رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. طارق السويدان

د. طارق السويدان

مساحة إعلانية

مقالات

2285

د. طارق السويدان

قوانين الحضارة الأخرى

26 أكتوبر 2011 , 12:00ص

فصلنا القول في أول قانون منها وهو قانون التداول في المقال السابق، ومن القانونين الأخرى للحضارات التي ذكرها القرآن الكريم قانون التدافع، وعلى أساس هذا القانون يقع قانون التداول الذي تكلمنا عنه، وقانون التدافع هذا مستمد من قول الله تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)البقرة/251

وقوله تعالى (...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)الحج/40

والدفع في لغة العرب الإزالة بقوة، وخلاصة هذا القانون أن الله تعالى هيأ أسباب التدافع بين البشر، وبين الحضارات، ولولا هذا التدافع لانتهت القيم بين البشر، وسيطر الفساد على الأرض، وانتهت الأديان، ولهدّمت وأزيلت دور العبادة بكل أشكالها، المساجد والصوامع وغيرها.

لولا التدافع

يقول لنا قانون التدافع: إذا تراخى المؤمنون وضعفوا كانت الغلبة والسيطرة لأعدائهم، ولولا قانون التدافع لسيطرت الهمجية والوحشية على عالم البشرية، ولاحتكموا إلى قانون الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف، ولولا التدافع لاختُطف الدين لتمثله زمرة من الأشخاص الذين باعوا دينهم وضمائرهم لحاكم مستبد، وفي نهاية التدافع " يكون الصلاح والخير والنماء.. يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بينه الله لها، وتعرف طريقها إليه واضحاً، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه".

من صور التدافع

هناك صور للتدافع أجملها في الآتي:

<== الانحراف في طاعة الطغاة: وقد وضع لنا النبي (ميزاناً واضحاً للطاعة، فقال (((لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) مسلم

فلولا سنة التدافع المتمثلة في الثورات العربية وغيرها لاستمر الاستبداد بالحكم، ولبقي الطغاة في مواقعهم يذلون الناس، ويسلبونهم الكرامة والحرية وطيب العيش، لكن المؤمن المرتبط بالله تعالى، والحرّ صاحب المروءة يأبى أن يطيع إنساناً مثله في أمر يغضب الله تعالى.

<== التدافع بين الحق والباطل بالصراع المباشر، كما حصل مع النبي (في غزواته ومعاركه، كانت مواجهة مباشرة مع الباطل وأهله، مواجهة استخدمت فيها القوة المادية والمعنوية، وهذا التدافع بين الحق والباطل سنة حتمية من سنن الله تعالى الحاكمة في حياة البشر، فلا بد في كل زمان ومكان من صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، بين العدل والظلم.

<== التدافع بالتنافس الحضاري بين الأمم: وهذا التنافس إحدى حقائق التاريخ الثابتة، فكل أمة تسعى لأن تكون الأقوى، وكل حضارة تبذل ما لديها من قدرات وإمكانات لتبقى متفوقة ومتقدمة على غيرها من الحضارات المحيطة بها، ومع مرور الزمن وتغير الظروف، تتبدل معايير القوة، التي كانت في البداية مقتصرة على الأرض وما تحويه من موارد، أما في العصر الحديث فصار الفكر والمعلومات والعنصر البشري، قوة لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية.

شبهة الخروج على الحاكم

مع هبوب رياح التغيير المباركة، وخروج المقهورين والمظلومين إلى الشوارع والطرقات، يخرج علينا من يفتي بحرمة الخروج على الطغاة الظلمة، ويفتي بحرمة وبدعية انتفاض الناس وثورتهم على الظلم والظالمين، ويلوون أعناق النصوص لتوافق فتاواهم، مع أنهم يعلمون أنها ثورات ما قامت إلا لمحاربة الظلم ومواجهة الفساد، وإلا للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والتداول السلمي للسلطة، وأنا أقول حسبنا وحسبهم حديث النبي (((سِيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بن عبدالْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ)) الحاكم

هذا الحديث يكفي (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )أما من هو متضرر من هذه الثورات أو يجبن عن أن يقول الحق فسيجد مخرجاً يرضي نفسه وشيطانه، وسيجتهد في إبطال فاعلية الثورات، وتخطئه القائمون عليها، والنيل من قادتها وروادها ومؤيديها.

