن الواقع لا يتغير بعيدا عن موازين القوة وليس تأثرا بحق أو بحالة إنسانية مؤلمة.
تجاوز الثورة المصرية للكيانات السياسية السابقة عليها، فتح الباب أمام الانتحار السياسي لتلك الكيانات عندما لم تدرك طبيعة المسار الذي تمضي فيه، واستطابت ذات المنهج السابق على الثورة دون استيعاب لطبيعة ما جرى. وانتحرت جماعة الإخوان وكافة تنظيمات ما اتفق على تسميته بالإسلام السياسي عندما انقضت على الثورة والدولة لإعدام الهوية الوطنية، وادعاء أنهم يعيدون الفتح الإسلامي لمصر، فتفاقم الانتحار السياسي بما أدركه الشعب من كذبهم، وسعيهم إلى تقسيم الشعب طائفيا ومذهبيا، بل إنهم فيما ذهبوا إليه وضعوا القضية الفلسطينية على مذبحة المصالح الضيقة لهذه الجماعات، ونقلوا إلى مصر صورة الإرهاب تحت عباءة الدين.
كشفت الفترة الانتقالية المتاجرين بالدين والمتاجرين بالثورة، ومازال الشعب يعيش حالة المقاومة في مواجهتهم جميعا، وينتقل زمام المبادرة إلى يديه ببطء.
فهل استوعبت الأطراف التي تملأ الفضاء طنينا بلا طحن حقيقة اغترابهم عن الشعب؟
تصريحات تخرج من السلطة بالدعوة إلى حوار حول الانتخابات، ويدين الإخوان العنف، متناسين أنهم أول من قبل به منذ الأيام الأولى للثورة في مواجهة مظاهرات الشباب الداعية إلى تحقيق أجندة وضعوها هم، وأن اتهامات عديدة طالت عناصرهم وإسهامهم في العنف وآخرها عمليات القتل والاختطاف والهجوم على معتصمي الاتحادية في 5 ديسمبر 2012 والذي راح ضحيته عشرة من المعتصمين، ويخرج سعد عمارة وكيل لجنة الدفاع والأمن بمجلس الشورى مهددا بأنهم يمكنهم الحشد في مواجهة الفوضى.
وتتلقى التيارات التي استطابت الخيارات ذاتها التي عرضتها أجندة الإخوان، الدعوة لانتخابات المجلس النيابي في أبريل القادم بالاعتراض وبدعوة مضادة للمقاطعة!!
الفارق جوهري بين العصيان المدني الذي يدعو له الشعب وتناميه التدريجي والمواجهات العنيفة التي يتعرض لها، وبين دعوة المنتحرين سياسيا بالمقاطعة.
لن يفيد الشعب ان قبلت الأحزاب والشخصيات السياسية دخول الانتخابات أو مقاطعتها، فأيا كان خيارهم، فلن يجدوا من الشعب آذانا تسمع أو رغبة للقبول بما يدعون إليه. ولم يعد أمامهم سوى أن يقبلوا بنداء الشعب بالعصيان المدني في مواجهة سلطة اقتنصت الثورة بعيدا عن الإرادة الشعبية، وتنتج كل يوم رأس أفعى جديدة تعيد النظام السابق، حتى أن حكما من محكمة القضاء الإداري العليا صدر بعدم صحة حل الحزب الوطني المنحل!!، أي أن ائتلاف المصالح الرأسمالية بين رأسمالي الإخوان ورأسمالي نظام مبارك، الذي أدار فكرة المصالحة مع رموز النظام السابق، يستكمل تكوين الحياة السياسية باستدعاء الحزب الوطني المنحل.
ويبقى أن تطهير ثوب الثورة من الدنس الذي ألم به، صار مسؤولية الشعب، وبلا قيادة وبدون مشروع واضح للنظام الذي يريده.
