رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"أحمق مفيد" هو مصطلح سياسي ساخر يُطلق على الشخص الذي يتم استخدامه للترويج لقضية أو فكرة ما، ولا يستوعب الغاية الحقيقية منها من قبل المستفيدين الأصليين إلا بعد فوات الأوان. يُنسب هذا المصطلح للزعيم السوفيتي الراحل "فلاديمير لينين" حيث أطلقه على المتعاطفين مع القضية الشيوعية من الدول الأخرى دون أن يدروا خفايا اللعبة.
والسؤال في هذا العصر الذي أصبح فيه اللعب بالعقول أسهل من شرب الماء بفضل تنوع وسائل الإعلام وبراعتها وقذارتها في التأثير على الشعوب وسوقها في الاتجاه الذي تريد، كم يا ترى عدد الحمقى المفيدين في عالمنا العربي والإسلامي؟ كم من الملايين التي تناصر قضايا، وتتبع مشعوذين وأفاقين ودجالين يستخدمونها لأغراضهم ومصالحهم الخاصة؟ كم عدد الذين يناصرون قضايا وهم يعرفون كل خفايا القضية وأبعادها وأهدافها؟ كم عدد الذين شاركوا في الثورات العربية ولم يفهموا اللعبة إلا متأخرين؟ ألم يشارك الملايين في تلك الثورات عن طيب نية، وظنوا أنهم يناضلون ضد الظلم والطغيان من أجل مجتمعات جديدة قائمة على الحرية والكرامة والعدل والديمقراطية، بينما اكتشفوا بعد فوات الأوان أن كلاب العالم وضباعه استخدموهم كحمقى مفيدين في مشاريع شيطانية تخدم تلك القوى بالدرجة الأولى ولا تخدم أولئك المساكين؟
لا شك أنه قد يكون هناك ظلم كبير في وصف ملايين الناس التي ثارت على الطغاة فيما يسمى بالربيع العربي بالحمقى الجيدين، ولا شك أن هؤلاء، سواء كانوا أناساً عاديين أو مثقفين أو إعلاميين أو سياسيين، ثاروا فعلاً من أجل قضايا عادلة مائة بالمائة، وكانوا متأكدين أنهم يؤدون دوراً طيباً، لكن العبرة دائماً بالنتائج. لقد كان هؤلاء بما فيه بلادهم أهدافاً لقوى شيطانية لا علاقة لها مطلقاً بتحقيق العدالة ومحاربة الظلم والقضاء على الظالمين، بل استخدمت تلك الجموع كأدوات لتحقيق مشاريعها القذرة، تماماً كما كان الشيوعيون يستخدمون ملايين المتعاطفين مع الشيوعية في أنحاء العالم لخدمة الاتحاد السوفيتي ومخططاته الشيطانية تحت شعارات الحرية والعدالة والمساواة الكاذبة.
إن أول درس يجب أن يتعلمه الناس بكل شرائحهم أن ليس كل القضايا التي تبدو عادلة هي فعلاً عادلة، وأن هناك حقاً يُراد به باطل. على الجميع أن يستفيدوا من هذه التجارب المريرة للأجيال القادمة، بأن لا يقعوا فريسة سهلة للدعاية والمتلاعبين بالعقول والمتاجرين بقضايا الشعوب. ولطالما كانت الشعارات الرائعة عنواناً لكوارث قادمة. إن أول طريقة لتجنب الانضمام بشكل أعمى لصف الحمقى المفيدين أن لا تتسرع مطلقاً في تبني أي قضية مهما كانت تبدو براقة وعادلة وإنسانية في مظهرها العام.
إن هذا المصطلح اللينيني الشرير "أحمق مفيد" يجب أن يتم طرحه على نطاق واسع في وسائل الإعلام هذه الأيام لتنوير الشعوب كي تعلم أن القوى الإعلامية والسياسية الشيطانية قادرة على تجنيد الملايين من البشر تحت هذا المسمى لتحقيق غايات كثيرة عبر هؤلاء الحمقى المفيدين.
ولعل أبرز الحمقى المفيدين هم بلا شك من يسمون بالمجاهدين الذين يظنون أنهم يقاتلون من أجل قضايا سامية في سبيل الله، بينما هم في واقع الأمر مجرد أدوات رخيصة في أيدي أجهزة استخباراتية محلية ودولية، أو بالأحرى هم حمقى مفيدون تحقق بعض الدول من خلالهم مصالح كبرى، بينما هم يظنون أنهم ينفذون شرع الله، والشرع من كل ذلك براء. خدعوهم في أفغانستان ولم يتعلموا الدرس. أطلقوا عليهم لقب "مناضلون من أجل الحرية" عندما كانوا بحاجة لخدماتهم، وعندما انتهوا من استخدامهم، شحنوهم إلى معسكر غوانتنامو، مع ذلك عادوا في صفوف داعش وأخواتها دون أن يتعلموا شيئاً. لكن متى تعلم الحمقى أصلاً؟
ومن الحمقى المفيدين الذين تستخدمهم الأنظمة العربية قرابين لمشاريعها القذرة هم أولئك الذين يصدقون شعارات الوطنية وحب الوطن، بينما يموت الألوف من هؤلاء المغفلين فداء كرسي هذا الطاغية أو ذاك موتة البعير؟
لا شك أن البعض سيتساءل على ضوء الكلام أعلاه: وهل نتوقف عن الثورة على الظلم والطغيان والانتفاض من أجل القضايا العادلة والقيم الإنسانية العليا خوفاً من أن نكون حمقى مفيدين في أيدي أناس آخرين؟ الجواب طبعاً لا. طوبى لكل من ثار على الطغاة، وسيثور لاحقاً. لم يكن العيب مطلقاً بالذين ثاروا، بل بتلك القوى الدولية القذرة التي تلاعبت بثورات الشعوب وحولتها وبالاً عليها لمصالحها الوسخة الخاصة. لكن هذا لا يعني أن نبرئ الشعوب من خطأ الوقوع في شرك الذين استخدموها كحمقى مفيدين. لقد وقع الجميع شعوباً ونخباً وقيادات في أخطاء قاتلة لا بد أن تستفيد منها الأجيال القادمة. لماذا يا ترى لا تمر المؤامرات إلا على بلادنا وشعوبنا ونخبنا، ولا نكتشفها إلا بعد فوات الأوان؟
يبدو أننا أمام نمط جدبد من التجارة والتوظيف الخبيث والماكر لمعاناة وآلام وأحلام الشعوب وطموحاتها. وبدلاً من أن يكون عندنا تجارة الأعضاء البشرية الرائجة جداً من قبل مافيات المال، فنحن أمام تجارة مزدهرة جديدة بالمشاعر والأحلام الوطنية للشعوب المنكوبة من قبل تجار السياسة وحيتان اللوبيات الكبار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4632
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026