رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدايةً، يُمكننا تعريف سقف الدين بأنه مقدار المال الذي يسمح للولايات المتحدة بالاقتراض لتغطية التزاماتها. ويبلغ سقف الدين الحالي حوالي 31.4 تريليون دولار، وتشمل هذه المبالغ المستحقة الدفع عدة أمور مثل الضمان الاجتماعي ومزايا الرعاية الطبية والاسترداد الضريبي بالإضافة إلى الرواتب العسكرية ومدفوعات الفائدة. وباعتبارها أكبر مستورد للسلع في العالم، تعاني الولايات المتحدة من عجز في الميزانية حيث إن وارداتها تتخطى صادراتها.
وفي كل مرة تقترب فيها من سقف الدين، ينشأ نزاع سياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين حول ضرورة رفع سقف الدين من عدمه ويُهدد هذا الصراع بدوره استقرار النظام المالي. ومن الناحية التاريخية، لم تتخلف الولايات المتحدة قط عن سداد ديونها إلا مرة واحدة في عام 1979، عندما تأخر سداد المدفوعات بسبب عطل فني غير مقصود.
مفاوضات سقف الدين هذا العام تشبه الأحداث التي وقعت في عامي 2011 و 2013، والتي أبرمت خلالها الاتفاقيات من قبل الأطراف خلال الأيام الأخيرة. ترتب على الاحداث في عام 2011 آثار سلبية بارزة على استقرار الاقتصاد الأمريكي حيث خفضت وكالات التصنيف الائتماني الكبيرة مثل ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني الأمريكي من AAA إلى AA+، مما يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض في المقابل. ونتيجة لتلك البلبلة، ارتفعت معدلات الرهن العقاري على مدار شهرين بنسبة 0.7 إلى 0.8 نقطة مئوية قبل انخفاضها تدريجيًا بعد ذلك. علاوة على ذلك وخلال ذلك الوقت، شهد مؤشر S&P 500انخفاضًا بنسبة 17٪ تقريبًا خلال الفترة بين 22 يوليو وأغسطس.
في الآونة الأخيرة، قبل الوصول إلى تاريخ انتهاء سقف الدين، أعلنت وكالات التصنيف الائتماني مثل موديز أن أي تأخير طفيف في دفع المستحقات سيقابله تخفيض فوري للتصنيف الائتماني لسندات الخزانة الأمريكية. وأدى ذلك الإعلان إلى إضعاف ثقة المستثمرين فالسوق، ونتيجة لذلك، طلب المستثمرون زيادة قدرها 140 نقطة أساس لسندات الخزانة المستحقة في يونيو كتعويض عن تحمل المخاطر الإضافية، مما انعكس على ارتفاع أسعار الفائدة من 4.4٪ إلى 5.7٪. حدثت كافة هذه التقلبات في أسواق الديون والأسواق المالية في حين أن الولايات المتحدة لم تتخلف عن السداد بعد، لذلك يمكننا تخيّل مدى شدة الأزمة إذا تخلفت الولايات المتحدة عن سداد ديونها.
بعد أشهر من المعارضة وتحديدًا بتاريخ 27 مايو، توصل كل من بايدن ورئيس مجلس النواب كيفن مكارثي بعقد اتفاق فيما يتعلق بسقف الديون. أدى عقد هذا الاتفاق إلى تعليق سقف الدين حتى يناير 2025، مما يضمن عدم نشوء مثل هذا النزاع قبل الانتخابات المقبلة. كما تضمن العديد من البنود التي تقيد الإنفاق الحكومي، حيث تضع حدوداً للإنفاق غير المتعلق بالامن القومي، بما في ذلك عدة مجالات مثل التعليم والنقل. ويفرض التشريع قيودًا عدة مثل الحفاظ على مستوى الإنفاق المالي ثابتًا في عام 2024، تليها زيادة لا تزيد عن 1٪ في عام 2025. علاوةً على ذلك، أدى هذا الاتفاق بدوره إلى إلغاء حوالي 28 مليار دولار من الميزانية المخصصة للتعافي من آثار جائحة فيروس كورونا المستجد 19. ذلك بالإضافة إلى فرضه قيودًا على برامج المساعدات المالية المقدمة للأسر المحتاجة والقروض الطلابية، كما خفض أيضًا حوالي 1.4 مليار دولار من تمويل دائرة الإيرادات الداخلية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه القيود المفروضة على الإنفاق إلى توفير حوالي تريليون دولار على المدى الطويل. وعلى الرغم من أن هذه المدخرات ستساعد في انخفاض معدل الفائدة الحقيقي، مما سيؤدي في النهاية إلى انخفاض أسعار الفائدة، إلا أن هذا الانخفاض في معدلات الفائدة لن تزيد من الاستهلاك والاستثمار بشكل ملحوظ حيث إن هذه العوامل مدفوعة في الأساس بالدخل والربحية. وبالتالي، ستفشل أسعار الفائدة المخفّضة بتعويض الركود الناتج عن انخفاض معدل الإنفاق.
