رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

1104

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

بين المسؤولية والسلطة.. المعضلة التي لا تظهر في الهياكل التنظيمية

29 يوليو 2026 , 02:00ص

في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على الورق؛ مجلس إدارة يضع السياسات، وإدارة تنفيذية تنفذ، وتنسق وتضمن انسيابية العمل وفق الأنظمة واللوائح، لكن الواقع العملي يكشف أحياناً عن ظاهرة مختلفة تماماً، وهي اتساع الفجوة بين المسؤولية الرسمية والسلطة الفعلية.

خلال سنوات العمل الإداري أدركت أن أكبر المخاطر التي تواجه المؤسسات ليست نقص الموارد ولا ضعف الكفاءات، بل غموض مراكز التأثير واتخاذ القرار، فعندما تصبح السلطة الحقيقية خارج الأطر المؤسسية المعتمدة، تبدأ الحوكمة في التراجع تدريجياً، حتى وإن بقيت جميع النماذج والإجراءات والقرارات قائمة شكلاً.

ولا يحدث ذلك عادةً بقرار معلن، بل عبر بناء مراكز نفوذ موازية للهيكل الرسمي، فيظهر أشخاص لا يملكون سلطة نظامية، لكنهم يملكون القدرة على التأثير في مصدر القرار، فيقتربون منه شيئاً فشيئاً، ويحرصون على أن تمر المعلومات عبرهم، وأن تتركز لديهم مفاتيح التواصل، وأن تصبح جميع الملفات الرئيسة رهينة لرأيهم أو موافقتهم، ومع مرور الوقت لا يصبح نفوذهم نابعاً من المنصب، بل من قدرتهم على احتكار الوصول إلى القرار وتوجيهه من وراء الكواليس، بما يضمن استمرار تأثيرهم وتحكمهم بمفاصل المؤسسة ومواردها.

وتكمن المشكلة في أن نجاح المؤسسة يُنسب إنجازه للجميع، أما الإخفاق والمساءلة فيبقى مرتبطا بالموقع التنظيمي لا بموقع التأثير الفعلي، وهنا ينشأ وضع غير صحي إدارياً؛ أشخاص يتحملون المسؤولية دون أن يمتلكوا كامل أدوات القرار، وأشخاص يصوغون القرار أو يوجهونه دون أن يتحملوا شيئاً من تبعاته.

لذا، ومن واقع التجربة، فإن أول مؤشرات الخلل المؤسسي تظهر عندما تصبح خطوط اتخاذ القرار غير واضحة، أو عندما تتعدد القنوات التي تصدر من خلالها التوجيهات، أو عندما تتراجع أهمية الإجراءات الرسمية أمام العلاقات الشخصية أو مراكز النفوذ غير المعلنة، والأسوأ من ذلك حين تبدأ القيادات والإدارات في تجاوز المسارات النظامية، ليس لأن اللوائح لا تكفي، بل لأن الجميع يدرك أن القرار الحقيقي يصنع في مكان آخر.

واللافت أن هذه الظاهرة لا تظهر فجأة، بل تتسلل بهدوء، تبدأ باستثناء صغير هنا، ثم بمعالجة عاجلة هناك، ثم بتوسيع دائرة الاعتماد على شخص أو مجموعة محددة، حتى تتحول مع الوقت إلى نمط عمل دائم، وعندما يحدث ذلك تصبح المؤسسة أكثر اعتماداً على الأشخاص وأقل اعتماداً على الأنظمة، ويصبح بقاء مراكز النفوذ هدفاً بحد ذاته، فتُعاد صياغة الهياكل وتوزيع الاختصاصات، بل واختيار القيادات أحياناً، بما يحافظ على استمرار مصلحة تلك المنظومة لا على تعظيم مصلحة المؤسسة.

إن ما يجسد الحوكمة ليس مجموعة اللوائح التي تحفظ في الأدراج، بل وضوح المسؤوليات، وتوازن السلطة مع المساءلة، وشفافية صناعة القرار، ومنع تمركز النفوذ خارج الأطر النظامية، وكلما اتسعت الفجوة بين هذه العناصر تراجعت كفاءة المؤسسة مهما امتلكت من إمكانات.

لقد علمتني التجربة أن الإدارة الناجحة لا تقوم على وجود قائد قوي فحسب، بل على وجود مؤسسة قوية تستطيع أن تعمل بكفاءة حتى في غياب الأشخاص، فالمؤسسات تبقى، أما الأشخاص فيغادرون، وما يحفظ الاستمرارية هو قوة النظام لا قوة الأفراد، والولاء للمؤسسة لا لمراكز النفوذ.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجلس إدارة وكل قيادة تنفيذية على نفسها هو: كيف يُصنع القرار؟ ومن يؤثر فيه؟ وهل من يملك القرار هو نفسه من يتحمل المسؤولية عنه؟

مساحة إعلانية