رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهت الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية إلى عودة الحزب والنخبة التي ثار عليها الشعب من قبل، ويبدو المشهد وكأن ما تحقق لا يزيد على نجاح الإطاحة برأس النظام القديم، وتسليم الحكم إلى وجه جديد من ذات التعبير السياسي والاجتماعي للنظام القديم.
غير أن الأمور ليست كذلك، ولا تحتاج إلى تلك الحالة من الغضب وربما اليأس الذي يجري التعامل به في كثير من الكتابات والبرامج الحوارية.
لقد اختار الشعب التونسي الأفضل له ولتونس وتجربتها الثورية في تلك الأجواء الماطرة بالغم والهموم والانقلابات الإقليمية والدولية، ولو كانت قوى الثورة هي من وصلت للحكم الآن وسيطرت، لكانت تجربة الثورة ذاتها قد أصبحت تحت تهديد الفشل الحقيقي الذي يعرقلها لعشرات السنين.
ولإدراك تلك الحقيقة ليس علينا إلا معرفة نقيض ما حدث، فنحن لا نعرف الأشياء بالعين أو العقل أو النفس إلا برؤية نقيضها.
فلو فاز المعبرون عن الثورة في ظل ما خربه النظام السابق ووسط الأوضاع الإقليمية الراهنة وعنوانها غياب دولة كبرى داعمة للثورة مع وفرة في الدول المعادية لها، ولو فازوا في ظل هذه الأوضاع الدولية وعنوانها صراع ضار على الدول الصغرى وموقف موحد ضد الثورات، لكانت النتائج وخيمة على المجتمع والثورة، بل يمكن القول بأن وصول الثوار الآن، لم يكن له من نتيجة إلا الانقلاب عليهم وشدة اختلال المجتمع وتحول تونس إلى ما وصلت إليه غيرها من الدول، وهي دولة يحاصر وجودها بالأحداث الجسام في ليبيا والتجربة المأساوية- العشرية السوداء- التي عاشتها الجزائر خلال تجربتها السابقة في التحول الديمقراطي.
وإذا تصور البعض أن سلمية الانتقال والتنقل في حركة الثورة التونسية، كانت دافعا يمكن استثماره، فذلك ليس إلا خيالا، ولو رأت النخب المسيطرة – ومن يناصرها في الإقليم والغرب - أن الأمور ستنقلب إلى ثورة سياسية واجتماعية شاملة تطيح بالنفوذ الغربي، لتحول الأمر إلى ما تحولت إليه ثورات دول الربيع الأخرى.
وقد شهدنا ملمحا كانت تجب قراءته بتدقيق، إذ صار الرئيس الليبرالي – المرشح لولاية ثانية - متهم جمهوره بالتطرف والإرهاب، وجمهوره المقصود هو جمهور حركة النهضة التي تحركت ضدها ذات الاتهامات.
تونس باختصار لا تستطيع قدراتها كدولة ومجتمع وجغرافيا، أن تمنحها القوة للوقوف وحدها في المواجهة في ظل التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة.
هنا لا نحكم بما نحب أو نرغب أو نكره، نحن نحكم على موازين القوى الفعلية على الأرض. والآن يمكن القول بأن تونس حققت ما يمكن تحقيقه – وهو ليس المأمول بالطبع، إذ تراجعت ثورتها خطوات للوراء، لكنها لم تنكسر– ودخلت في وضعية يمكن البناء عليها خلال المرحلة القادمة، أو يمكن القول بأن تونس خرجت بعودة سيطرة النخب القديمة مع بقاء قوة الثورة (القوة الفعلية) على قدرتها، وهي، لاشك، تعلمت دروسا يمكن الارتكاز عليها لتطوير حركة التغيير إلى نمط أعلى في الفترة المقبلة، شرط أن تتوفر الإرادة والفهم لما هو جارٍ ومتابعة التغييرات الإقليمية والدولية بدقة.
وأول تلك الدروس هو أن التحول الديمقراطي لا يزال متوقفا قطاره في المحطة التي يمكن أن تنقله إلى ديمقراطية حقيقية، ديمقراطية تسمح بحكم الإسلاميين. وأن الحكومات العربية والإقليمية الرافضة لحكم الإسلاميين لا تزال على درجة من القوة والتأثير، بما يتطلب تنسيقات ورؤى للتغيير في الإقليم، إذ الإشكالية الحقيقية للربيع العربي أنه لم يكن شاملا لكل الدول، بما أتاح لقوى رفض التغيير ممارسة التأثير في الدول التي شهدت التغيير. وأن الحكم على القوى السياسية ليس بتلك الشعارات البراقة التي ترفعها، فقد انكشفت وجوه كان البعض يتصور أنها لا تساوم على الديمقراطية أبداً حتى لو أتت بمخالفيهم.
ظهر أن كثيرا من تلك القوى والوجوه تتحدث عن ديمقراطية تقصي الإسلاميين لا ديمقراطية تعددية وتنافسية حقيقية. وظهر أن هؤلاء مستعدون للتعاون مع الفاسدين ورجال الغرب إذا كانت نتيجة اللعبة الديمقراطية وصول الإسلاميين للحكم، أو إذا وصل للحكم من يقبل التحالف معهم من القوى الليبرالية أو الوطنية الأخرى، فالعداء للإسلاميين والإسلام أعلى عندهم من القيمة الإيجابية للديمقراطية.
وقد ظهر للجميع أن معركة الديمقراطية لا يمكن فصلها عن معركة الاستقلال الوطني، وأن خصم القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية هو الغرب المتعاونين معه وليس عملاؤه في الداخل فقط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2295
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1458
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026