رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في العلاقات الدولية ثمة سياسة تسمى المساعدات الدولية، وهي تحويل موارد دولة لأخرى لسبب طارئ في وقت معين لتحقيق أهداف معينة مباشرة في وقت المساعدة أو تحقيق أهداف غير مباشرة طويلة الأمد، لكن الدول تقع دائماً تحت سندان التذمر من المواطنين للظاهر من المساعدة، دون أي اعتبار للعلاقات الدولية والظروف المحيطة بهذا الفعل.
في السياسة الدولية تأتي المساعدات على شكلين، شكل ظاهر، وهو الذي تراه الجماهير والذي يكون في إطار أموال تخرج من حساب الدولة إلى حساب دولة أخرى كمعونة مالية غير مرتجعة في أزمة تتعرض لها الدولة الأخرى باختلاف أنواع الأزمات، في الغرب يراها المواطن أنها أموال الضرائب التي كانت يجب أن تعود له على شكل خدمات، وفي الشرق يراها المواطن على شكل أموال الثروات التي كانت يجب أن تعود له على شكل مكتسبات.
الشكل الثاني للمساعدات هو ما يراه أهل السياسة والعاملون والخبراء فيها، وهي التي من خلالها يحققون ما يحققونه لدولهم، وتتعدد أسبابها، وتتقدمها الأسباب الإنسانية، لكننا في السطور التالية سنفرد بعضاً من أسبابها وليست جميعها.
هناك مساعدات مرتبطة بالجانب الديني أو العرقي أو الإقليمي أو الطائفي أو المذهبي وفق توجهات الدول السياسية، وقد تطول فترة هذه المساعدات، وقد يمتعض المواطنون في دولة معينة منها بسبب تغير الزمن أو الفهم أو الترويج السياسي أو التعاطي الإعلامي، لكنها واقعة ومستمرة والدول تحتاج لها لضمان أمنها أو لأي من الأسباب التي ذكرتها في المقدمة.
فلسطين مثلاً بالنسبة للعرب، هي قضيتهم التي يستمر الدعم لها ما دامت أرضاً محتلة، واجبة الفعل عليهم وجزء لا يتجزأ من الأمن القومي للدول العربية، وكلما رُدِع الكيان الصهيوني في مكان فإن مدينة عربية في مكان آخر أمنت نفسها لسنوات، ففلسطين أرض الرباط التي يجب أن تبقى حية، بغض النظر عن أسباب دعمها المباشر وغير المباشر من كل دولة، كما أن مساعدات الدول العربية الغنية للدول العربية الفقيرة تأتي في إطار تقوية منظومتنا العربية، بغض النظر عن الاختلافات السياسية، لكن وجود منظومة عربية قوية يقوي الجميع وضعفها يضعف الجميع.
وتقدم الدول المساعدات لتقي نفسها ويلات الأزمات التي قد تحدث في مكان آخر، والتي قد تؤثر على المدى البعيد عليها في أحد جوانب إدارتها للدولة، فعلى سبيل المثال يتم تقديم المساعدات الآن لأوكرانيا من دول العالم لأسباب مختلفة منها الإنسانية، ومنها من الدول القريبة من أوكرانيا التي ترى أنها قد تكون التالية، ومنها التي ترغب بهزيمة روسيا وهز صورتها وإدخالها في أزمة اقتصادية وعسكرية وسياسية، ومنها من يساعد أوكرانيا حتى لا تتأثر صادراتها بما يؤثر على استهلاكها المحلي وسلاسل الإمداد المختلفة (أوكرانيا أكبر مصدر لزيت الذرة ورابع مصدر للقمح والذرة)، هذه الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب ستؤثر في كل بيت في العالم على مستوى القمح مثلاً، وإن لم تتوقف الحرب فإن الأسعار سترتفع وستدفع الدول أضعاف ما تدفعه من مساعدات لأوكرانيا حالياً.
وتقدم الدول المساعدات على شكل منح تعليمية للدول الفقيرة التي تعاني مشكلات كبرى في التعليم وخاصة في إفريقيا وآسيا، فهذه المساعدات وإن كانت من جانب إنساني في مقام معين، فإنها في مقام ثان تساهم في نهضة الأمم والقضاء على الجهل الذي قد يولد الجريمة ويزيد من احتمالية انتشار الفساد من محيط هذه الدول لمحيط عالمي أو انتشار الهجرة غير النظامية التي تؤدي لمشكلات من كافة الأنواع والأشكال.
