رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك صراع قوي بين العملات الأساسية على من يتزعم النظام النقدي العالمي وما هي الشروط؟ نظام "بريتون وودز" الذي أقر بعد الحرب العالمية الثانية أعطى الذهب ومن ورائه الدولار الدور الأساسي. لكن بعد أن ألغت الولايات المتحدة في 15\8\1971 قرار تحويل الدولار إلى ذهب عبر سعر صرف محدد، أصبح الدولار عمليا النقد الدولي الأساسي دون منازع. منذ ذلك التاريخ لم يعد هنالك في الواقع أي نظام عالمي واضح ومحدد، بل أصبح الاقتصاد الدولي مرتكزا على عدة عملات تتنافس فيما بينها. قبل خلق اليورو، كانت المنافسة بين الدولار والمارك والين. مع اليورو ونتيجة نمو الاقتصاد الصيني وتراجع الياباني، أصبحت المنافسة الدولية اليوم عمليا بين الدولار واليورو واليوان حيث تشكل الاقتصادات الثلاثة 60% من العالمي. لولا مشاكل أوروبا المالية الحالية، لكان وضع اليورو أفضل بكثير عما هو عليه.
ما هي المواصفات المطلوبة كي يقبل أي نقد في الاقتصادات المحلية والإقليمية والدولية؟ يجب أن ينظر المواطنون إلى النقد كوسيلة مقبولة وذات قيمة للتبادل السلعي والخدماتي ولتقييم الأصول وكافة المبادلات التجارية. يجب أن يحافظ النقد على قيمته الشرائية حتى لا يستبدل بآخر أو يرمى من أجل آخر. كي يكون مقبولا دوليا، على النقد أن يكون حرا في الأسواق ومتوافرا خارج الحدود بكمية كافية ويمكن استبداله بأي عملة أخرى. كي يقبل كاحتياطي دولي، عليه أن يكون صادرا عن دولة كبيرة ذات نظام مالي حديث ومؤسسات قوية ويعتمد على النظام الاقتصادي الحر. يبقى الدولار النقد الوحيد الذي يتمتع بهذه المواصفات يليه اليورو الذي يعاني من عدم وجود دولة واحدة وراءه كما أنه تضرر كثيرا من الأزمات اليونانية والإسبانية وغيرها. قدرة الولايات المتحدة على تمويل عجزها المالي عبر إصدار سندات خزينة بنقدها هي فريدة حتى اليوم وتشير إلى استمرار الثقة بالنقد والدولة. هنالك دولة تطبع دولارها لتشتري السلع والخدمات في وقت يطلب العالم منها أن تحافظ على قيمة نقدها وهذه مفارقة تعرف بتناقض "تريفين". أما اليوان فهو بعيد كل البعد عن صفة الاحتياطي النقدي الدولي ليس فقط لأنه ليس حرا في الأسواق، وإنما لأن الصين نفسها لا ترغب في تحويله إلى ذلك.
ما هي الأوضاع الاقتصادية للمجموعات الثلاث وإلى ما تشير إليه الأرقام لسنة 2013؟ في النمو الاقتصادي، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.3% مقابل انخفاض قدره 0.4% لدول الوحدة النقدية الأوروبية وارتفاع يقارب ال 8.5% للصين. ما زالت الصين مميزة بنموها رغم الأزمة المالية العالمية التي طالت زبائنها الغربيين. في ميزان الحساب الجاري ونسبة للناتج، من المتوقع أن يكون فائضا في أوروبا (1.4%) والصين (2.5%) وعاجزا في أمريكا (3%-). في الموازنة، من المقدر أن يكون هنالك عجز كبير في الولايات المتحدة (6- %) وعجز أدنى في كل من أوروبا (2.6- %)والصين (1- %). هذا يشير إلى أن الدول لا تزال تنفق فوق إمكاناتها وهذا سيئ على المدى الطويل. في حجم الدين العام من الناتج، يتوقع أن يصل إلى 111% في الولايات المتحدة، 93% في أوروبا و 20% في الصين. ارتفاع الدين الأمريكي يشكل نقطة ضعف تؤثر بقوة على مستقبل الاقتصاد في غياب الحلول العملية التي تفترض تعديلا في السياسة المالية. مقارنة هذه الأرقام بعضها ببعض تؤكد على عدم وجود قوة كبرى واحدة في العالم، أي أن الاقتصاد الدولي سيبقى معتمدا على عملات ثلاث متنافسة بدرجات وأحجام وأدوار مختلفة.
