رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لولوة الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

0

لولوة الدوسري

رحيل والدنا الأمير الوالد .. ألم الفقد وخلود الذكرى

26 يوليو 2026 , 12:11م

يصعب عليّ أن أكتب عن رحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، بصيغة الغائب؛ لأن حضوره ما زال واضحاً في وطننا، واسمه اقترن بدولة قطر التي نشأنا على أرضها وشهدنا نهضتها. ومنذ أن بلغنا نبأ رحيله، يلازمني شعور بأن الوطن فقد واحداً من أعز رجاله، وأن البيت القطري الكبير افتقد أباً حمل مسؤوليته في سنوات حاسمة من تاريخه، وقاد مسيرته نحو مرحلة جديدة. وحين نقول إنه رحل، ننظر إلى قطر فنرى أثره في نهضتها ومؤسساتها والمكانة التي وصلت إليها؛ ولذلك يصعب على القلب تقبّل غيابه، وإن كنا نؤمن بأن الموت حق، وأن البقاء لله وحده.

لا يزال الحزن يملأ بيوت قطر ويظهر على وجوه أهلها. نستشعره في المجالس، وفي أحاديث الناس، وفي الصمت الذي يعقب ذكر اسمه. ويستعيد كل واحد منا صورة أو موقفاً ارتبط به، ويتذكر القطريون السنوات التي عاشوها وهم يشاهدون بلادهم تتغير أمام أعينهم. وهذا الحزن نابع من علاقة شعب بقائد ارتبط اسمه بحياة أجيال كاملة، ورأت في عهده تحولات كبيرة امتد أثرها إلى حاضرها.

كبرنا ونحن نعيش نهضة قطر التي اتسعت عاماً بعد عام. ورأينا الدولة تطور مؤسساتها، وتستثمر في الإنسان، وتبني حضوراً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً وإنسانياً على المستويين الإقليمي والدولي. ونفخر كلما ذُكر اسم قطر في محفل دولي، أو حققت إنجازاً جديداً، أو أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات. وفي صميم هذا التحول، حضر الأمير الوالد برؤيته وقراراته وإيمانه بأن وطننا يستحق المكانة التي تليق به وبأبنائه؛ فقد أدرك أن قوة الدول تبدأ من الاستثمار في شعوبها، ومن قدرتها على حماية مصالحها وترسيخ موقعها بين الأمم.

اختار سموه طريقاً مضنياً؛ فقد تولى مسؤولية البلاد في منطقة كثيرة التقلبات السياسية والأمنية، وشهدت سنوات قيادته أحداثاً إقليمية ودولية متلاحقة. وكانت تلك الظروف تجعل استقلال القرار مسؤولية تحتاج إلى وضوح وشجاعة. وفي ظلها، لم يقبل سموه أن تبقى الدوحة على هامش الأحداث، وعمل على أن تكون قطر دولة تعرف مصالحها وتملك قرارها. وكان يؤمن بأن حماية الوطن تبدأ ببناء مؤسساته، وحسن إدارة موارده، وإقامة علاقاته الخارجية على أساس الاحترام المتبادل.

امتلك سمو الأمير الوالد عزيمة صلبة، لكنه لم يكن متعجلاً في اتخاذ قراراته. عرف متى يحتاج الموقف إلى الحزم، ومتى يكون الصبر أكثر فائدة، ومتى يفتح الحوار طريقاً لحل الخلافات. وكان ينظر إلى النتائج البعيدة لأي خطوة، ويفكر في أثرها بعد سنوات. وقد تجلت قيمة هذا التفكير في مشروعات أصبحت جزءاً ثابتاً من حياة القطريين، وفي مؤسسات ما زالت تؤدي دورها وتخدم المجتمع.

