رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

186

د. أحمد المحمدي

بين العزلة واعتزال العزلة

26 يوليو 2026 , 11:05م

قرأت مقالين عن العزلة، كلاهما أحسن النظر إلى وجه من الحقيقة؛ أحدهما يدعو إليها انطلاقا من حرص نبيل على سلامة النفس، وصيانة القلب مما يفسده أو يستنزفه، حتى يوشك - إذا استقل بهذا المعنى - أن تنقلب العناية بالنفس إلى شيء من الأنانية، فيغدو الإنسان وقد جعل نفسه ميزانا للأشخاص والمواقف، فما وافق طبعه قبله، وما كدّر خاطره رفضه، ولو كان فيه من الخير ما فيه.

والآخر يدعو إلى مخالطة الناس، واعتزال العزلة، تعظيما لمقاصد الشريعة في الصلة، والتراحم، والصبر، والإصلاح، وما تنبت به من أخلاق الإيمان، حتى يوشك - إذا استغرق هذا المعنى - أن يحمل النفس فوق ما جبلت عليه، فيغفل عن حاجتها الفطرية إلى خلوة تسترد فيها قوتها، وتجدد بها إخلاصها، وتراجع بها سيرها إلى الله.

وتأملت، فإذا الحق لا يقف مع أحدهما دون الآخر، وإنما يجمع فضيلتيهما؛ لأن الشريعة لا تنظر إلى صور الأعمال مجردة، وإنما إلى مقاصدها وآثارها، ولا تبني أحكامها على طرف من الحقيقة، وإنما على الحقيقة كلها. فهي دين الفطرة التي لا تكسر النفس، ودين العبودية التي لا تطلق لها العنان.

فليست العزلة فضيلة في ذاتها، كما أن مخالطة الناس ليست فضيلة في ذاتها؛ وإنما الفضيلة أن يوضع كل منهما في الموضع الذي أراده الله له. فالأعمال لا تشرف بأسمائها، وإنما تشرف بما تقود إليه من طاعة، وما تثمره في القلب من إخلاص، وفي السلوك من استقامة.

وكم من خلوة أحيت قلبا كان قد أثقلته الضوضاء، حتى عاد إلى الناس أصفى نفسا، وألين جانبا، وأوسع رحمة، وأصدق نصحا. وكم من خلوة أخرى أورثت صاحبها ضيقا، فاستوحش من الخلق، وأعجب بنفسه، وظن أن البعد عن الناس دليل صفاء، وهو في الحقيقة يفر من ميادين تزكية النفس التي لا تتم إلا بالاحتكاك والصبر.

وكم من مخالطة زكت النفس بالصبر على الأذى، والإحسان إلى المسيء، وقضاء الحوائج، وإدخال السرور، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى الله، حتى ارتقى صاحبها في مدارج العبودية. وكم من مخالطة أخرى استنزفت القلب، وأطفأت نور العبادة، وفرقت الهمة، حتى صار الإنسان يعيش بين الناس بجسده، وقلبه غائب عن ربه، مشتتا بين مطالبهم وأحاديثهم.

ومن هنا كان الميزان ليس كثرة الخلوة ولا كثرة المخالطة، وإنما أثر كل واحدة منهما في صلة العبد بربه. فكل خلوة تقطعك عن واجب، أو تورثك كبرا، أو تجعلك تزهد في نفع الناس، فهي نقص وإن لبست لباس الزهد. وكل مخالطة تميت قلبك، أو تجرّك إلى الغفلة، أو تضعف همتك في الطاعة، فهي خسارة وإن لبست لباس الدعوة والإصلاح.

ولهذا لم يجعل الإسلام الخلوة أصلا دائما، ولا المخالطة واجبا مطلقا؛ بل جعل لكل مقام ما يصلحه. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلو بربه قبل البعثة في غار حراء، ثم لما حمل الرسالة عاش بين الناس، يبلغ، ويعلم، ويجاهد، ويصبر على أذاهم، ويقضي حوائجهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويخالطهم بقلب معلق بربه. فكانت خلوته زادا، وكانت مخالطته عبادة، ولم تطغ إحداهما على الأخرى.

ولذلك كان السلف يعرفون متى يخالطون، ومتى يعتزلون. فإذا وجدوا في مخالطة الناس بابا إلى طاعة الله لزموها، وإذا رأوا أن القلوب قد كلّت، أو أن الفتن قد أقبلت، أو أن النفس تحتاج إلى مراجعة وإصلاح، آثروا خلوة تعيد ترتيب الداخل، لا هروبا من الناس، بل استعدادا للعودة إليهم على حال أصلح.

فالعبد لا يسأل: أين أجد راحتي؟ وإنما يسأل: أين تكون عبوديتي أكمل؟ فإن كانت في خلوة صلحت بها نفسه، وامتلأ قلبه بذكر الله، فهي عبادة. وإن كانت في مخالطة يقوم فيها بحق الله وحق عباده، ويحتسب ما يلقاه من المشقة، فهي عبادة. فالراحة ليست هي الغاية، وإنما الغاية أن يستعملك الله فيما يحب، سواء وافق ذلك هواك أو خالفه.

وهكذا لا تكون العزلة ولا اعتزال العزلة غاية في نفسها، وإنما الغاية أن يبقى القلب مع الله في كل حال؛ فإذا خلا لم يأنس إلا به، وإذا خالط لم ينسه، وإذا ابتعد كان ابتعاده لله، وإذا اقترب كان اقترابه لله. فليست القضية أين يكون الجسد، وإنما أين يقيم القلب؛ فإن استقام القلب مع الله، استقامت الخلوة والمخالطة جميعا، وصارتا طريقين يتعاقبان على غاية واحدة: كمال العبودية لله.

اقرأ المزيد

قطر الأمن والأمان قطر الأمن والأمان

ما أروع أن تجد نفسك في بلد يكتنفه الأمن والأمان مهما طرأت عليه تغييرات قد ترهقنا!، ولكن بفضل... اقرأ المزيد

135

| 02 أغسطس 2026

ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني

حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط... اقرأ المزيد

231

| 02 أغسطس 2026

صوت الحكمة صوت الحكمة

مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وازدياد المخاوف من مخاطر تجدد انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع من... اقرأ المزيد

96

| 02 أغسطس 2026

مساحة إعلانية