رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
البديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق
أحداث الأسبوع الماضي أسقطت أوراق التوت عن ادعاءات واكبت الثورة بانتماء القوى إليها والتزامها بمطالبها، وكشفت أن أحاديث كثيرة أطلقت انتماء للشعب وفي حقيقتها تضمر غير ذلك، وفي أدائها تحاول إقصاء الكتلة الثائرة خارج دائرة التأثير.
توحدت القوى المضادة للثورة على هدف واحد هو ضرب مصداقية شباب ثائر اتخذ من الميادين مرتكزا له، وصار وجوده علامة الإصرار وقبول تحدي الثورة في تحقيق مجتمع ما بعد التغيير.
رغم تنوع الهجمات والأفعال غير أنها كشفت توازنا للقوى قائما بين القوى المضادة وشباب أعزل يقف في الميادين ويبيت ليلة في العراء في مناخ صيف حار تتجاوز درجات الحرارة فيه أربعين درجة، وشمس قاتلة.
الشمس القاتلة تعيد إلى الذاكرة وقائع صيف دنشواي عام 1906، الذي ناصر الفلاحون ضد جنود الاحتلال البريطاني وقتلت منهم ضابطا لتنعقد محكمة برئاسة بطرس غالي لثلاثة أيام وتصدر أحكام الإعدام على أربعة فلاحين والأشغال الشاقة والجلد على 48 آخرين، وكأن الشعب المصري فوق أرض وطنه لا ينال حقه في الحياة إلا عبر شهداء يقدمهم قربانا للحرية على مذابح السلطة، سواء كانت سلطة احتلال أجنبية أو اتشحت بمصرية مغتربة عن أرضها، ولا يمضي الأمر دون رد فعل ليتم اغتيال بطرس غالي رئيس المحكمة بعد أربعة أعوام.
هذا الرجل كان أيضا متنازلا عن حق الوطن عندما قبل مشروعا بمد امتياز شركة قناة السويس لمدة أربعين عاما حتى عام 2008. ذات مشهد اقتران المحاكمات العسكرية العاجلة لأحفاد شهداء دنشواي وتصدير الغاز لإسرائيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد مائة عام.
بات واضحا أن هناك توازنا للقوى بين الشباب الأعزل إلا من إرادة حرة ووطنية وبين معسكر القوى المضادة المدجج بكل أدوات الصراع ويجمع بينها مصالح غير مصلح الشعب وتصل إلى حد التناقض.
توازن القوى مصدره قدرة الشعب التي تجلت خلال الفترة بين 25 يناير و11 فبراير، وكسر هذا الشعب باستعداده للشهادة وتحدي جبروت الشرطة التي هزمها بكل عددها وعتادها خلال أربعة أيام، حاجز الخوف والتردد، وقدرته على المفاجأة وتجاوز كل تحليلات الأجهزة ومراكز البحث.
واتضح أيضا أنهم لم يتوصلوا لتفسير هذه الظاهرة، وصار جهلهم بها وعدم القدرة على استيعابها مصدر التوازن الحقيقي للقوى.
ما هو موقف الشعب؟ وماذا هو فاعل؟، كان دلالة انعدام القدرة على استيعاب أنها ثورة الشعب وأنه سيحميها.
أعلنوا أنهم مع الشعب ومع الثورة، ومن ناحية أخرى أخذوا يجتزئون أهدافها ويشتتون قواها ويستخدمون الوقت معاملا لوأد روح الثورة.
ومع تواصل حالة المقاومة لاغتيال الثورة، انفجرت مكنونات الصدور، وظهر اللواء الرويني يوزع اتهامات التمويل والخيانة، ومن ثم يهدر كل مطالب التطهير وأنها مستوردة. ويضع سيناريو أحداث العباسية صباحا ليتم مساء، وتسقط أخطر أوراق التوت "أن البلطجية أداة الداخلية والرويني في مواجهة الشعب" وتحت بصر جنود الرويني والشرطة العسكرية بقيادة البديني وقوات شرطة العيسوي تهاجم جماعات بلباس مدني يحملون السيوف والسنج وزجاجات المولوتوف، واتضح حسب تقارير صحفية أن هناك أعضاء من مجلس الشعب المنحل أسهموا في حشد البلطجية.