ثالثاً: قانون الغلبة والنصرة

جاء دليل هذا القانون في القرآن الكريم في أكثر من موضع منها:

قول الله تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(المجادلة/21

وقوله تعالى (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج/40

وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (محمد/7

وقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)النور/55

حالات الغلبة والنصرة

* الحالة الأولى: إذا التزم المسلمون بالحق وأخذوا بأسباب النصر المادية، من حيث العدد والعدة، فالغلبة لهم بإذن الله تعالى.

* الحالة الثانية: إذا التزم المسلمون بالحق ولم يأخذوا بأسباب النصر المادية، فالغلبة والنصر تكون للأقوى مادياً من الطرفين.

* الحالة الثالثة: إذا التزم المسلمون بالحق، ولكن عددهم قليل لا يكافئ أعداءهم، وفي مثل هذه الحالة يقول الله تعالى (... فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )الأنفال/66

أي إذا كان عددكم يساوي نصف عدد عدوكم فعليكم الجهاد ومواجهة العدو، بعد الأخذ بأسباب النصر، وسيكون النصر حليفكم بإذن الله تعالى.

* الحالة الرابعة: إذا ترك المسلمون الحق، وتخلوا عن دينهم، واتبعوا الشرق والغرب، وركنوا إلى الأسباب المادية، ففي مثل هذه الحالة سيكلهم الله تعالى إلى أنفسهم، وستكون الغلبة للأقوى من الناحية المادية.

رابعاً: قانون التغيير

يعد ّهذا قانون التغيير من القوانين الرئيسية التي تفسر حركة الحضارات، من حيث النشوء والتطور والاندثار، كما يرد هذا القانون على كل المتواكلين، وكل السلبيين، فهو يؤكد أنْ لا نصر ولا نهضة ولا مجد، بلا جهد من البشر، وبذل وسعي من المخلوق.

وقد أشار القرآن الكريم إلى نوعين من التغيير:

النوع الأول: التغيير الإيجابي ودليله من القرآن الكريم قول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )الرعد/11

والحديث في هذه الآية عن قوم أحوالهم سيئة، وتخبر أن هذه الأحوال السيئة لن تتبدل ولن تتغير، ولن تتحسن، مالم يتغير الناس نحو الأفضل، لأن الله تعالى" لا يغير نعمة أو بؤساً، ولا يغير عزاً أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة.. إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله تعالى ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله تعالى يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون، ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم ".

والدعاء وحده لن يغير من أحوال الأمة، بل لا بد أن نضيف إلى الدعاء عملاً وجهداً، وأن ننطلق في أعمالنا من خطة واعية، ومنهجية واضحة، وأهداف محددة قابلة للقياس، وبغير ذلك لن تقوم للأمة قائمة.

النوع الثاني: التغيير السلبي ودليله من القرآن الكريم قول الله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )الأنفال/53

تتحدث هذه الآية عن قوم أنعم الله تعالى عليه بالنعم العظيمة، والآلاء الجسيمة، فهو يذكرهم بأن هذه النعم لن تزول إلا إذا خالفتهم منهج الله تعالى، وتنكبتم طريقه المستقيم، ومع أن الله تعالى قادر على تبديل أحوال الناس، فأمره بين الكاف والنون، ولكن ترك التغيير والتبديل نحو الأفضل أو الأسوأ للجهد البشري.

اقرأ المزيد

التنافس الاقتصادي "2" التنافس الاقتصادي "2"

تحدثنا في المقال السابق عن المعيارين الأولين للتنافس الاقتصادي وسنكمل اليوم باقي المعايير، ولا يشك عاقل أن النمو... اقرأ المزيد

689

| 10 يوليو 2012

التنافس الاقتصادي التنافس الاقتصادي

يقول ابن خلدون رحمه الله " إن الأموال إذا اكتنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في... اقرأ المزيد

2510

| 04 يوليو 2012

أمة منفتحة على العالم أمة منفتحة على العالم

الحمد لله الذي بسط الأرض وجعلها كلها موطنا للإنسان يتنقل فيها حيث يشاء، والصلاة والسلام على من نشر... اقرأ المزيد

25788

| 19 يونيو 2012

مساحة إعلانية