ومن أبرز ما ميّز مشروعه أنه رأى في موارد البلاد فرصة للاستثمار في المستقبل؛ فمنح التعليم مكانة أساسية، واتسعت في عهده مجالات التنمية، وتطورت قطاعات الصحة والطاقة والاقتصاد والأمن والبنية الأساسية والعلاقات الدبلوماسية والعمل الإنساني. وأراد للمواطن القطري أن يكون شريكاً في بناء وطنه، وأن يمتلك المعرفة التي تؤهله للعمل والإبداع، وأن يتجه إلى المستقبل متمسكاً بدينه وهويته وقيم مجتمعه.

وحين ننظر اليوم إلى واقع قطر، نجد نتائج تلك الرؤية في المدارس والجامعات والمستشفيات، وفي الفرص المتاحة أمام الشباب، وفي الكفاءات القطرية التي تشارك في إدارة الدولة وخدمة المجتمع. ونجدها أيضاً في ثقة المواطن بوطنه وقيادته الحكيمة. وقد جاءت هذه النتائج ثمرة عمل امتد سنوات في عهد الأمير الوالد، رحمه الله، ثم واصل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، مسيرة البناء، وقاد البلاد إلى مزيد من التقدم.

صاغ الأمير الوالد مرحلة مفصلية من تاريخ قطر الحديث، واعتمد في ذلك على شعب وثق به وبقدرته على تحمل المسؤولية. وحمل لقب "الأمير الوالد" عند القطريين معنى صادقاً؛ لأنهم لمسوا فيه حرص الأب على أسرته. كان قريباً من الناس، يعرف همومهم، ويتابع شؤون وطنه، ويرى في كل قطري وقطرية فرداً من العائلة الكبيرة التي يحمل أمانتها.

ولهذا يأتي الفقد قاسياً على قلوبنا، ونحن نودّع قائداً ارتبط اسمه بذكرياتنا الشخصية والوطنية. فقدناه ونحن نرى أفكاره حاضرة في حياتنا اليومية، ونشاهد ما أسهم في بنائه يواصل أداء رسالته. وفي لحظات الفقد، تعود الصور القديمة إلى أذهاننا، ونستعيد كلمات ومواقف لم تغادر الذاكرة. ونعلم أن لكل أجل كتاباً، لكن هذا اليقين لا يزيل ألم الغياب، ولا يجعل وداع من أحببناهم أمراً سهلاً.

ويبقى عزاؤنا أن الأمير الوالد ترك إرثاً تتعرف الأجيال من خلاله إلى سيرته وعطائه. سيحدث الآباء والأمهات أبناءهم عن قائد أحب قطر، ووثق بأهلها، ورأى لها مستقبلاً كبيراً، وعمل سنوات طويلة حتى تحولت رؤيته إلى واقع يعيشه الناس. وسيعرفون أن كثيراً مما يرونه اليوم بدأ فكرة لدى رجل آمن بأن قطر قادرة على صنع مستقبلها، فلم يجعل محدودية المساحة سبباً لتقليص طموحه، ولم يسمح لصعوبة الظروف بأن توقف مشروعه.

وستبقى سيرته شاهدة على أن الأوطان تحفظ أسماء الذين خدموها بإخلاص، وأن أثر القائد يستمر بعد رحيله في حياة شعبه. فالمشروعات قد تتطور، والمؤسسات قد تتوسع، لكن الذاكرة الوطنية تظل تحفظ لمن وضع الأساس منزلته، وتروي للأجيال ما صنعه من أجل بلاده.

يا والدنا، رحلت عن أعيننا، لكنك بقيت في قلب قطر. اسمك حاضر في تاريخها، وعطاؤك واضح في حاضرها، ورؤيتك ممتدة في مستقبل أبنائها. ندعو لك كلما ذُكرت في مجالسنا، وكلما رأينا أثراً من آثارك، وكلما شعرنا بالفخر بهذا الوطن الذي أحببته وعملت من أجله. ولا تستطيع الكلمات أن تخفف ألم الفقد، لكن الدعاء يمنح القلب سكينة، ويحفظ للراحل مكانه في وجدان من أحبوه.

رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وغفر له، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة وشعب قطر الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مساحة إعلانية