البلطجية يهاجمون الشعب تحت حماية الجيش والشرطة العسكرية وشرطة العيسوي... فماذا تبقى ليستروا به خصومتهم مع الثورة والانقلاب عليها؟
وآخر المشاهد مشهد لواء قالوا إنه خبير عسكري وإنه مستشار للتوجيه المعنوي، خرج صوته من التلفزيون يتهم الأستاذة نجلاء بدير الصحفية أنها مخربة؟ لأنها تجرأت وانتقدت أقوال الرويني، هكذا؟
وبأدب ولباقة عالية توقفت مذيعة البرنامج دينا عبدالرحمن وتكشف سطحية ما يعرض له حتى إنه ردد ما قاله أحمد نظيف بأن الشعب المصري لم ينضج ويقول إنهم في التحرير في كي جي 1 وأننا نعلمهم الديمقراطية! لغة استعلاء أخرى.
وتدفع دينا ثمن صدقها ويتم إيقافها عن العمل جزاء لدفع الخطأ وخطايا المتحدث عن زميلتها وعن أهل الوطن، ومازال الأمر لم يستقر حتى اللحظة حول ما سبب هذا الإيقاف؟ وهل سينتهي رغم تردد أنباء عن إنهاء الإيقاف!
صار المجلس ومستشاريه الحَكَم بعد أن كشفوا عن أنهم خصوم للثورة وأهدافها؟ ويبلغ الأمر بهذا لمستشار أن يتهم اثنين من مرشحي الرئاسة بأنهم عملاء لأمريكا؟ وأن هذا "تخمين" من عنده؟، أي هزل هذا في موضع الجد!
لا أحد يطلب من المجلس العسكري أن يحمي الثورة، فهو لم يحمها ولكنه استفاد منها وصار السلطة الحاكمة في مصر.
نعم هو سلم أمر التشريع إلى الإخوان المسلمين، نعم اتخذ من الصناديق والتصويت ادعاء بديمقراطية أدت إلى أول انحراف بحركة الثورة، وتقسيم للشعب، ونعم مارس الإعلام الرسمي المستسلم دورا مناوئا للثورة ومشوها لشبابها، بل تجاوز المجلس العسكري الإعلام الرسمي بهجمات متتالية على الإعلام الخاص، واستدعاء أمام النيابة العسكرية وتحقيقات وكلها تلوح بعصي ولا تستخدمها.
ولكن الجديد الآن أنه استخدم العصا في إطار حملة تشويه، ويقول المثل الشعبي "من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالحجارة"، فلم يناقش أحد موقف الجيش من النظام السابق، بل وقاوم العقلاء ذلك، لأن المؤسسة العسكرية هي ما تبقي للدولة المصرية والمفروض أن يحكم أداؤها قيم الوطنية، أي أن يحكم أداؤها مصلحة الشعب وليس فئة دون أخرى.
قد يتحمل الموقف عجز حكومة شرف على إدارة الفترة الانتقالية، ولكن الموقف لا يتحمل حيودا للمجلس العسكري عن دور متوازن حتى لا يفتح أبواب الحرب الأهلية على مصراعيها.
سقطت أوراق التوت عن التنظيمات الدينية وبلا استثناء.
فالجهاد القادم من غياهب السجون يعلن أنه سيخرج لتطهير ميدان التحرير من الثوار، وتحت عنوان أنهم ليسوا هؤلاء الثوار، ويتوعد كل من سيقاوم يوم الجمعة 29 يوليو بالويل.
والسلفيون يخرج متحدث باسمهم يعلن نفس الموقف.
والإخوان يناصرون موقف المجلس العسكري من مواجهة التظاهرات بالدم، لأن المتظاهرين ليسوا الثوار؟ فقد ملكوا أمر التثبت ممن هم ثوار ومن هم ضدهم.
وأصحاب رؤوس الأموال يقومون بتمويل العمليات القذرة، من دفع دية الشهداء لتفويت الفرصة على محاكمة القتلة إلى دفع أجرة البلطجية وتكاليف الأسلحة والحجارة القادمة من أموال جمعوها زمن الفساد.
ويخرج بعد ذلك كله متحدث باسم حزب الوسط ليقول إن المجلس العسكري يستشير الإخوان ـ دون كل القوى والتيارات ـ في أمر القوانين التي يصدرها.
اللواء ممدوح شاهين الذي طالبنا من قبل أن يختار المجلس العسكري رجلا غيره للتعبير عن المجلس العسكري لأن لديه قدرة غريبة على استفزاز العقلاء ولا يملك لغة حوار على الإطلاق ولكن المجلس لا يسمع ما يقوله غيره، خرج على الناس بإعلان عن انتخابات في نوفمبر وفق قانون خاص أقروه فيما بينهم، ويحتاج إلى "كتالوج" للشرح والتفصيل.
