رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصاعدت في الآونة الأخيرة الجهود الإقليمية والدولية، لاحتواء التوتر الناجم عن العدوان الصهيوني على القدس، وبالذات قدس أقداسها – المسجد الأقصى، فالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون زار المنطقة، تحديدا رام الله وعمان وعاصمة الكيان، وجون كيري وزير الخارجية الأمريكي، التقى القيادة الفلسطينية في العاصمة الأردنية، كما التقى قادة قطعان بني صهيون، ومساء الخميس الفائت عقد مجلس الأمن جلسة عامة لمناقشة تطورات هذا العدوان، واللجنة الرباعية المعنية بما يسمى بالسلام في الشرق الأوسط اجتمعت نهاية الأسبوع الماضي.
واللافت أن الدعوة إلى وقف ما يطلق عليه العنف في الأدبيات السياسية الدولية، هي السائدة في عناوين هذه اللقاءات والزيارات، وثمة مفارقة ما زالت تهيمن على الفكر السياسي الغربي، تتمثل في المساواة بين الضحية والجلاد، والقاتل والمقتول، القوة القائمة بالاحتلال والشعب الذي يكابد عذاباتها وقهرها وقتلها، بل وصل الأمر بمسؤول أمريكي كبير إلى اعتبار ما تقوم به سلطات الاحتلال، تجاه شباب وأطفال ونساء فلسطين عندما يتصدون لعدوانية قطعان بني صهيون، سواء من الجيش أو الشرطة أو المستوطنين، دفاعا مشروعا عن الذات، وإن كان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في سياق ذر الرماد في العيون، وصف على استحياء هذه الممارسات بأنها من قبيل الاستخدام المفرط للقوة ، الأمر الذي أغضب حكومة اليمين المتطرف التي تضم عتاة قادة المستوطنين برئاسة الإرهابي الأكبر بنيامين نتنياهو، وجعلها تحتج على هذه السقطة للمتحدث، الذي قد يدفع ثمنها قريبا عندما يتم استبعاده من منصبه، بعد أن يمارس اللوبي الصهيوني نفوذه غير المسبوق في واشنطن وقد يتهم بمعاداة السامية.
وبالطبع، لم تتجاوب الحكومة اليمينية لقطعان بني صهيون مع أي من هذه الدعوات لوقف العنف، وهي تسمية تنطوي على مغالطة، بينما الصحيح هو وقف العدوان الصهيوني، ولم تتجاوب أيضا مع اقتراح قدمه الفرنسيون بإرسال مراقبين دوليين إلى باحات المسجد الأقصى، ووجدت دعما من قبل الولايات المتحدة في هذا الرفض، حيث أصر وزير خارجيتها على عدم تدخل أطراف خارجية في الأمر، وترك الأمور على ما هي عليه في المسجد المبارك، في حين أن الكيان يسعى بقوة إلى تنفيذ مخططه الرامي إلى تقسيمه زمانيا ومكانيا، مثلما فعل قبل سنوات مع الحرم الإبراهيمي والذي بات مقسما بشكل تعسفي بين المسلمين واليهود.
ومن الواضح، أن الكيان يقف بقوة ضد الفكرة التي تطالب بها السلطة الوطنية والعرب، والمتمثلة في توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وهو ما شدد عليه الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية في مداخلته القيِّمة، أمام الجلسة العامة لمجلس الأمن مساء الخميس الماضي، معربا عن قناعته بأنها باتت الأكثر إلحاحا باعتبارها تمثل استحقاقا قانونيا تمليه مقتضيات الحالة الراهنة، وإطارا ضروريا لضمان وتوفير البيئة اللازمة لتحقيق السلام، غير أنه يضيف أن الإجراءات الرامية إلى حماية المدنيين الفلسطينيين، من انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلية والمستوطنين، إنما تمثل خطوات مطلوبة لمواجهة الوضع الحالي، ولكنها لن تعالج جوهر المشكلة، المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وما دام هذا الاحتلال مستمرا فإن الانتهاكات الإسرائيلية ستستمر، سواء في القدس أو بالعدوان المتكرر على قطاع غزة.