ما هو مستقبل الدولار؟ السياسة النقدية التضخمية للمصرف المركزي الأوروبي منذ سنة 2001 أحدثت أزمة عقارية لا مثيل لها في التاريخ الحديث. الركود الذي مرت به أمريكا والتعثر في النهوض أضعفا الاقتصاد الأمريكي ونقده. لولا وجود مقرضين للولايات المتحدة كالصين والدول الخليجية وبعض الدول الآسيوية التي استثمرت في الاقتصاد، لكان الوضع الأمريكي أسوأ بكثير. يمكن للدولار أن يبقى النقد الاحتياطي الدولي الأقوى إذا استطاعت أمريكا أن تبقي عجز ميزان حسابها الجاري في حدود 3% بالتزامن مع تخفيض كبير في عجز الموازنة وارتفاعا في نسبة الادخار الداخلي كي يتم الاعتماد أكثر على التمويل الداخلي بدل الخارجي.
ما هو مستقبل اليورو؟ الأزمة الأوروبية كبيرة وعميقة لكن الأوروبيين يعالجون أزمتهم بنجاح وترو وذكاء. إذا استمرت السياسات التقشفية القاسية المعتمدة اليوم، من الممكن أن ينتخب الأوروبيون مستقبلا الأحزاب المتطرفة. هنالك ضرورة للانتظام المالي ولتطبيق اتفاقية "ماستريخت" لكن ليس على حساب الاستقرارين الاجتماعي والسياسي.
يجب أن تتحول الوحدة النقدية الأوروبية باتجاه وحدة فضلى أي تماما كما أوصى بها مؤلفها "روبرت مونديل" الذي حاز جائزة نوبل للاقتصاد. عندها يمكن لليورو أن يصبح منافسا قويا بل موازيا للنقد الأمريكي.
ما هو مستقبل اليوان؟ تحقق الصين منذ سنوات نموا قويا متواصلا. أصبحت الصين حديثا الاقتصاد العالمي الثاني ومن المتوقع أن تصبح الأولى خلال عشرين سنة أو أقل. حققت الصين نجاحا تجاريا كبيرا وها هي تتدخل يوميا في السوق لمنع ارتفاع اليوان كي لا تنحدر صادراتها. تفتقد الصين إلى أسواق مالية منفتحة حرة عميقة وشفافة بحيث ترفع من حظوظ نقدها في الأسواق الدولية. لكن الحكومات الصينية المتعاقبة حتى اليوم لا تظهر حماسا للانتقال إلى هذا المستوى وهذا الدور. عندما يتغير الهدف وتتعدل السياسات، على الصين تحرير سعر صرف نقدها والسماح بتحويله بحرية إلى العملات الأخرى في الأسواق الداخلية والخارجية.
ما هو مستقبل النظام النقدي العالمي؟ السياسات النقدية السخية الهادفة إلى تكبير حجم الكتلة النقدية تؤدي حكما إلى منافسة كبيرة بين العملات ومن الممكن إلى حروب فيما بينها. هنالك دور كبير لصندوق النقد الدولي في منع الحرب عبر التنسيق القوي والذكي بين المصارف المركزية الثلاث كما عبر رقابة الأسواق منعا للتقلبات الكبيرة المكلفة.
تشير الدراسات إلى أنه في حال توقفت المصارف المركزية عن التدخل في الأسواق، سينحدر العجز التجاري الأمريكي بحدود 150 مليار دولار أي بين 1 و 2% من الناتج ويرتفع عدد فرص العمل ما بين 1 و 2 مليون. ستستفيد منطقة اليورو أيضا لكن بنسب أقل.
ويتغير الاقتصاد العالمي كثيرا باتجاه دور أكبر للدول الناشئة. في سنة 2025، من المتوقع أن يبلغ حجم مجموع الناتج للدول الست الأساسية أي البرازيل والصين والهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وروسيا حوالي نصف الناتج العالمي. أما منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فما زالت مرتبطة كثيرا بالدولار بسبب تحرير النفط بالنقد الأمريكي. إذا اعتمدت الولايات المتحدة سياسة الدولار القوي، ستصبح الدول النفطية العربية أقوى وبالتالي تتحسن أوضاع المنطقة العربية المدولرة جدا. لكن من الحكمة توسيع التعاون المالي والتجاري بين الدول العربية من جهة وأوروبا والصين من جهة أخرى لتخفيف المخاطر وتنويع العلاقات وتوسيع الخيارات المتاحة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8721
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2814
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
1647
| 30 أكتوبر 2026