المجلس العسكري رغم كل النداءات التي وجهت إليه ليأخذ دورا لصالح الشعب وفق إستراتيجية "الخبز ـ الحرية، العدالة الاجتماعية"، ويحول دون الوصول إلى صدام داخل المجتمع سيعود بنا إلى الوراء عشرات السنين، رغم ذلك كله، يقف المجلس حائلا دون تحقيق أهداف الثورة، وكأن الوعي السياسي بمدلول الشرعية الثورية غائب، ولم يبق منه إلا أنه سلطة تكاد تقارب أداء النظام السابق، يعطي إشارات بالتوجه في اتجاه الثورة بالأقوال، ويتحرك على الأرض في عكس الاتجاه، ويأخذ بمهمة تشويه عناصر منها، ويقاومها بالبلطجية.
وسقطت ورقة التوت عن وزير الداخلية الذي لا يمكن توصيفه غير كونه أداة لتمكين الانقلاب على الثورة من الداخلية وبكل إمكاناتها.
من ناحية حركة تنقلات الضباط اتضح أنه نقل كل المتهمين بالقتل إلى أماكن أفضل.
وتمارس عناصر جهاز أمن الدولة المنحل ذات الدور القديم تحت اسم الأمن الوطني، ويجري الآن تشكيل مجموعات اختراق لكل التيارات التي نشأت بعد الثورة، فضلا عن إحياء القديم من عملائها.
والأخطر العودة إلى نظام الاختطاف ومافيا أمن الدولة، فيجري اختطاف ابن شاهد على جريمة محل التحقيق ضد مدير أمن القاهرة السابق!
وتكشف واقعة الدكتور حازم عبدالعظيم الذي رشح لمنصب وزير الاتصالات، وهو محسوب على ثوار التحرير، وتدخل أمن الدولة عبر جريدة خاصة للإطاحة به، تكشف الواقعة أن التصنت على التليفون قائم والتهديد والتدخلات قائمة.
وسقطت كل أوراق التوت التي كانت تحول دون كشف عجز حكومة شرف، وليس هناك مبرر واحد لبقائه، فرجل مثله بلا رؤية سياسية غير قادر على الإبحار بسفينة الوطن في هذه المرحلة.
تساقط أوراق التوت وكشف المواقف وحتى توازن القوى بين الثورة وأعدائها لن يضمن تحركا للأمام، بل إنه وضع خطير وحساس لأنه يفتح الاحتمالات على مصراعيها وجميعها ليست في صالح مصر الثورة والشعب.
الخطوة القادمة لتجنب خطورة القادم ليست على جانب واحد دون الآخر، بل هي على ضفتي الأداء في مصر.
فالثورة مطالبة بتعميق العلاقة بينها وبين الشعب بكل طوائفه وفئاته لأنه العمق الحقيقي لها، ولن تتمكن من هذا بغير الحوار البيني بين القوى السياسية وتشكيلاتها المتعددة وأن يكون حوارا حده الأدنى إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية" وترجمتها إلى مهام. ولن يمكن ذلك بغير إعلان واضح من الكافة عن مدى وعيهم بدلالات الثورة وشرعية إرادتها، والنازل عن "الأنا" والمصالح الضيقة إلى رحابة احتياج الشعب والوطن، الخطوة الأولى العمل على إيقاف الصدام الذي يسعى إليه البعض مع المعتصمين بالتحرير، فهل تنجح الثورة في هذا مع الالتزام بالحفاظ على القوة الدافعة للثورة.
ويبقى الجانب الذي يملك القرار، والمطلب هنا في حاجة إلى وعي بالدور الغائب عن القرار وهو المسؤولية تجاه الشعب والوطن طالما أنه في مركز القرار، وليست الانتخابات التشريعية هي الحل، الاحتياج هو الترجمة العملية لإستراتيجية الثورة إلى مهام، الشعب يعاني من ارتفاع في الأسعار تجاوز 30% ووجب النظر المباشر إلى هدف إستراتيجية الثورة الأول وهو "الخبز"، شعب لا يجد "خبز يومه" لا يعنيه ولن يجدي مع احتياجه انتخابات تشريعيه تدور في مناخ غير مناسب سياسيا وغير معبر عن الثورة.
ليس هناك غير أن يكون القرار لصالح الثورة والشعب وإستراتيجية التغيير، والبديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق.
الجيش المصري أشرف وأكبر من أن يرتع أمامه البلطجية سواء في مواجهة شباب الثورة أو في فنادق الخمس نجوم، بينما الشعب ينتظر عائد الثورة وما قدمه من تضحيات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
6819
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1689
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1050
| 09 أغسطس 2026