رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قدمت إستراتيجية "الحوار العبثي" التي تبناها المبعوث الأممي جمال بن عمر هدايا كثيرة لجماعة "أنصار الله" الحوثية، مكنتهم من تنفيذ مخططاتهم للسيطرة على مفاصل الدولة وبسط نفوذهم في أكثر من 18 محافظة من أصل 22، وعندما أيقن عبد الملك الحوثي أن الهدف تحقق سخر من الحوار والمتحاورين، وأعلن التعبئة العامة و"الجهاد المقدس ضد قوى التكفير والتآمر"، التي كان من نتائجها سقوط تعز وبعدها عدن. ورغم خطاب زعيم الحوثيين الساخر لم ييأس بن عمر بل أعلن أن اليمنيين سيتحاورون في الدوحة وسيوقعون على أي اتفاق في الرياض.
لكن هل لا يزال الحوثيون يؤمنون فعلا بالحوار خاصة بعد أن أصبحت عدن تحت سيطرتهم، ولم يعد للشرعية الدستورية والرئيس الشرعي أثر يذكر؟ هل عقدت الولايات المتحدة الأمريكية صفقة من نوع ما مع الحوثيين لتنفيذ مخططهم، ولذلك انسحبت قواتها من قاعدة العند الجوية قبل سيطرة الحوثيين عليها؟ هل دول مجلس التعاون مستعدة لاتخاذ "الإجراءات اللازمة" لحماية أمنها الإقليمي؟ ما هي خيارات المجتمع الدولي ودول مجلس التعاون لحماية الشرعية التي جاءت بها المبادرة الخليجية؟ هل دول الخليج مستعدة فعلا لتدخل عسكري عبر قوات درع الجزيرة؟ كيف ستكون نتائج الحوار لو تم أصلا جمع الفرقاء بعد فرض سياسة الأمر الواقع في كل المحافظات؟
يبدو أن واشنطن تلعب الآن بأوراق جديدة في المنطقة بعد أن سلمت العراق للإيرانيين، لكن اللعبة هذه المرة لن تكون داخل حدود اليمن فقط، بل المستهدف شبه الجزيرة العربية، حيث لا يمكن لأحد التنبؤ بما ستقدم عليه إيران بغطاء أمريكي لأن أغلب المعطيات تشير إلى تغير إستراتيجيات الإدارة الأمريكية للتعامل مع أصدقائها القدامى وربما تدعم استمرار مصالحها بحلفاء جدد أكثر فاعلية ونفوذا وقدرة على التأثير في مجريات الأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط ككل.
ويبدو كذلك أن دول الخليج أدركت ولو متأخرة حجم الخطر الذي تمثله التطورات في المشهد اليمني على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وأدركت كذلك كم كان بعضها مخطئاً عند صياغة مبادرة سمحت بالإبقاء على رأس الأفعى، ينفث سمومه مستندا على حصانة تمنع ملاحقته قضائيا، وتأخرت كذلك عندما وُضِع الرئيس الشرعي وطاقم حكومته تحت الإقامة الجبرية، وتأخرت كذلك عندما رأت السفن والطائرات الإيرانية تفرغ حمولاتها العسكرية في الموانئ والمطارات لدعم طرف ضد شعب بأكمله، لكن وكما يقال إن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي مطلقا، لذلك تم التلويح باللجوء إلى خيار القوة لكبح جماح الحوثي والرئيس المخلوع المتهمين بعدم الالتزام بالمبادرة الخليجية ومقررات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وحتى اتفاق السلم والشراكة في 21 سبتمبر 2014.
تسارعت الأحداث بشكل (درامي) مقلق بعد بيان مجلس الدولي المخيب للآمال، والذي لم يتضمن أي إجراءات عملية ضد معرقلي الانتقال السياسي السلمي، لذلك لم يجد القائم بأعمال وزير الخارجية اليمني رياض ياسين سوى الدعوة إلى مساعدة عسكرية من مجلس التعاون لدول الخليج العربية وفرض حظر الطيران على المطارات التي يسيطر عليها الحوثيون وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح الذي قدم تسهيلات إضافية لسيطرة الحوثيين على مدينة تعز وما تبعها من تنفيذ عمليات عسكرية لاجتياح العاصمة الاقتصادية عدن، وطرد الرئيس الشرعي للبلاد عبد ربه منصور هادي الذي أصبح رأسه مطلوبا لقاء جائزة مالية أعلنت عنها جماعة أنصار الله الحوثية، ويبدو من آخر خطاب لعبد الملك الحوثي يوم الأحد الماضي، أنه القائد العام فعليا للقوات المسلحة حينما أمر برفد المعسكرات بمزيد من المقاتلين وأنه مصمم على الخيار العسكري لبسط السيطرة على كامل اليمن وتنفيذ مشروع يرى فيه الرئيس هادي أنه مشروع إيراني يهدف لنشر المذهب الاثني عشري رغم رفض اليمنيين زيودا وشوافع.
بعد الانتصارات العسكرية للحوثيين وحليفهم الرئيس المخلوع لا أعتقد أن الحوار سيكون ذا جدوى، فالحوثيون يقولون إنه لا يعنيهم لأن طموحهم أكبر وهم الآن من يحدد الخيارات ويرسم خارطة البلاد. المجتمع الدولي مُرغ وجهه في التراب وذهبت قراراته أدراج الرياح كالعادة، الحوثيون والإيرانيون قرأوا التاريخ جيدا وتبنوا إستراتيجيات تستند إلى نظرية الاحتواء المزدوج وينطلقون من مشروع أهدافه التوسع والسيطرة وتفكيك منطق الأغلبية المذهبية، وفي المقابل لا توجد الآن دولة في المنطقة تحمل مشروعا حقيقيا يمكنه الوقوف في وجه التمدد الإيراني بل يكاد يكون هناك شبه إجماع من أهم الدول المؤثرة على ضرب الحركات السنية المؤثرة في الساحة الإسلامية.
لن يكتفي الحوثيون بما أنجزوه وربما يعتمدون الآن إستراتيجية أخرى للتخلص من حليفهم الذي قتل نحو عشرين شخصا من عائلة عبد الملك الحوثي ودمرت أوامره العسكرية في الحروب الست منازل آلاف العائلات في مديرية مران ومحافظة صعدة، هذا ثائر أسود لن ينسوه للرئيس المخلوع، ربما يتجلى فك ذلك التحالف بشكل واضح ودموي في الشوط الأخير بعد السيطرة على حضرموت وانتهاء المعركة في مأرب والسيطرة الكاملة على منابع النفط والطاقة بمباركة الأمريكيين الذين يرون أن الشيعة والحوثيين أسلحة المرحلة لضرب تنظيم القاعدة وملاحقته في جحوره، وربما يختفي التنظيم تماما ومعه تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي يظهر حسب الطلب!! في حال التوصل إلى تسوية مؤقتة مع الرئيس المخلوع تجعل من نجله رئيسا لليمن، لأن الحوثيين في هذه الفترة لا يريدون تحمل المسؤولية لوحدهم بل سينصرفون إلى بناء الحرس الثوري لغرس التجربة الإيرانية بحذافيرها في البلاد.. ووفقا لهذه المآلات ربما ستتجه دول الخليج إلى تبني إستراتيجية التعامل مع واقع جديد تضمن فيه بناء علاقات حسن جوار وتعايش مع الحكام الجدد لليمن وطي صفحة الرئيس عبد ربه منصور هادي ومعه حركات الإسلام السياسي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1188
| 01 أكتوبر 2026