أيضا هناك المساعدات في وقت الأزمات الصحية التي تساهم في القضاء على انتشار الأمراض والسيطرة على الأوبئة والتي لو لم تتدخل الدول فيها لزاد انتشارها وكانت تكلفة العلاج منها أعلى بكثير من القضاء عليها في مهدها.
وهناك مساعدات تدفعها الدول الغنية، والدول المستعمرة سابقاً، والدول التي ما زالت تحت الحماية مثل دول التاج البريطاني على سبيل المثال، أو الدول التي تتعرض لمضايقات مستمرة من جيرانها مثل كوريا الجنوبية وهونغ كونغ في سبيل حماية نفسها من أي تهديد إقليمي محيط بها.
وهناك مساعدات بأشكال كثيرة مثل المساعدات الرياضية، أو المساعدات الثقافية، أو البيئية أو غيرها مما يساهم في تحقيق أهداف هذه الدول أو في فرض سياسة معينة في هذه الدولة أو في وقاية نفسها من شر مستقبلي أو في تحقيق غاية إنسانية سامية.
لكن.. ماذا تحقق هذه المساعدات؟ تحقق هذه المساعدات للدول الكثير من المكاسب على المدى البعيد، فعلى سبيل المثال لا الحصر تساهم في بعض الأحيان في فرض أجندات معينة على هذه الدول مثلما كانت تفعل بعض الدول الأوروبية في إفريقيا، أو تساهم في زرع ثقافة مثلما حدث مع الفرانكفونية في إفريقيا أيضا.
كما أن هذه المساعدات تساهم في منح الدول الضوء الأخضر للقيام بمشاريع كبرى، فبعض الدول حصلت على الضوء الأخضر لشراء نوع معين من الأسلحة مثلاً بسبب ذلك، أو إقامة مشاريع طاقة نووية أو إقامة مشاريع صناعية كبرى أو تحالفات سياسية معينة، ولم يكن لذلك أن يكون لولا أنها قدمت مساعدات مباشرة للدولة التي منحتها الضوء الأخضر (وغالبا تكون من الدول الكبرى) أو للدول المتحالفة مع هذه الدولة الكبيرة.
والمساعدات تساهم أيضا في بناء التحالفات على المدى البعيد وبناء نوع من اتفاقيات الحماية المشتركة وإن لم تكن موقعة كما حدث في الكثير من الأزمات السياسية التي وقفت فيها دول مع دول كانت تساعدها دائماً، وتخلت فيها دول عن مواقف الحق لأن الدولة صاحبة الباطل من الدول التي تقدم لها منحاً أو مساعدات مستمرة.
وقد تكون المساعدات أيضا شكلاً لبناء تحالف للمكاسب المشتركة في عمليات التصويت المختلفة، فهذه الدولة تساعد دولاً محددة في وقت معين لأنها تمتلك حق التصويت في منظمة دولية، أو لأعضائها القدرة على التأثير على قرار مؤسسة أممية، أو لحكومات يمثلها أفراد يملكون حق التصويت للفوز باستضافة حدث عالمي كالألعاب الأولمبية مثلاً.
وهنا يجب أن نذكر أن الجمهور يفرح بأي إنجاز تحققه بلادهم، في مشروع قومي، أو في استضافة حدث عالمي، أو في الفوز في التصويت، لكنها لا تعلم كيف تحقق هذا الإنجاز، أو كيف نالت بلادهم حق الاستضافة، أو الفوز بالمنصب، أو التصويت، أو غيره. إن المساعدات المالية في السياسة الدولية تختلف اختلافا كليا عن العلاقات بين الأفراد، لهذا لا يجب أبداً النظر لأي فعل سياسي من المنظور الاجتماعي الفردي الضيق، ولا الحكم عليه في إطار أن كل شيء عندي يجب أن يكون لي، فأنت لا تعيش في العالم وحدك.
خذلان النخب لغزة
في الأزمات الكبرى، تتجلى المواقف على حقيقتها، فتسقط الأقنعة، ويظهر الصادقون من المدّعين. وعندما تكون الأزمة بحجم المجازر... اقرأ المزيد
864
| 05 مارس 2025
سقف ترامب
منذ دخوله الساحة السياسية، برع دونالد ترامب في استخدام إستراتيجيات تفاوضية غير تقليدية، تجمع بين التهديدات القصوى والانسحاب... اقرأ المزيد
807
| 18 فبراير 2025
يوم رياضي واحد
يُعتبر اليوم الرياضي في دولة قطر من المبادرات الرائدة التي تعكس التزام الدولة بتعزيز الصحة العامة ونشر ثقافة... اقرأ المزيد
1104
| 11 فبراير 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026