هذه الحقيقة تناظر حقيقة أدركها الشعب المصري بعد هزيمة يونيو 67 العسكرية، يومها أدرك الشعب وبكل طوائفه أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ونجح أن يضع كل أبنائه تحت السلاح دفاعا عن الوطن، وهو اليوم مطالب بأن يضع كل أبنائه في طريق العصيان المدني بكل ما يمثله من مهام متعددة ومتواصلة على مدار الساعة، ولعل تحديد توقيت الانتخابات وضع أمام الشعب المدى الزمني لاكتمال العصيان المدني، الذي يمكنه وحده وبدون العنف أن يمنع حدوث الانتخابات التي تكمل حلقة الانقضاض على الثورة.
وإذا كانت الحركة الميدانية مسؤولية الشباب بالدرجة الأولى، فإن العناصر السياسية، أحزابا وأفرادا، يجب أن تنضوي ضمن حركة العصيان المدني إن شاءت أن تدخل في الحساب.
إن مهمة أخرى مضافة إلى مهمة الحركة الميدانية، وتضيف إلى العصيان المدني مضمونه وأهدافه وصورة النظام الذي تريده الثورة، وهي مهمة تفرض نفسها على المفكرين والمثقفين في مصر، بلا دعوة، ولكن بمبادرة مماثلة للمبادرات التي يمارسها الشعب وبلا دعوة من أحد، لعلهم بهذا يتطهرون مما ألم بهم طوال الفترة الانتقالية واكتفائهم بالحوارات التلفزيونية دون إنتاج لرؤية واضحة تمد حركة الشعب بتصور أولي لمجتمع يضمن تحقيق أهداف الثورة وحاجات الشعب.
المشاركة في الانتخابات النيابية القادمة تضفي شرعية على نظام الانقلاب على الثورة. ومقاطعة الانتخابات لن تحول دون إتمامها على أي نحو، وكما أنتجت مقاطعة انتخابات مجلس الشورى مجلسا غير دستوري، وحماه مرسي بإعلانه الدستوري، وكما أنتج مجلس الشعب السابق، والذي قضت المحكمة الدستورية بحله، الجمعية التأسيسية للدستور، وحماها أيضاً مرسي، وصار رئيسها مرشحا لأن يصبح مرشد الإخوان القادم، وكما أنتجت انتخابات الرئاسة سلطة تفعل ما تشاء وفق ما يحلو لها من مواد الدستور أو القانون، فإن الدرس مازال ماثلا، أن كل من قبل بدخول انتخابات الرئاسة من دون دستور يحدد صلاحيات الرئيس، كان يبحث عن ذاته ولا علاقة له بالثورة، بل كان يرقص على دفوف الانقلاب على الثورة.
العصيان المدني والرؤية الوطنية لنظام الثورة، هما مهام خمسين يوما قادمة، فهل يعقل المصريون، سواء في الحركة الميدانية، أو مثقفو مصر وخبراؤها حقيقة التحدي الذي يواجهه الوطن، أم أنهم يستعذبون التعامل البوليسي معهم، ويمارسون الانتحار السياسي.
سيذهبون ان انتحروا غير مأسوف عليهم جميعهم، وسيبقى الشعب والثورة، ومهما كان عدد الشهداء أو المصابين، فإنه طريق لا بديل عنه، لأن الشعوب خلقت لتحيا، ولتدفع ثمن الحياة مهما كان غاليا.
قائد استثنائي رسم مستقبل وطن
مهما كتبت الأقلام، ومهما أبدعت الكلمات، فلن تفي حق والدنا وقائدنا، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن... اقرأ المزيد
237
| 29 يوليو 2026
الطب التكميلي.. حين يلتقي بالبينة البحثية
لم تكن المشكلة يوماً في أن يلجأ الناس إلى الطب التقليدي والتكميلي؛ فذلك واقع قديم ومتجدد، تحمله الذاكرة... اقرأ المزيد
81
| 29 يوليو 2026
أنديتنا بين الطموح والتحدي
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من... اقرأ المزيد
960
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
3741
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1557
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
960
| 29 يوليو 2026