ماذا لو أخفقت الولايات المتحدة في تعليق سقف الدين وتخلفت عن السداد؟
وفقًا لموديز، حتى التخلف الطفيف عن السداد سيسبب في تكبد خسائر فادحة للاقتصادات الأمريكية والعالمية، وأن التخلف عن السداد سيسبب أزمة اقتصادية قريبة لأزمة 2008.
هناك العديد من السيناريوهات المحتملة في حالة الاخفاق في رفع مستوى الدين، سنستعرضه فيما يلي: ستضطر الولايات المتحدة إلى طباعة مبالغ هائلة من الدولارات للوفاء بالتزاماتها نظرًا لحاجتها إلى سداد مبالغ كبيرة يجب سدادها في وقت قريب حيث يجب سداد حوالي تريليون دولار في يونيو فقط، وإيرادات الضرائب غير كافية للوفاء
كما سيشجع تأجيل سداد الديون العديد من حاملي السندات على بيع سنداتهم، وبالتالي، ستنخفض قيمة هذه السندات بشكل حاد. وسيسهم هذا الانخفاض في قيمة هذه السندات في عدم استقرار السوق حيث ستنخفض قيمة أصول البنوك، محدثًا مشكلة الملاءة المالية التي من شأنها أن تؤدي أيضًا إلى الإفلاس.
وختامًا، يمكننا أن نعزو هذا النزاع بشكل أساسي إلى عوامل سياسية من أجل الحد من الإنفاق الحكومي، نظرًا لأن مثل هذه القيود على الإنفاق لن تكون لصالح الحزب الديمقراطي وفي المقابل، ستحقق فائدة لصالح الجمهوريين في الانتخابات المقبلة. ويمكننا أيضًا استنتاج أنه من غير المرجح أن تتخلف الولايات المتحدة عن السداد نظرًا لأن السبب الرئيسي للمعارضة مرتبط بالسياسة، وما يحدث غالبًا يشبه ما حدث سابقًا في عام 2011 والعام الماضي، حيث عُقدت الاتفاقات في الأيام الأخيرة. علاوةً على ذلك، يرتبط النظام العالمي إلى حدّ كبير بالدولار، مما يعني أن العملة الاحتياطية الرئيسية في جميع أنحاء العالم هي الدولار، كما تُسعر جميع السلع تقريبًا مثل النفط والغاز والوقود بالدولار. بالإضافة إلى ذلك، هناك تدفق مالي كبير نحو الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب مبالغ كبيرة من الودائع بالدولار في جميع أنحاء العالم، وتسهم جميعها في ارتفاع معدل الطلب على الدولار.
التشديد النقدي وأثره على سوق العقار والاقتصاد
بالنظر إلى الأمر من منظور محلي فيمكننا أن نلاحظ أنه منذ بداية تطبيق السياسات التشديدية المُشار إليها في... اقرأ المزيد
1377
| 23 أبريل 2024
خفض معدلات الفائدة خبر مفرح.. ولكن..
على الرغم من نتائج التضخم غير المواتية التي شهدها شهرا ديسمبر ويناير، فإن هناك بعض العوامل الأساسية التي... اقرأ المزيد
2028
| 28 مارس 2024
السياسة النقدية تهدد النظام المصرفي!
السياسة النقدية تهدد النظام المصرفي! كما يُعد الانخفاض الحاد في فائدة السندات منذ نوفمبر الماضي عاملًا آخرَ يزيد... اقرأ المزيد
951
| 21 مارس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2325
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026