ولا يتوقف الدكتور العربي عند حد طرح الفكرة، وإنما يحدد سياقاتها التي تجعلها قابلة للتنفيذ، لاسيَّما أنه هو واحد من أصحاب العقول العربية القليلة المتخصصة في القانون الدولي. وفي هذا السياق يؤكد أن مبدأ توفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، تضمنته نصوص الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة بالشأن الفلسطيني منذ نشوء قضية فلسطين إبان عهد عصبة الأمم، مذكرا بأن فلسطين كانت خاضعة لنظام الانتداب الدولي بما يرتب قيام مسؤولية خاصة للمجتمع الدولي تجاه الشعب الفلسطيني منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، منوها في هذا الصدد بما أكدت عليه محكمة العدل الدولية منذ عام 1950 حول مسؤولية المنظمة الدولية تجاه الأقاليم الني كانت تحت نظام الانتداب وتركيزها على مبادئ محددة.
ويقول: إنه من الناحية التطبيقية، فإن توفير هذه الحماية من خلال التواجد الدولي المباشر لأجهزة الأمم المتحدة من السهولة بمكان، مذكرا في هذا الشأن بهيئة مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة المنشأة بناء على قرار مجلس الأمن رقم 73 لعام 1949 الذي طالب بموجبه السكرتير العام للأمم المتحدة أن يتخذ التدابير اللازمة، للاستمرار في استخدام أي عدد من موظفي هيئة رقابة الهدنة الحالية، كما تقتضيه الضرورة للمراقبة والمحافظة على وقف إطلاق النار، وكلما يكون ضرورياً لمساعدة أطراف اتفاقيات الهدنة على الإشراف على تطبيق ومراعاة نصوص تلك الاتفاقيات مع العناية بصورة خاصة برغبات الأطراف المعبر عنها في مواد الاتفاقيات ذات العلاقة، وهذه الهيئة ما زالت حتى الآن موجودة في القدس وبوسعها ممارسة الدور المطلوب منها وتوسيع مهمتها لتشمل الأماكن المقدسة والحرم القدسي حين يطلب منها ذلك.
وفي هذا السياق، فإن مجلس الأمن وبموجب قراره رقم 904 لعام 1994 الصادر إثر مذبحة الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل قد طالب بـ"اتخاذ تدابير لضمان سلامة وحماية المدنيين الفلسطينيين في جميع أنحاء الأرض المحتلة، تشمل، في جملة أمور، توفير وجود دولي أو أجنبي مؤقت"، وهو ما جرت الإشارة إليه أيضاً في الملحق الثاني من اتفاق أوسلو الخاص ببروتوكول انسحاب القوات الإسرائيلية الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وذلك في سياق عملية السلام الجارية، وأشير كذلك إلى القرار 605 الصادر عام (1987) والذي طالب بضرورة الحماية للفلسطينيين، وأيضاً الفقرة 50 من تقرير السكرتير العام السابق كوفي عنان حول الحالة في الشرق الأوسط، الموجه إلى أعضاء مجلس الأمن في ديسمبر 2006 التي أكدت على الحاجة الملحة لاستكشاف وتفعيل وسائل جديدة لحماية المدنيين الفلسطينيين وفقاً لما ورد في خطة خارطة الطريق بالنسبة للمراقبين بدعم من اللجنة الرباعية ومجلس الأمن.
في ضوء كل هذه المعطيات، تتبدى الحاجة ماسة إلى تغيير منهجية التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية، وفق ما يؤكده الدكتور العربي، على نحو يتوقف معه مجلس الأمن، عن أسلوب "إدارة النزاع" المتبع منذ عدة سنوات، ويبدأ في العمل الفوري على "إنهاء النزاع"، من خلال ممارسة دوره وفعاليته وفق البند السابع، إن كان هناك جديد حقيقي، باتجاه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
العمل حين يصبح إنسانيًا
بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة، تعرفت من خلالها على أنماط وبيئات عمل مختلفة بين القطاع... اقرأ المزيد
237
| 28 يناير 2026
قطر.. دعم مستمر للشعب السوداني الشقيق
جاءت المباحثات الرسمية التي عقدها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، مع... اقرأ المزيد
129
| 28 يناير 2026
مشهد أثقل الأرواح والمقابل جيفة
في مشهد لا يمكن تصنيفه إلا بوصفه ذروة الانحطاط الأخلاقي، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأول، على نبشٍ... اقرأ المزيد
231
| 28 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
1959
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
696
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
693
| 25 يناير 2026